تظهر هذه المعضلة بوضوح عند النظر إلى التجربتين المسيحية والدرزية. فقد ارتبطت الأولى تاريخيًا بهاجس الحفاظ على خصوصية الكيان وضمان استمرار الحضور المسيحي في بيئة إقليمية متحركة، فيما قامت الثانية على إدارة التوازنات والمخاطر، وتجنب الارتهان الكامل لأي محور داخلي أو خارجي. وعلى الرغم من اختلاف الأدوات والخطابات، فإن التجربتين تكشفان أن السياسة اللبنانية كانت، في جانب أساسي منها، إدارةً للقلق أكثر منها بناءً لتعاقد وطني مستقر.
من جبل لبنان إلى توازن المخاوف
تعود جذور هذه المعضلة إلى القرن التاسع عشر، حين شهد جبل لبنان اضطرابات وصدامات طائفية متكررة، ولا سيما بين الدروز والموارنة، في ظل غياب دولة مركزية قادرة على فرض الأمن وإنتاج ضمانات مشتركة. ولم تكن تلك الصراعات دائمًا تعبيرًا عن رغبة طرف في إلغاء الآخر، بقدر ما كانت نتيجة خوف متبادل من اختلال موازين القوة ومن احتمال أن يصبح الطرف المقابل قادرًا على التحكم بمصير الجماعة الأخرى.
من هذا الخوف وُلد ما يمكن تسميته بـ«توازن المخاوف»، وهو أحد المرتكزات غير المعلنة للنظام اللبناني. فالجماعات لم تسعَ فقط إلى تعزيز نفوذها، بل إلى منع الآخرين من امتلاك قدرة مطلقة على تقرير مصيرها. ومع تراجع الثقة بإمكان بناء شراكة داخلية مستقرة، بدأ كل طرف يبحث عن ضمانات تتجاوز حدود الجبل، فتحولت الحماية الخارجية تدريجيًا إلى جزء من آليات السياسة المحلية.
في هذا السياق، ساهم التدخل الأوروبي، ولا سيما الفرنسي، في تكوين وعي لدى شرائح واسعة من المسيحيين بأن استمرار الوجود المسيحي في المشرق قد يحتاج إلى مظلة تتجاوز السلطة المحلية. وفي المقابل، أدرك الدروز، بحكم موقعهم العددي والجغرافي، أن استمرارهم لا يمكن أن يقوم على التفوق الدائم، بل على حسن قراءة التحولات، وإدارة التوازنات، وتجنب الصدامات الوجودية.
لم تُنهِ متصرفية جبل لبنان هذه المخاوف، بل نقلتها من ساحات المواجهة المفتوحة إلى المؤسسات السياسية. كما أن قيام لبنان الكبير لم يؤسس قطيعة مع إرث القرن التاسع عشر، وإنما أعاد إنتاجه داخل دولة جديدة اتخذ فيها التوازن الطائفي شكلًا دستوريًا وسياسيًا. وهكذا أصبح الاستقرار اللبناني قائمًا، في جانب كبير منه، على ضبط القلق المتبادل، لا على بناء ثقة وطنية راسخة.
الكيان والهوية
مع الانتداب الفرنسي، انتقلت العلاقة بين المسيحيين وفرنسا من مستوى الحماية التقليدية إلى مستوى أكثر تعقيدًا ارتبط بتأسيس الدولة اللبنانية الحديثة. وعزز ذلك لدى قسم من المسيحيين الاعتقاد بأن لبنان يمثل تجربة متميزة داخل المشرق، تقوم على التعددية والانفتاح والتوازن بين مكوناته، وأن حماية هذه الخصوصية شرط لحماية الحضور المسيحي نفسه.
غير أن هذا التصور لم يكن موضع إجماع، لا داخل المجتمع المسيحي ولا على المستوى اللبناني العام. فقد رأى لبنانيون كثيرون أن خصوصية لبنان لا ينبغي أن تتحول إلى انفصال عن محيطه العربي، وأن الحفاظ على الكيان لا يتناقض مع الانتماء العربي، بل يمكن أن يكون إحدى صوره السياسية والثقافية.
نظر ميشال شيحا إلى لبنان باعتباره مساحة للتعدد والتوازن والانفتاح الاقتصادي والثقافي، فيما رأى شارل مالك أن قيمة لبنان تكمن في حماية الحرية والتنوع الفكري والسياسي. لكن جوهر النقاش بقي واحدًا: هل تشكل خصوصية لبنان عنصر قوة وانفتاح، أم يمكن أن تتحول إلى مصدر عزلة عن محيطه؟
ولم يكن الموقف المسيحي من العروبة موحدًا. فبينما رأى قسم من المسيحيين أن لبنان جزء طبيعي من الفضاء العربي تاريخيًا وثقافيًا، خشي آخرون من أن يؤدي الانخراط الكامل في المشاريع القومية إلى تراجع خصوصية الكيان واختلال توازناته الداخلية. وهكذا لم يكن الخلاف يدور حول وجود لبنان بقدر ما كان يدور حول تعريف هذا الوجود وحدود علاقته بمحيطه.
أما التجربة الدرزية، فلم تُبنَ على تعريف أيديولوجي ثابت للكيان أو للمنطقة، بل على مقاربة أكثر حذرًا ومرونة. فالدروز لم يطوروا، في معظم مراحل تاريخهم الحديث، عقيدة ولاء خارجي ثابتة، وإنما تعاملوا مع الداخل والإقليم وفق معادلة تقيس التحالفات بقدرتها على حماية موقع الجماعة داخل النظام اللبناني.
الديموغرافيا وإدارة المخاطر
لعب العامل الديموغرافي دورًا مهمًا في تشكيل الوعي السياسي المسيحي. فقد ارتبطت فكرة الدولة لدى شرائح واسعة من المسيحيين بالحفاظ على شراكة متوازنة في إدارة المؤسسات وصنع القرار. ومع التحولات السكانية، تصاعد الخوف من أن يؤدي تغير موازين القوى العددية إلى تغيير طبيعة النظام والكيان.
لكن هذه المخاوف لم تكن ناتجة عن الأرقام وحدها، بل عن ضعف الدولة وعجزها عن إنتاج ضمانات تتجاوز الحساب الطائفي. فعندما تكون المؤسسات قوية ويكون القانون مرجعية فعلية، تفقد الديموغرافيا جانبًا كبيرًا من وزنها السياسي. أما عندما تضعف الدولة، فإن الانتماءات الطائفية تتحول إلى أدوات للصراع والقلق المتبادل.
في المقابل، أدرك الدروز مبكرًا أن محدودية حجمهم العددي تحول دون بناء نفوذ دائم على أساس التفوق الديموغرافي. ومن هنا نشأت لديهم عقيدة سياسية يمكن وصفها بإدارة المخاطر، تقوم على إعادة تقييم التحالفات باستمرار، والحفاظ على هامش للمناورة، وتجنب الاصطفافات النهائية التي قد تجعل مصير الجماعة مرتبطًا بسقوط محور أو صعود آخر.
مع كمال جنبلاط، دخلت التجربة الدرزية مرحلة حاولت تجاوز الإطار الطائفي نحو مشروع سياسي وفكري أوسع، جمع بين القومية العربية والاشتراكية والدعوة إلى إصلاح النظام اللبناني وتجاوز بنيته الطائفية. غير أن هذا المشروع بقي محكومًا بواقع جماعة صغيرة داخل نظام هش، ما أبقى هواجس البقاء حاضرة حتى في أكثر المراحل انفتاحًا على المشاريع الوطنية والإقليمية.
شكّل اغتيال كمال جنبلاط عام 1977 نقطة تحول مفصلية، أعادت الاعتبارات الأمنية والوجودية إلى صدارة القرار السياسي. ومع انتقال القيادة إلى وليد جنبلاط، برز نموذج يقوم على إعادة التموضع تبعًا للتحولات المحلية والإقليمية. ولم يكن ذلك مجرد أسلوب شخصي في القيادة، بل تعبيرًا عن بنية سياسية ترى أن الاستمرار يتطلب الحفاظ على القدرة على الحركة بين القوى المختلفة، لا الانخراط النهائي في محور يصعب الخروج منه.
سوريا والسيادة
شكّلت العلاقة مع سوريا ملفًا محوريًا في التجربتين المسيحية والدرزية، لكن من زاويتين مختلفتين. فقد رأت قوى مسيحية عديدة أن اختلال ميزان القوة بين لبنان وسوريا قد يهدد استقلال القرار اللبناني، ولا سيما خلال الحرب الأهلية ومرحلة الوجود السوري اللاحقة. ولم تكن القضية مرتبطة بالسياسة الخارجية فقط، بل بمفهوم السيادة وبالجهة التي تملك القرار النهائي داخل الدولة.
أما لدى الدروز، فقد اكتسبت العلاقة مع سوريا بعدًا إضافيًا بفعل الجوار الجغرافي والروابط التاريخية بين جبل لبنان وجبل العرب. غير أن هذه العلاقة لم تتحول إلى تبعية ثابتة، بل بقيت محكومة بمنطق الموازنة بين ضرورة التنسيق مع قوة إقليمية مؤثرة والحفاظ على استقلال نسبي في القرار.
خلال الوجود السوري في لبنان، ثم بعد انسحاب القوات السورية عام 2005، أعادت القيادة الدرزية صياغة علاقتها بدمشق أكثر من مرة وفق تبدل الظروف. لكنها حرصت، في الغالب، على عدم إغلاق قنوات التواصل نهائيًا، كما تجنبت الذوبان الكامل في المحور السوري. فالخارج، في التجربة الدرزية، لم يتحول إلى مرجعية نهائية تحدد هوية الجماعة، بل بقي أداة ضمن معادلة هدفها حماية الموقع داخل لبنان.
عندما تصبح الحماية بديلًا عن الدولة
تُعد العلاقة التي أقامتها بعض القوى المسيحية مع إسرائيل خلال الحرب الأهلية من أكثر المحطات إثارة للجدل في التاريخ اللبناني. غير أن فهمها يتطلب وضعها في سياق انهيار الدولة، وتصاعد العمل المسلح الفلسطيني بعد اتفاق القاهرة عام 1969، وتفكك احتكار السلطة الشرعية للأمن والسلاح.
في ظل هذا الانهيار، شعر قسم من المسيحيين بأن الدولة لم تعد قادرة على توفير الحماية أو فرض السيادة على كامل أراضيها، فنشأ منطق يرى أن الجماعة التي تفقد حماية الدولة ستبحث عن مصدر قوة بديل. لكن هذه الظاهرة لم تكن حكرًا على المسيحيين، بل شكلت سمة عامة في التجربة اللبنانية، حيث لجأت جماعات مختلفة إلى قوى عربية وإقليمية ودولية لتعزيز مواقعها الداخلية.
والمفارقة أن هذه التحالفات، بدل أن تعيد بناء الدولة، ساهمت في إضعافها. فقد أصبح لكل جماعة سند خارجي، ولكل طرف شبكة مصالح إقليمية، فتحولت العلاقات الخارجية من اختصاص الدولة إلى امتداد للصراع الداخلي.
تكشف التجربتان المسيحية والدرزية، وإن بطرائق مختلفة، أن العلاقة بالخارج لا يمكن اختزالها دائمًا بمفاهيم الولاء أو التبعية. فقد تكون الحماية الخارجية تعبيرًا عن خوف وجودي، كما قد تكون المرونة في التحالفات استراتيجية دفاعية تفرضها هشاشة النظام. لكن النتيجة واحدة: عندما تعجز الدولة عن توفير الأمن والثقة، تتحول الطائفة إلى فاعل سياسي وأمني موازٍ، ويصبح الخارج جزءًا من بنيتها الداخلية.
أزمة الدولة
لا تكمن أزمة لبنان في أن طوائفه أقامت علاقات مع الخارج، بل في أن الدولة لم تستطع أن تكون المرجعية الوحيدة لإدارة تلك العلاقات وتوفير الضمانات لمواطنيها. ففي الدولة القوية، تمر السياسات الخارجية عبر المؤسسات الرسمية. أما في الدولة الهشة، فيتحول الخارج إلى مورد قوة تستخدمه الجماعات في صراعاتها الداخلية.
لقد كشفت التجربة المسيحية أن هاجس الحماية يمكن أن يتحول إلى عامل دائم في تعريف الكيان والسيادة، فيما كشفت التجربة الدرزية أن المرونة وإعادة التموضع قد تصبحان شرطًا للبقاء في نظام سريع التقلب. وفي الحالتين، لا تتعلق المسألة بطبيعة طائفة بعينها، بل ببنية سياسية تجعل الجماعات تبحث عن أمنها خارج المؤسسات.
إن الحمايات الخارجية قد تمنح دعمًا مؤقتًا، والتحالفات المرنة قد تؤمن هامشًا للمناورة، لكن أيًا منهما لا يستطيع أن يكون بديلًا مستدامًا عن الدولة. فكلما تعددت مصادر الحماية، تراجعت قدرة المؤسسات على إنتاج الثقة الوطنية الجامعة، وتحول التوازن من وسيلة لتنظيم الشراكة إلى آلية لإدارة الخوف.
ويبقى التحدي الأساسي أمام لبنان بناء دولة تجعل المواطنة أقوى من المخاوف، والمؤسسات أقوى من الحمايات، والسيادة أرفع من حسابات المحاور. عندها فقط يمكن تحويل التوازن من أداة لحماية الجماعات بعضها من بعض إلى قاعدة لشراكة وطنية حقيقية، ويصبح التنوع اللبناني مصدر استقرار، لا سببًا دائمًا للقلق والارتهان.
