القامشلي.. رسائل دم وسط التجاذبات الدولية

استُثنيت مدينة القامشلي مؤخرا من أحكام الاتفاقين الروسي – التركي و التركي – الأميركي اللذين عقدا بشكل منفصل في أعقاب قرار البيت الأبيض سحب القوات الأميركية من منطقة شرق الفرات. لكن هذا الامتياز المزدوج الذي حظيت به المدينة لم يشفع لها -على ما يبدو- في ألا تتحول إلى خاصرة رخوة في محيط شديد الحساسية تحتشد فيه قوات أربعة جيوش متنافسة هي الجيش الأميركي والتركي والروسي والسوري، بالإضافة إلى قوات سوريا الديمقراطية وخلايا داعش المستنفرة بعد اغتيال زعيمها أبي بكر البغدادي.

شهدت مدينة القامشلي بدايةَ أسبوعٍ دمويةً بامتياز: فمن اغتيال راعي كنيسة الأرمن الكاثوليك أوسيب بيدويان ووالده وجرح مرافقه الشماس فادي سانو، إلى تردد أصداء ثلاث تفجيرات في أنحاء المدينة عصر يوم الاثنين، هُتك غشاء الأمن الرقيق الذي كان يتستر على واقع المدينة الهش اجتماعياً وأمنياً وسياسياً. وفيما سارع تنظيم داعش إلى تبني عملية اغتيال الكاهن ومرافقيه، لم تجد التفجيرات الثلاثة – حتى الآن على أقل تقدير- من يتبنّى أبوتها وسط موجة من الإدانات من مختلف الأطراف والفاعلين.

وما تزال الولايات المتحدة تحتفظ بنفوذ لها في المنطقة، وهو يمتد من القامشلي إلى عين ديوار بالقرب من مناطق تحوي حقول نفط مهمة، في حين تخضع المنطقة الممتدة من القامشلي إلى رأس العين لحضور سوري – روسي تنفيذاً لاتفاق سوتشي. أما المدينة نفسها، فهي تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية بغالبية مساحتها وأحيائها، مع احتفاظ دمشق بمربع أمني يشمل مناطق استراتيجية كمطار المدينة الوحيد.

وبعد خسارة عفرين، وخضوع عين العرب للاتفاق العسكري بين دمشق و”قسد”، ظلت القامشلي هي الاقليم الوحيد الذي تنظر إليه قوات سوريا الديمقراطية على أنه معقل أساسي لها وركن من أركان إدارتها الذاتية.

وعلاوة على ما سبق، فإن القامشلي تتمتع بحضورين مهمين من شأنهما أن يضفيا أهمية خاصة عليها، وهما حضور النفط الذي بات هدفاً أميركياً معلناً، والحضور المسيحي بما له من رمزية خصوصاً بعد تعرض المسيحيين في مناطق سورية أخرى إلى موجات واسعة من النزوح والتهجير.

وقد تضافرت العوامل السابقة في جعل المدينة التي لا تبعد سوى أقل من كيلومتر واحد عن الحدود التركية، تستحق ميزة “الوضع الخاص” الذي أخرجها من نطاق الاتفاقات التي عقدت حول المنطقة بين مختلف الفرقاء المحليين والاقليميين والدوليين، حتى أن أنقرة التي كانت تتشدد في مطلب انسحاب قوات “قسد” لمسافة 32 كيلومتراً من حدودها الجنوبية، اضطرت لمراعاة الحساسيات وحجم التعقيدات التي تحيط بالمدينة ووافقت على استثنائها مما تسميه “المنطقة الآمنة”.

لكن سرعان ما تبيّن أن هذا “الوضع الخاص” للمدينة بقدر ما كان يفترض أن يساهم في نسج شبكة أمان حولها باعتبارها منطقة حيادية، أدّى على العكس إلى إدخال المدينة في حالة من التوتر غير المسبوق وذلك لسببين: الأول، تعرضها لجهود الاستقطاب والتجاذب نتيجة وقوعها على خط تماس بين اربعة جيوش. والثاني، عدم الوثوق بالنيات الحقيقية التي يحملها كل طرف تجاه المدينة.

تواجه القامشلي استقطاباً وتجاذباً نتيجة وقوعها على خط تماس بين أربعة جيوش

وما زاد من الطين بلّة، أن القامشلي وجدت نفسها متنازعاً عليها بين أكثر من مشروع إقليمي ودولي. فمن ناحية شهدت القامشلي مساعٍ فرنسية منذ شهر آب المنصرم بهدف إجراء مصالحة كردية – كردية بين “حزب الاتحاد الديمقراطي” الذي يتزعم الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، و”المجلس الوطني الكردي” الذي يحوي أحزاباً كردية منضوية تحت يافطة الائتلاف السوري المعارض ومدعومة من قبل أنقرة. وتراهن باريس كما يبدو على هذا المشروع من أجل تأمين موطئ قدم لها في المنطقة الغنية بالنفط تحت عنوان المصالحة الكردية التي من شأنها تأمين رافعة فعلية لمشروع الحكم الذاتي بعيداً عن سلطة دمشق المركزية.

تراهن فرنسا على مصالحة كردية – كردية لتأمين موطئ قدم لها في المنطقة النفطية

 ومن ناحية أخرى، انتشرت في الآونة الأخيرة، تقارير إعلامية تحدثت عن نية كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة إنشاء قواعد عسكرية لهما في مدينة القامشلي. ففي حين تحدث المرصد السوري المعارض عن استعداد الولايات المتحدة لإنشاء ثلاثة قواعد عسكرية في القامشلي، بدأت روسيا حسب تقارير أخرى في انشاء قاعدة عسكرية (مهبط مروحيات) في مطار القامشلي وسط احاديث عن امكانية استئجارها له لمدة 49 عاماً بموجب اتفاق مشابه لاتفاق مطار حميميم. ولا شك في أن مثل هذه التقارير تعكس إلى حد بعيد حالة التجاذب التي تخيم على المدينة وتضع مصيرها في عين المجهول.

في ظلّ هذه الأجواء المحتدمة، جاءت تفجيرات الاثنين الدامي، واغتيال الأب بيدويان لتدق جرس الانذار محذرةً من هشاشة الوضع في المدينة وقابليته للانفجار في أي لحظة.

ولعلّ من يقف وراء هذه الأحداث هو تنظيم داعش الذي من المتصور أن يحركه أكثر من دافع للقيام بذلك، منها دافع الانتقام لمقتل “خليفته” أو دافع “إثبات الوجود” بعد تعرضه لهزائم مهينة، وربما دافع “فرض هيبة” زعيمه الجديد.

هذا احتمال وارد وربما سيجري التوافق على تسويقه بغض النظر عما إذا تبنى داعش العمليات أم لم يتبناها، وذلك لسبب بسيط هو أن أيّاً من الأطراف الفاعلة الأخرى لا تود أن تتحول المدينة من منطقة حيادية إلى بؤرة صراع ساخنة.

لكن المفارقة المرّة التي سينطوي عليها هذا الاحتمال، هو أن احتشاد أربعة جيوش، اثنان منها من أقوى جيوش العالم، حول المدينة لم يستطع تأمين حمايتها من تنظيم “داعش”. فهل الأخير قادرٌ لهذه الدرجة على اختراق صفوف تلك الجيوش، أم أن تقارب خطوط التماس وتباعد المصالح وتباين الخطط والمشاريع، ساهمت بشكل أو بآخر في تحويل “داعش” إلى قناة فرعية لتصريف الحمم، بدل أن ينفجر البركان الكبير الذي تقبع مدينة القامشلي على فوهته؟

عبدالله سليمان علي

كاتب وصحافي سوري، وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download