حادث دمياط.. الرسالة قبل تحديد الفاعل

يكتسب حادث دمياط خطورته البالغة من رسائله، وتوقيته، وما يحيط به. لم يكن استهداف سفينتي غاز في الميناء بمسيّرة عملًا عشوائيًا جرى بالمصادفة. أوضح ما في ذلك الحادث هدفه المباشر: توسيع نطاق الحرب الأمريكية الإيرانية إلى حرب إقليمية أوسع تُجرّ إليها مصر بثقلها العسكري والتاريخي والسكاني. بمعنى آخر: تفجير المنطقة كلها. من صاحب المصلحة؟

هذا سؤال أولي، طبيعي ولازم، لفك شيفرة الهجوم.

تتعدد الافتراضات، وتتداخل فيها الأهواء والمصالح والتبعات، من دون حسم، انتظارًا لنتائج التحقيقات التي تجريها السلطات المصرية.

تواترت اتهامات غير مسندة إلى إيران، التي سارعت إلى النفي، على لسان وزير خارجيتها «عباس عراقجي»، بعبارة جازمة: «تعد مصر صديقًا وشريكًا مهمًا في المنطقة، ويشكل أمنها أهمية قصوى لنا».

وسارعت إلى النفي نفسه جميع القوى والفصائل في لبنان والعراق واليمن التي تنتسب إليها.

وبأي فحص أولي، لا تبدو لإيران مصلحة واحدة في استهداف مصر.

على مدى زمني طويل نسبيًا، احتفظت طهران باتصالات غير معلنة مع القاهرة، جرى خلالها التنسيق وتبادل المعلومات في أكثر من ملف أمني إقليمي، رغم قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إثر الثورة الإيرانية عام 1979.

وفي الوقت نفسه، جرت زيارات واتصالات غير معلنة مع «حزب الله» والحوثيين وفصائل عراقية لضبط إيقاع الأحداث.

وبمرور الوقت، أخذت الاتصالات طابعًا سياسيًا شبه رسمي. وكانت أهمها زيارة الرئيس الإيراني الأسبق «محمد خاتمي» إلى القاهرة عام 2007 ممثلًا للمرشد الراحل «علي خامنئي»، لكنها امتنعت عن الاتصالات الدبلوماسية المباشرة حتى أُزيحت جبال الجليد قبل سنوات قليلة.

كان الوصول إلى هذه النقطة هدفًا إيرانيًا بالغ الأهمية، لا يمكن التفريط فيه بمغامرة غير محسوبة العواقب.

وعندما بدأ العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، بدت حاجة ملحة إلى قنوات سياسية وفرتها القاهرة عبر علاقاتها القديمة مع الحرس الثوري.

ولم يكن هناك طرف إقليمي آخر قادر على لعب هذا الدور، الذي احتاج إليه، بالقدر نفسه، الأمريكيون والإيرانيون.

وشاركت تركيا في فتح قنوات الاتصال، لكنها سرعان ما أُزيحت، مع مصر، من مقدمة المشهد التفاوضي بتحريض إسرائيلي مباشر، أو عبر بعض الأشقاء المفترضين.

وتصدرت باكستان عملية الوساطة، حيث تربطها، تقليديًا، علاقات خاصة مع السعودية، ويحظى حكامها الجدد، بعد الإطاحة برئيس الوزراء السابق «عمران خان»، بعلاقات وثيقة مع واشنطن.

وفي آذار/مارس الماضي، تعرضت العلاقات المعقدة بين أنقرة وطهران لاختبار صعب، حين اخترق صاروخ باليستي إيراني الأجواء التركية عبر العراق وسوريا.

احتجت الأولى، وتعهدت الثانية بالتحقيق، وسرعان ما جرى احتواء الأزمة بالوسائل الدبلوماسية؛ فالمصالح الاستراتيجية حكمت حسابات البلدين.

لقد جرى نحت العلاقات المصرية الإيرانية الحالية في الصخر؛ فالخليج يمانع في عودتها، برغم أن دوله تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع طهران، وإذا انقطعت هذه العلاقات لسبب أو لآخر، سرعان ما تعود.

والغرب، كله تقريبًا، يمانع فيها.

وتدرك العاصمتان المصرية والإيرانية هذه الحقائق، وهما غير مستعدتين لأي تهور يدفع إلى إحكام الحصار الإقليمي على طهران، أو إقحام القاهرة في دائرة النار.

إنها المصالح الاستراتيجية قبل أي شيء، وبعده.

ومع ذلك كله، فإن أحدًا ليس من حقه استبعاد أي فرضية في حادث دمياط.

ثم إن هناك عاملًا حاسمًا يجعل من فرضية الاتهام الإيراني خروجًا على مقتضى أي درجة من التعقل والرشد، ويضرب الدعم الشعبي في الشارع العربي كله، لا في مصر وحدها، للصمود والتضحيات الإيرانية، بما يصعب تدارك عواقبه الوخيمة.

أما الفرضية الأخرى، فهي أن تكون إسرائيل المتهمة الرئيسية في حادث دمياط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

إن نزع استهداف سفينتي الغاز في ميناء دمياط من سياقه هو تجهيل بحقائق الموقفين الإقليمي والدولي، على بُعد أقل من مائة يوم من انتخابات الكنيست الإسرائيلي في 27 تشرين الأول/أكتوبر المقبل، والتجديد النصفي لمجلسي الكونجرس، بعده بأيام، في أوائل تشرين الثاني/نوفمبر.

ووفق أحدث استطلاع للرأي في الولايات المتحدة، فإن 64% من الأمريكيين يناهضون الحرب، ويتبنون إنهاءها بأسرع وقت.

ومعنى ذلك أن استمرار الحرب يفضي إلى زعزعة الموقف الانتخابي للحزب الجمهوري، بينما يضرب توقفها الحملة الانتخابية لتحالف رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» في مقتل.

تتضارب المصالح تحت أفق استراتيجي واحد.

وبقوة المصالح الانتخابية، فإنه من مصلحة «نتنياهو» القفز فوق التباينات بين الحليفين الإسرائيلي والأمريكي، إلى سيناريو توسيع الحرب.

ولم تنجح زيارته الأخيرة إلى البيت الأبيض في ردم الفجوات، واقتصرت المباحثات على التشاور، من دون تغيير يُذكر في حسابات الحرب والتفاوض.

إن توسيع الحرب لتشمل مناطق ساخنة أخرى في الإقليم، مثل لبنان وسوريا والعراق واليمن وغزة والضفة الغربية، يستجيب لمقتضيات المشروعين التوسعي والاستيطاني الإسرائيليين، لكنه يصطدم بالحسابات الأمريكية الحالية، ولا سيما في لبنان وفلسطين المحتلة.

وهكذا، فإنه إذا جرى إقحام مصر في دائرة الحرب، فإن كل شيء سوف يختلف: الأولويات، والحسابات، وسيكون مؤكدًا أن يكسب «نتنياهو» انتخابات الكنيست، ورهانه على البقاء في رئاسة الحكومة الإسرائيلية.

ما الذي يدعو إسرائيل إلى إشعال فتيل حرب إقليمية واسعة، وهي لا تقدر على تحمل تكاليفها، بفعل الإنهاك الذي يعانيه جيشها الآن؟

إقرأ على موقع 180  بعد "لحظة كابول".. هل تصاب أميركا بعدوى إنهيار الإمبراطوريات؟

إنها تبتغي الفتنة بين مصر وإيران، وأن تُقحم مصر في أتون الحرب بذريعة الرد على ضربة دمياط، التي نالت من سلامة موانئها وأمنها القومي معًا.

ووفق السوابق الإسرائيلية، فإنها مستعدة لفعل أي شيء، وكل شيء، لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.

وبعد حادث دمياط، استدعت الذاكرة العامة المصرية فضيحة «لافون» للتذكير بهذه الحقيقة.

ففي صيف عام 1954، جرت محاولة لزعزعة الأمن المصري وتوتير الأوضاع بين مصر والولايات المتحدة، عبر تخريب بعض المنشآت الأمريكية على أيدي عدد من الشبان اليهود المصريين.

فشلت العملية، وقُبض على المتورطين فيها، وجرت محاكمتهم علنًا، ونُسبت تلك العملية إلى «بنحاس لافون»، وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك.

وتبدو الفرضية الإسرائيلية أكثر تماسكًا وإقناعًا، لكنها تحتاج إلى تأكيد من التحقيقات الرسمية.

وفي جميع الأحوال، فإن الحذر مطلوب من الأفخاخ المنصوبة.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
عبدالله السناوي

كاتب عربي من مصر

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  عن محسن ابراهيم.. وإشعاع المشرق ولبنان في المغرب الأقصى