ما تبقى من ذاكرة الطريق

لم أعد أحرص دائمًا على حلق لحيتي كل صباح، عادة قديمة تراجعت بهدوء، كما تتراجع الأشياء حين تتعلم أن تبقى بلا ضجيج. لست خائفًا من العمر، ولا يربكني البياض حين أراه في المرآة، كأن الزمن فقد حدّته الأولى وصار أكثر هدوءًا مما توقعت، حتى كلمة "حاج" أصبحت تتردد كثيرًا على مسامعي، ولم أعد ألتفت إليها كما كنت أفعل أو أحتج سابقاً.

أحيانًا لا أكون شخصًا واحدًا حين أستيقظ. بل مزيجًا خفيفًا من أزمنة مختلفة: طفل يركض في أزقة بعيدة، وشاب ما زال يظن أن العالم قابل للفهم، ورجل يمشي ببطء كأنه يصالح ما تبقّى من الاثنين داخله. لا أحد يغيب تمامًا، لكن أحدهم فقط يتقدّم كل صباح خطوة إضافية. ذلك الطفل ما زال هناك يركض في الحارة، ويلعب بين الحفر التي خلّفها مرور عابر للجيش، وبين ملعب مدرسة الراهبات وبركة المياه المتجمدة خلف سور المدرسة. لم يكن خوفي من الطابة التي قد تضيع في شرفة المدرسة خوفًا صغيرًا كما يبدو اليوم، بل كان البداية الأولى لحذرٍ سيسكن لاحقًا في كل قرار، كأن الطفولة لا تنتهي بل تتخفّى في شكل طباعٍ لا ننتبه إليها.

رفاق الطفولة لم يغادروا تمامًا. بعضهم صار ظلًا خفيفًا لا يظهر إلا حين تهدأ الذاكرة، وبعضهم انسحب حتى صار الغياب شكله الوحيد. ومع ذلك، لا أحد يختفي كليًا؛ هناك طبقة في الداخل تحفظ ملامحهم كما كانت، كأن الزمن لم يجرؤ على لمسها، بل مرّ من حولها فقط. احياناً أعيد ترتيب غيابهم فمنهم من فرّقتنا دروب الحياة وغادرنا بعضنا إلى الأبد. لم تعد تجمعنا اللقاءات، ولا المصادفات، لكن برغم هذا الغياب، لم يحدث نكران بيننا، ولم تخن الذاكرة عهدها، بقيت الطفولة وحدها وفية لكل شيء، لأيامنا الأولى، لضحكاتنا البسيطة، ولتفاصيل صغيرة كانت تبدو عابرة، ثم صارت اليوم كل ما نملكه من بعضنا. هناك في تلك الذاكرة البعيدة نلتقي فقط، لا عودة ممكنة، لكن ما بيننا ما زال حيًا في زمنٍ لا يعرف الفقد الكامل، بل يعرف فقط كيف يحتفظ بما كان أجمل من أن يُنسى.

لم يعد يزعجني طقس الصباح الطويل. أغسل وجهي مرة واحدة، وهذا يكفي، ولا بأس إن نسيت، فكثير من الأشياء أصبحت أنساها، ولم أعد أحدق في المرآة لأتأكد من كل تفصيل، لا فرق إن بقي شيء من الصابون على وجهي، فالبياض الذي غزا شعري صار يخفيه فأقف متسائلًا: أهو بياض يزهر على وجهي، أم أن خريف العمر بدأ يتساقط بهدوء؟

***

في إحدى الليالي حلمت، بالكاد أستطيع تذكر ما حلمت، لكنني كنت في الحلم أتمنى أن أكبر بسرعة، ومن باب الفضول يظن الأطفال أن وراء الكِبر كل الإجابات، ثم يكبرون ليكتشفوا أن الفضول كان أجمل من الأجوبة، فيندمون لاحقًا على استعجال الطريق.

المكان ليس خلف الحكاية، بل داخلها. الساحة، الجامع، القلعة التي تراقب البلدة من علوّها، ليست حجارة، بل ذاكرة متراكمة لأرواح مرّت وبقي منها ما يكفي ليعيد تشكيل من يمرّ بعدهم. كأن الأرض لا تحفظ الخطوات فقط، بل تحفظ النسخة التي كنّا عليها حين خطونا.

الطريق الذي أعبره كل صباح لا يعيد نفسه. بل يعيدني أنا بصيغة مختلفة في كل مرة. لا شيء ثابتاً فيه سوى قدرته على كشف ما لم أكن أراه في نفسي من قبل، وعلى جانبيه، لا تنمو الحكايات لتُروى، بل لتبقى معلّقة بين الفهم والتأويل، كأنها لا تريد أن تُغلق. الرفيق عبدو أمام دكانه في الساحة، مرات قليلة مررت وكان الدكان مغلقًا صباحًا. هو من أصدق المناضلين والمثقفين الذين عرفتهم، ومن أكرم الناس الذين مروا في حياتي، ما أن يراك حتى يلوّح بيده ويصرخ “انتظر”، ثم يخرج حاملًا بعض الفاكهة. الكرم طبع لديه لا يستطيع الفكاك منه. طيب بطيبة الساحة التي عاش فيها، وصادق كأن الزمن لم ينجح بعد في تعليمه الحسابات الصغيرة التي أفسدت كثيرين.

***

في الصباحات التي تمرّ ببطء، أرى الرجل الذي أمشي إليه، والطفل الذي لم يغادرني، يقفان على جانبيّ الطريق ذاته. لا أحد منهما يسبق الآخر، لكن الزمن يختار لكلٍ منهما لحظة ليظهر فيها.

السهل أمامي ينحدر كما كان دائمًا، لكنّه ليس نفسه أبدًا. ترابه يحتفظ بحرارة ما مرّ عليه، وكأن الأرض لا تنسى، بل تعيد ترتيب ذاكرتها بصمت. تراب هادئ يبتلّ بندى الصباح، ويلتصق بالعجلات كأنه يتذكّر كل من مرّوا من هنا ولم يعودوا. وعلى الجانبين، يمتد السهل واسعًا بلا استعجال، كأنه يتنفس على مهل ويمنح العين فرصة أن تهدأ من كثرة ما رأت.

الحقول تمتد بلا شرح، هناك لا تحتاج الأشياء إلى تفسير كي تكون صحيحة. العمل يسبق اللغة، والمعنى يولد قبل أن يُقال، وقبل أن يكتمل الضوء، يظهر العمال فيخرجون من العتمة كأنهم جزءٌ منها ثم انفصلوا عنها بهدوء. خطواتهم الأولى ليست ثقيلة ولا خفيفة، بل بين ذلك؛ كأنها تعرف معنى الأرض قبل أن تلامسها الأقدام. لا أحد يتكلم كثيرًا. الكلام هنا مؤجل إلى وقت آخر، لأن الحقول تسبق اللغة، ولأن المعنى في هذا الصباح لا يحتاج إلى شرح.

إقرأ على موقع 180  سنة على كورونا: إنتشار مخيف وسلالات جديدة (1)  

***

مع مضي العمر، لا يعود الماضي خاصًا بنا وحدنا. نكتشف أننا لسنا بداية الحكاية، بل استمرارها. أن أجيالًا سبقتنا حملت ما يكفي من الخوف والعمل والرحيل لتترك لنا هذا الشكل من الحياة، من دون أن تطلب شيئًا في المقابل. لم يكن انتماؤنا يومًا سؤال أصل، بل سؤال أثر. ما الذي تركته فيك الأماكن التي مررت بها؟ وما الذي أخذته منك دون أن تلاحظ؟ منذ ما يقارب مئة عام، قَدِمَ والد جدي من الأناضول مع انهيار الإمبراطورية العثمانية إلى هذا الحي. كان طفلًا صغيرًا أتى برفقة والده إلى دمشق، كحاضرة من حواضر الخلافة العثمانية. لم أسأله يومًا عنه، ولم يكن الأمر يعني لي الكثير. لم أهتم إن كان تركيًا أم كرديًا أم غير ذلك. كل ما عرفته أنه حمل حياته ومشى نحو المجهول. عمل سكافياً، وهي المهنة التي ورثها عنه جدي. ثم أضاف جدي إليها تصليح بوابير الكاز، وتصليح المسدسات، وصناعة الخرطوش لها. مهن بسيطة لصناعة مستقبل لم يكن أحد يعرف شكله. وبرغم مرور ما يقارب القرن على وصولنا إلى لبنان، لم يعد أحد منا إلى المكان الذي جاء منه. كل ما أعرفه أن اسم المدينة كان أورفا.

لهذا لا تعود المدن مجرد جغرافيا. فالقدس ليست مكانًا، بل اتساعٌ لمعنى يتجاوزها. دمشق فيها شيء يشبه القدر الهادئ؛ مدينة تعيد تشكيل ذاكرتك بصمت، ثم تتركك تمشي خارجها وأنت لا تعرف إن كنت قد غادرتها حقًا أم أنك ما زلت فيها بطريقة أخرى. لا تُغادر دمشق كما تُغادر المدن، بل تبقى فيك كصدى طويل. أما بغداد في أزمنتها المضيئة؛ بغداد الثقافة والانفتاح والتنوع، المدينة التي كانت تؤمن أن المعرفة شكل من أشكال العبادة، وأن الاختلاف ليس عيبًا بل ثراء.

***

لا نختار لا الزمان، ولا المكان، ولا الوجوه الأولى. ما نملكه فقط هو محاولة الفهم، وهي محاولة لا تكتم، ومع الوقت، لا تصغر الأسئلة بل تتسع. نكتشف أن ما ظننّاه يقينًا كان مجرد مرحلة هادئة من الحيرة. وأن المعرفة لا تُنهي السؤال، بل تجعله أكثر دقة.

ولهذا لم يعد البياض يربكني. ليس لأنه علامة العمر، بل لأنه علامة على الطريق نفسه؛ على ذلك التقدّم البطيء بين ما كنّاه وما نصبحه، دون أن نصل تمامًا إلى أيّ منهما.

في النهاية، لا نصل إلى شيء. فقط نقترب. خطوة نحو الغد، وخطوة أخرى تعود بنا إلى البداية. وبين الاثنين، يقف الإنسان ككائن يحاول أن يفهم أكثر مما يستطيع أن يفسّر.

ولا شيء يُغلق هنا. لا الحكاية، ولا الطريق، ولا نحن.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  الأسد في طهران.. مرحلة سياسية وعسكرية جديدة