تبرز هنا أهمية ضبط هذا الموضوع بسبب كمية المؤشرات والمعطيات غير الدقيقة الناتجة عن دراسات قامت بها المنظمات الدولية التي انتشرت في لبنان خلال السنوات الأخيرة. هكذا، تراكمت أرقام حول ارتفاع معدلات الفقر وتراجع العمر المتوقّع عند الولادة، وزيادة التسرب المدرسي، وارتفاع الزواج المبكر، بالإضافة إلى أرقام متفاوتة لناحية عدد السكان في لبنان.
تعود هذه الفوضى الإحصائية إلى عدد من العوامل، على رأسها غياب الجهات الرسمية عن دورها في تنفيذ دراسات سليمة منهجيًّا، بالإضافة إلى استمرار سياسة المواربة في إظهار الوقائع الإحصائية خوفًا من الانعكاسات السياسية المحتملة.
من هنا، وفي عرض لخطورة هذا التخبّط المنهجي في مقاربة الأرقام، يمكن أن نذكر، على سبيل المثال، ما يتعلق بعدد من الدراسات (الأكاديمية والصحفية) والتقارير (الدولية والمحلية) التي أشارت إلى نسب مرتفعة جدًّا من التسرّب الدراسي، وغيرها من الظواهر المرتبطة بالواقع التعليمي في لبنان، حيث زعمت التقارير والدراسات أن 400 ألف طفل في لبنان أصبحوا خارج المدرسة، وأن 15% من الأسر اضطرت إلى عدم تسجيل أولادها في المدارس، و9% من الأسر عمدت إلى إرسال أولادها للعمل، أو حتى إلى تزويج بناتها في عمر مبكر. (WFP, 2022, p. 11). عند البحث عن مصدر الأرقام التي اعتمدت عليها هذه الدراسات تبيّن أنها مستقاة من مصدر أساسي، وهو تقرير صادر عن اليونيسيف عام 2022 تحت عنوان “البحث عن الأمل” Searching For Hope. عند التدقيق في المنهجية المعتمدة في هذا التقرير نجد ما ترجمته: “(…) وجود ما يقارب مليون شخص في الفئة العمرية 15-24 من عدد السكان البالغ 5.5 مليون شخص(…)”.
هنا نكتشف أن التقرير يتحدث عن السكان في لبنان وفق التعريف الأممي، وليس التعريف اللبناني الرسمي، أي هذا العدد (5.5 مليون) في العام 2022 هو لتقدير عدد السكان الكلّي في لبنان، ومن ضمنهم كتلة النزوح السوري واللجوء الفلسطيني. نستنتج هنا أن تقرير اليونيسيف (وكل الدراسات التي انطلقت من هذا التقرير وبنت عليه) لا يشير إلى نسب التسرب أو الالتحاق أو الفقر عند اللبنانيين بل “في لبنان”.
هنا نكون أمام معضلة جديدة في الدراسات الإحصائية في لبنان: ما الفرق بين “اللبنانيين” و”في لبنان”؟ ومن هو الساكن أو المقيم أصلاً؟
الساكن أو المقيم Resident، وفق توصيات الأمم المتحدة الخاصة بالإحصاءات، هو كل شخص يقيم لمدة تزيد عن الستة أشهر ويوم واحد في السنة في مكان جغرافي محدّد (قرية، مدينة، بلد…) (UN, 2008). وعليه، فإن كل فرد مقيم على الأراضي اللبنانية لمدة تزيد عن نصف السنة هو حكماً مقيم أو ساكن، ومن المفترض أن يُشمل في أي دراسة أو تعداد.
إلا أن مقاربة الجهات الرسمية اللبنانية لهذا الأمر مختلفة تمامًا، فلبنان لم يوقّع الاتفاقية الصادرة عن المؤتمر الخاص باللاجئين لعام 1951، ولا البروتوكول التابع لها، والصادر عام 1967. اكتفى لبنان بالتوقيع على مذكرة تفاهم بشأن اللاجئين مع مفوضية شؤون اللاجئين [i]UNHCR عام 2003. وتنص مذكرة التفاهم هذه على أن الحكومة اللبنانية تمنح طالبي اللجوء، من خلال طلبات مقدّمة من قبل المفوضية، إقامة مؤقتة من ثلاثة أشهر قابلة للتمديد لحدود ستة أو تسعة أشهر بحيث يصبح لبنان “بلد عبور” وليس “بلد لجوء” أي أن الإقامة فيه تكون مؤقتة، قبل أن ينتقل من التجأوا إليه إلى جهات أو بلدان أخرى. (Saliba, 2016, p. 213). غير أن المفهوم الفعلي للّاجئ[ii] يشير إلى كل فرد اضطر إلى مغادرة مكان سكنه وعبور الحدود بين بلده وبلد آخر بحثًا عن الأمن والاستقرار. وعليه، فإن الفلسطينيين والعراقيين والسوريين وغيرهم من حملة جنسيات غير لبنانية وصلوا إلى لبنان طلبًا لعيش أكثر أمنًا، هم بالتعريف لاجئون، غير أن السلطات الرسمية اللبنانية لا تسبغ عليهم هذه الصفة خوفًا من مطالبتهم بحقوق تعود لهم كونهم لاجئين. لذلك، ما كان من هذه السلطات إلا أن “تلاعبت” على المفاهيم والعبارات بحيث أصبح اللاجئ نازحًا لا يُعدّ ضمن عدد السكان إلا إذا كان مقيمًا في مكان نظامي بعيدًا عن عشوائية المخيّمات وفوضاها.
هكذا، فإن لبنان الرسمي الذي يخاف من أرقامه لا يدخل في احصاءاته عدد السوريين والفلسطينيين في المخيمات والعشوائيات (CAS, 2020)، بل يكتفي فقط بدراسة كل من هم خارجها، أي في المدن والقرى والبلدات اللبنانية. وهذا لا يعكس الواقع السكاني في البلد.
ما هو الحل؟
يلجأ بعض الباحثين إلى استخدام أرقام من مصادر دولية على اعتبار أنها “أكثر دقة” من الأرقام اللبنانية، إلا أن هذه الأرقام الصادرة عن الجهات الدولية (والتي تحسب جميع المقيمين على الأراضي اللبنانية، بمن فيهم السوريون والفلسطينيون) ليست أكثر دقة، بل على العكس من ذلك. نقدم هنا مثلًا من تجربتنا الخاصة أثناء الإعداد لورقة بحثية عام 2016. فعند الاطلاع على عدد السكان من خلال الأداة الإحصائية التي يقدمها مكتب الإحصاء الأميركي[iii] يتبين أن عدد السكان في لبنان كان 6.3 مليون (عام 2015). أما عند استخدام الأداة نفسها لمعرفة عدد السكان عام 2025 فتبيّن أن العدد هو5.7 مليون. فكيف يعقل أن ينخفض عدد السكان في عقد شهد موجات متتالية وكثيفة من النزوح السوري إلى لبنان؟
عند التدقيق في الأرقام تبيّن ما يلي:
تعتمد أداة المكتب الأميركي على ثلاثة مصادر أساسية لتقدير عدد السكان في لبنان: الأول، الأرقام الرسمية؛ الثاني، ما يصدر عن الجهات الرسمية المنوط بها إحصاء السوريين وعلى رأسها المفوضية السامية لشؤون النازحين UNHCR؛ الثالث، مفوضية غوث اللاجئين الفلسطينيين UNRWA.
في عام 2015 كان تقدير عدد اللبنانيين من قبل الجهات الرسمية اللبنانية 4.3 مليون نسمة، يضاف إليه 1.5 مليون نازح سوري كان مسجلاً على منصة مفوضية اللاجئين، ونصف مليون فلسطيني كما تشير بيانات الأونروا (UN, The Question of Palestine, 2025). مجموع هذه الأرقام هو: 6.3 مليون نسمة. (وهو الرقم الموجود لدى مكتب الإحصاء الأميركي للعام 2015).
في أيار/مايو 2015، وإثر خلافات مع الحكومة اللبنانية وبناء على قرار من الحكومة (كما تشير المفوضية إلى ذلك، توقفت المفوضية عن تسجيل النازحين الجدد واكتفت بشطب أعداد المغادرين. هكذا، فإن منصّة المفوضية كانت تشير إلى وجود 0.7 مليون نازح سوري على الأراضي اللبنانية عام 2025[iv]. (UNHCR, 2026). أما عدد السكان اللبنانيين وفق إدارة الإحصاء المركزي في آخر دراسة نشرت عام 2020 فهو 4.8 مليون. وأخيرًا فإن التقديرات الحديثة تشير إلى أن عدد الفلسطينيين في لبنان اليوم هو 200 ألف. وعند جمع هذه الأعداد نصل إلى 5.7 مليون نسمة في لبنان للعام 2025 (أنظر الرسم 1).
في الواقع، أثّرت مسألة النزوح السوري بشكل كبير على جميع المؤشرات الرسمية اللبنانية سواء عبّرت هذه المؤشرات عن مجموع السوريين على الأراضي اللبنانية، أو عن السوريين خارج العشوائيات والمخيمات فقط. نعطي مثالاً على ذلك، هو انخفاض متوسط العمر عند الزواج الأول من حوالي الـ 30 عامًا عند الإناث عام 2004 إلى 25.6 عام 2020. والمقصود بمتوسط العمر عند الزواج الأول هو متوسط عدد السنوات التي يقضيها الأفراد قبل الزواج الأول. سيكون مستغربًا أن ينخفض هذا المتوسط، أي أن الإناث بتن يتزوجن في أعمار أقل مما كان عليه الوضع عام 2004؛ وأن عدد الإناث اللواتي تزوجن أصبح أكبر مما هو، ونحن ندرك من خلال ملاحظتنا لمجتمعنا أن الوضع غير ذلك. فنسب الزواج إلى تراجع مستمر (كما تحدثنا في مقال سابق). إلا أن الرقم (25.6 عامًا) يصبح مفهومًا عندما ندرك أن مليون شخص من أصل الـ 4.8 مليون ساكن في لبنان (أكثر من 20% من السكان) وفق تقرير إدارة الإحصاء المركزي هم من غير اللبنانيين وجلّهم من السوريين المقيمين خارج المخيمات. وعندما ندرك أيضًا أن السوريين في لبنان يتزوجون في أعمار مبكرة جدًّا مقارنة باللبنانيين، يصبح من الواضح مدى تأثير ذلك في انخفاض متوسط العمر عند الزواج الأول. (إدارة الإحصاء المركزي، 2020، صفحة 5).
تشكل المؤشرات المذكورة أعلاه (التسرب، الالتحاق، الفقر، الصحة…) أساسًا في حساب المؤشرات المركبة مثل مؤشر التنمية البشرية HDI الذي يصنّف الدول ضمن مستويات التنمية المحققة[v]. وعندما ندرك أن مؤشر التنمية في لبنان تراجع من 0.763 عام 2005 إلى 0.750 عام 2015 وصولًا إلى 0.733 عام 2020 يتبين مدى تأثير مؤشرات الفقر والتعليم والصحة (المتراجعة كما ذكرنا أعلاه) في المؤشر النهائي للتنمية. إلا أن خطورة هذا الموضوع تكمن في مدى تأثير المؤشرات المركبة كمؤشر التنمية على التصنيف الاستثماري والائتماني السيادي للدول. فوكالات التصنيف مثل ستاندرد آند بورز S&P وموديز Moody’s وفيتش Fitch تستخدم المكوّنات الأساسية لمؤشر التنمية (أي تلك التي تحدثنا عنها أعلاه) ومصادر بيانات Data Sources لتقييم الملف الاقتصادي للدولة بحيث تعتبر هذه الوكالات أن ارتفاع المؤشرات يقلل من مخاطر التخلف عن سداد الديون، وبالتالي يعطي الدولة تصنيفًا أعلى (S&P, 2014). وهنا يصبح من الجائز التساؤل حول “عشوائية” ما تقوم به المنظمات الدولية عند نشرها لهذه الدراسات التي لا توضح في منهجيتها الفرق بين مؤشرات السكان ومؤشرات اللاجئين، وبالتالي حول كونها تدخل في سياق الضغوطات القصوى التي تمارس على لبنان منذ ما قبل تفجر الأزمات المركبة فيه عام 2019[vi].
بعد كل ما تقدم، في هذه الأسطر وفي المقالتين السابقتين، يصبح من الضروري أن نقيّم الواقع كما هو من دون مواربة لا تجميلية ولا تضليلية. ولا يكون تقييم الواقع إلا عبر اكتشافه لا من خلال التوقّف عن العدّ، ولكن من خلال البدء به بتوسّل طريقة منهجية واضحة تضع معايير شفّافة تبدأ بتعريفات علمية للمفاهيم لا من اصطلاحات مسيّسة وملبننة. ولنتوقف عن رفض معرفة الواقع بحجج مختلفة. ولا يكون هذا إلا بمعرفة الواقع ليسعى كل طرف عندها إلى معالجة ما يعتقد أنه خللٌ إذا أراد أن يبقى في هذا البلد بقاءً مستداماً وليس مرحلياً.
المراجع
CAS. (2020). Labour Force and Household Living Conditions Survey 2018-2019. Beirut: Central Administration of Statistics.
- S&P. (2014, 12 23). Sovereigns: Sovereign Rating Methodology. Retrieved from SPglobal.com: https://www.spglobal.com/ratings/en/regulatory/article/-/view/sourceId/8950072
- Saliba, I. M. (2016). Lebanon. In Refugee Law and Policy in Selected Countries. Washington D.C.: The Law Library of Congress.
- (2008). Principles and Recommendations for Population and Housing Censuses. New York: UN.
- (2025, 10 16). The Question of Palestine. Retrieved from UN.org: https://www.un.org/unispal/document/report-palestinian-population-in-lebanon-findings-from-unrwas-digital-identity-verification/
- (2023). Human Development Index trends, 1990–2023. New York: UNDP. Retrieved from https://hdr.undp.org/sites/default/files/2025_HDR/HDR25_Statistical_Annex_HDI_Trends_Table.pdf
- (2026, 6 26). Syria Regional Refugee Response. Retrieved from Operational Data Portal: https://data.unhcr.org/en/situations/syria/location/71
- (2022). Emergency Response Plan. WFP.
- إدارة الإحصاء المركزي. (2020). مسح القوى العاملة والأحوال المعيشية للأسر في عكار 2018-2019. بيروت: إدارة الإحصاء المركزي.
- مفوضية اللاجئين. (27 6, 2026). اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين. تم الاسترداد من org: https://www.unhcr.org/ar/about-unhcr/who-we-are/1951-refugee-convention
الهوامش
[i]. Issam M. Saliba, Lebanon, in Refugee Law and Policy in Selected Countries, The Law Library of Congress, Washington D.C., 2016, p: 213. Electronic copy, retrieved from: https://www.loc.gov/law/help/refugee-law/refugee-law-and-policy.pdf
[ii] . التعريف الحرفي للاجئ وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين 1951 (والتي لم يوقع عليها لبنان) هو: “كل شخص يوجد خارج دولة جنسيته بسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية، ولا يستطيع، أو لا يرغب بسبب ذلك الخوف، في الاستظلال بحماية تلك الدولة.” (مفوضية اللاجئين، 2026)
[iii]. تتيح هذه الأداة إمكانية اختيار السنة التي يريد الباحث معرفة المعطيات الخاصة بها وذلك من عام 1950 إلى عام 2050. International Database
[iv]. أما الرقم الحقيقي فهو أقرب إلى 2.7 مليون نازح.
[v]. أعلى مؤشر HDI لعام 2025 كان لآيسلندا 0.972، وأدنى مؤشر في جنوب السودان ب0.388 أما لبنان فمؤشره يبلغ 0.752. (UNDP, 2023)
[vi]. يمكن الإطلاع على عدد من الدراسات في هذا السياق مثل:
