يتشابه أولئك العاملون بصمت، الواقفون على أطراف الحياة بأطراف أصابعهم، حتى لا تُزعج أي حركة منهم أولئك المسترخين فوق سطح الماء الأزرق، سواء كان بحرًا أم حمام سباحة، بحكم بيوت العائلات في الأحياء الفقيرة. يتحدث الفقراء لغات قد تبدو مختلفة: العربية، والإسبانية، والأوردية، والسواحيلية، لكنهم، في مجملهم، يفهمون بعضهم بعضًا أكثر مما يفهمون أولئك الذين يتحدثون لغتهم وينتمون إلى أوطانهم نفسها.
يعيش هؤلاء الفقراء، وهم كثر، في قلق يومي، يحسبون ما تبقى في جيوبهم قبل أن ينتصف الشهر، وينغمسون في لعبة تأجيل الأحلام عامًا بعد عام. يجري الفقير من بيته مع أول ضوء للشمس ليصل إلى عمله في تلك المنطقة الصناعية، أو في تلك الفيلا الفخمة داخل المجمع ذي الأسوار العالية والحدائق المزهرة والمسابح والمرافق الرياضية والترفيهية، الممتد على مساحة تعادل تلك البقعة الصغيرة التي يكتظ فيها البشر، ولا يفصل بينهما سوى بضعة كيلومترات، فيما الفروق بينهما تتسع كالمحيطات.
***
لم تعد الفوارق قائمة بين شعب وآخر أو بين دولة وأخرى فحسب، بل أصبحت تتسلل إلى كل تفاصيل الحياة: في المدرسة، والمستشفى، وجودة العلاج، والسكن، وحتى في الهواء الذي يتنفسه هؤلاء أو أولئك الذين يهربون بعيدًا بحثًا عن النقاء والهدوء. بل إن متوسط العمر نفسه يختلف بين هذه الشريحة وتلك. وربما يكون أكثر ما يؤلم في هذه الفوارق هو حجم الأمل الذي يسمح لك المجتمع بحمله، وكأن العالم لم يعد يوزع الثروة فقط، بل يوزع الفرص والأحلام أيضًا.
***
كانت البيوت قديمًا متجاورة، لا يفصل بينها سوى أسوار الخصوصية، لا أسوار الخوف أو تلك التي تحمل ختم طبقة أو فئة تختلف عمن هم خارجها. كانت الأسوار من حجر وحديد، أما اليوم فأصبحت بوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة، وحراسات خاصة، ورموز استجابة سريعة (QR Code)، وتطبيقات، وغيرها من الوسائل التي لا يملكها إلا من يستطيع دفع ثمنها.
***
كان الحساب البنكي، وحجم المنزل، ونوع السيارة، يميز بين الفرد وجاره، قريبًا كان أم بعيدًا بعض الشيء، لكنهم كانوا يلتقون في الأندية نفسها. ولا أنسى أن فريقنا الصغير في مدينتي الحبيبة المحرق كان ينتمي إلى نادٍ يجمع بين الأثرياء والفقراء على قدم المساواة، وكانت المدارس بدورها لا تفرق بين من يملك ومن لا يملك إلا ما يعينه على العيش بكرامة. وكان الأطفال والشباب يكبرون معًا في الفصول الدراسية، والفرق الرياضية، والكشافة والمرشدات. كل ذلك تبدل، بفعل فاعل، ربما من دون أن يدرك كثيرون ممن وجدوا أنفسهم على هذه الضفة أو تلك من مجتمعهم، أنهم باتوا يفصلهم عن جيرانهم في الوطن محيط واسع.
***
وحّد الفقر، والعوز، والوجع، والظلم، كثيرين لا تجمعهم طائفة، ولا دين، ولا عرق، ولا لون بشرة، ولا لغة. وفي المقابل، وحّدت القصور، والسيارات الفارهة، واليخوت، والملابس، والأحذية باهظة الثمن، والساعات الفاخرة، شرائح أخرى من مجتمعات متباعدة، يجمعها رأس المال، والاستهلاك، والمصالح المادية البحتة.
***
حتى الرياضة، التي لطالما اعتبرناها مساحة يلتقي فيها البشر على قدم المساواة، لم تبق بمنأى عن هذه التحولات بل أصبحت جزءًا من منظومة القوة العالمية. صارت كرة القدم صناعة عالمية تتشابك فيها حقوق البث، والإعلانات، والرعاية، والاستثمارات الضخمة، والمراهنات، حتى غدا المال عنصرًا مؤثرًا في تشكيل المنافسة نفسها. وتكفي نظرة إلى الفوارق الهائلة بين ميزانيات الأندية، وأسعار اللاعبين، وحجم الاستثمارات، لندرك أن المنافسة لم تعد تبدأ من نقطة واحدة، وأن الإمكانات الاقتصادية أصبحت تلعب دورًا متزايدًا في رسم ملامح اللعبة. بل أصبحت الرياضة، هي الأخرى، جزءًا من اللعبة السياسية الكبرى، ولم تعد بعيدة عنها. ألم تُحظر على كثير من الدول المشاركة في المسابقات الرياضية والفنية والثقافية لأنها في حالة حرب أو لأنها تُصنَّف دولًا معادية، فيما تستمر دولة تمارس الاحتلال والحروب منذ عقود في المشاركة والتقدم في هذه المحافل؟
***
ولعل ما نشهده اليوم ليس نهاية الاستعمار، بل تغيرًا في أدواته. فقد غادرت الجيوش كثيرًا من الأراضي، لكن رأس المال بقي، بل ازداد نفوذًا. ولم تعد السيطرة تُفرض دائمًا بالدبابات، وإنما بالقروض، والأسواق، والإعلام، والتكنولوجيا، والبيانات، والشركات العملاقة التي باتت تمتلك من النفوذ ما يفوق، أحيانًا، نفوذ دول بأكملها.
***
ولعل أخطر ما في هذا كله أننا لم نعد نرى أنفسنا أبناء الأوطان نفسها بقدر ما أصبحنا أبناء الطبقات التي ننتمي إليها. فالأثرياء، مهما اختلفت جنسياتهم، باتوا أكثر قربًا من بعضهم بعضًا، كما أصبح الفقراء، رغم تباعد أوطانهم، أكثر فهمًا لبعضهم بعضًا. وبين هذين العالمين تتسع الهوة يومًا بعد يوم، حتى بات السؤال الذي يفرض نفسه: هل ما زلنا نعيش في عالم واحد، أم أننا أصبحنا نعيش على الكوكب نفسه، ولكن في عالمين لا يلتقيان؟
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
