لم يكن اليسار العربي تياراً واحداً، بل طيفاً من الأحزاب والحركات التي اختلفت مرجعياتها، واجتمعت على أهداف التحرر من الاستعمار، وبناء الدولة الوطنية، وتحقيق العدالة الاجتماعية. وقد تأثر كثير من هذه القوى، بدرجات متفاوتة، بالفكر الاشتراكي والتجربة السوفييتية، فيما مزجت قوى أخرى بين القومية العربية وبعض الأفكار الاشتراكية، أو تبنتها بصيغ انتقائية فرضتها خصوصيات تجاربها.
غير أن المفارقة التاريخية لا تكمن في التراجع السياسي لليسار العربي، بل في أن معظم تياراته، سواءً وصلت إلى السلطة أم بقيت خارجها، انتهت إلى التشرذم التنظيمي، والجمود الفكري، وفقدان القدرة على التجدّد. فالذين حكموا أخفقوا، بدرجات متفاوتة، في بناء الدولة الحديثة، والذين بقوا في المعارضة عجزوا عن تطوير مشروع فكري وتنظيمي قادر على تجديد نفسه وتقديم بديل تاريخي.
***
لا تهدف هذه القراءة إلى إدانة اليسار أو التقليل من إسهامه في معارك التحرّر والعدالة الاجتماعية، بل إلى مقاربة تجربته بوصفها مختبراً تاريخياً للعلاقة بين فكره والواقع، والثورة والدولة، والحزب والمجتمع؛ فالمراجعة ليست نقضاً للفكرة، بل شرطاً لاستمرارها وتجدّدها.
ومن هنا ينبثق السؤال المركزي: كيف تحوّل اليسار العربي، على اختلاف تياراته، من أحد أبرز مشاريع النهضة والتحرر إلى مشروع فقدَ قدرته على إنتاج المستقبل؟ وهل كانت هذه الهزيمة نهاية الفكرة، أم نهاية صيَغِها التاريخية؟
لم يولد اليسار العربي بوصفه استيراداً متأخراً لفكرة خارجية، بل نشأ من تلاقي تياراتٍ ماركسية وقومية ووطنية رأت بدرجاتٍ متفاوتة في التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية مدخلاً إلى بناء الدولة الحديثة. وبرغم تأثر كثير من هذه التيارات بالفكر الاشتراكي والتجربة السوفييتية، فإنها احتفظت بتعدّد مرجعياتها وصيغها، فغدا اليسار أحد أبرز مشاريع النهضة والتحرر في العالم العربي.
وقد صعد اليسار في لحظة تاريخية عجزت فيها النخب التقليدية عن إنتاج مشروع نهضوي قادر على مواجهة الاستعمار والتبعية وبناء الدولة الوطنية.
ومع قيام إسرائيل، واشتداد استقطابات الحرب الباردة، ونشوء الدول العربية المستقلة، اتسع حضوره السياسي والفكري، واستفاد بعض تياراته من الدعم السوفييتي، من دون أن يكون العامل الخارجي وحده كافياً لتفسير صعوده؛ إذ استمد قوته الأساسية من استجابته لتطلعات اجتماعية ووطنية حقيقية داخل المجتمعات العربية.
وبدا، إلى جانب التيار القومي، مشروعاً تاريخياً لتحرير الأرض والإنسان، وتحديث المجتمع والاقتصاد، وبناء دولة تحقق السيادة والعدالة. كما منحت القضية الفلسطينية كثيراً من تياراته بُعداً أخلاقياً وتاريخياً خاصاً، جمع بين مقاومة الاحتلال والتحرر الوطني والمطالبة بالعدالة الاجتماعية، وربط مصير الإنسان العربي بمصير الأمة وقضاياها الكبرى.
غير أن أحد أهم مصادر قوّته حملَ في داخله بذورَ أزمته؛ إذ تحوّل استلهام التجربة السوفييتية، لدى عدد من الأحزاب، من مصدرٍ للتعلّم والاجتهاد إلى مرجعية شبه مُغلقة، قيّدت استقلالها الفكري، وأعاقت قدرتها على إنتاج قراءة دقيقة للواقع العربي وتكييف أفكارها مع شروط مجتمعاته وتاريخها.
غير أن هذه الإشكالية الفكرية رافقت التجربة منذ بداياتها. فلم تكن أزمة اليسار العربي أزمة نظرية بقدر ما كانت أزمة في استثمارالأفكار وربطها بالواقع.
فالماركسية نشأت في مجتمع أوروبي صناعي، بينما تَشكّل الواقع العربي في ظل بنى اجتماعية تقليدية ودولة وليدة هشّة. ولم يكن اختلاف السياق هو المشكلة، بل العجز عن إعادة إنتاج النظرية بما ينسجم مع شروطه التاريخية والثقافية.
كثيرٌ من التيارات القومية والوطنية لم تتجاوز مأزقاً مشابهاً؛ إذ غلبت الأيديولوجيا على قراءة الواقع، والنقل على الاجتهاد، واليقين على النقد. لذلك لم تكن الأزمة كامنة في الماركسية أو القومية بحد ذاتهما، بل في طريقة تلقيهما وتطبيقهما، حين تحول الفكر من أداة لفهم الواقع وتغييره إلى إطار مغلق يُقاس الواقع بمدى مطابقته له، بدلاً من أن يُعاد بناء النظرية في ضوء الواقع. ومن هنا لا يكون السؤال: هل كانت هذه النظريات صحيحة أم خاطئة؟ بل: هل نجحت تيارات اليسار العربي في تحويلها إلى مشاريع تاريخية منسجمة مع مجتمعاتها؟
***
لقد افترض الخطاب اليساري أن الصراع الطبقي هو المحرّك الرئيس للحياة السياسية، بينما كانت الطائفة، والعائلة، والعشيرة، والزعامة التقليدية في بلاد العرب تؤدي وظائف الانتماء والحماية والتمثيل. وحين اصطدم الانتماء الطبقي بهذه البنى، أعادت البنى الاجتماعية الأكثر رسوخاً في الوعي الاجتماعي إنتاج نفسها بوصفها المرجعية الأقوى للانتماء والولاء والشرعية.
أما في مسألة الدين، فقد أساءت بعض هذه التيارات فهمه، حين قُرئ بوصفه أيديولوجيا فحسب، لا بوصفه منظومةً للمعنى والهوية والشرعية. فابتعد الخطاب اليساري عن العالم الرمزي للمجتمع، وخاطب إنساناً نظرياً أكثر مما خاطب الإنسان العربي التاريخي، فخسر الحوار مع قطاعات واسعة، لا لأنها رفضت العدالة الاجتماعية، بل لأنها لم تجد في خطابه فهماً لعالمها الثقافي والرمزي. وهنا تتجلى، بلغة غرامشي، محدودية الوصول إلى السلطة من دون بناء الهيمنة الثقافية؛ وهي المهمة التي لم ينجح اليسار العربي في إنجازها.
وازداد هذا المأزق عمقاً لأن معظم البلدان العربية لم تعرف طبقة صناعية واسعة، بل اقتصادات ريعية، وشبكات زبائنية، ومجتمعاً مدنياً هشاً، حافظت فيه البنى التقليدية على دورها في تنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية. لذلك تكيفت أحزاب يسارية كثيرة مع القواعد التي جاءت لتغييرها، ولم تستطع تجاوزها، بل أعادت هذه البنى إنتاج نفسها داخلها.
ولم تكن المشكلة في مواجهة مجتمع “متخلف”، كما افترض بعض الخطاب الأيديولوجي، بل في الاعتقاد أن التاريخ يجب أن يخضع للنظرية، لا أن تكون النظرية ابنةً لتاريخه. فالأفكار لا تغيّر المجتمعات بعدالة مبادئها وحدها، بل بقدرتها على فهم بنيتها الثقافية، ومصادر شرعيتها، والانطلاق منها لإعادة بنائها. وهكذا لم يعجز اليسار عن تغيير المجتمع فحسب، بل كان المجتمع، ببناه العميقة، ومعانيه، وولاءاته، أقدر على إعادة تشكيل اليسار.
وحين وصلت بعض تيارات اليسار، أو القوى المتحالفة معها، إلى السلطة، واجهت امتحانها الأصعب: الانتقال من شرعية النضال إلى شرعية الدولة. وهنا بدأت المفارقة الكبرى؛ فإسقاط نظام لا يعني بناء نظام جديد، والثورات تستطيع فتح أبواب التاريخ، لكنها لا تستطيع الإقامة فيه من دون مؤسسات. غير أن الشرعية التي يصنعها زمن التحرر لا تكفي، وحدها، لبناء شرعية الدولة واستمرارها.
ولا شك أن هشاشة الدولة الجديدة، والتدخلات الخارجية، والصراعات الإقليمية، والعقوبات، والاستقطاب الدولي، كلها عوامل أثرت في هذه التجارب، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير مآلاتها. فقد بقي الاختبار الحقيقي في قدرة كل تجربة على بناء مؤسسات مرنة، وتجديد شرعيتها، وتحويل الأزمات إلى فرص للإصلاح.
***
غير أن منطق الثورة ظل حاكماً، في كثير من الحالات، حتى بعد الوصول إلى السلطة. فأُديرت الدولة بعقلية التعبئة والصراع، لا بعقلية المؤسسة والقانون، واختلط الحزب بالدولة، والشرعية الثورية بالشرعية الدستورية، فتحولت مؤسسات الدولة إلى امتداد للتنظيم السياسي، بدلاً من أن تكون إطاراً وطنياً جامعاً يتجاوز الجميع.
وبدلاً من أن تصبح المعارضة ركناً من أركان الحياة السياسية، عوملت بوصفها تهديداً للمشروع نفسه. فاتسع المجال الأمني، وانكمش المجال السياسي، وتقدمت حماية السلطة على بناء الدولة.
وفي المجال الاقتصادي، أخفقت معظم هذه التجارب في تأسيس قاعدة إنتاجية مستدامة؛ إذ تداخل القطاع العام مع البيروقراطية، والزبائنية، والفساد، وتراجعت الكفاءة أمام الولاء السياسي، فعجزت الدولة، تدريجياً، عن الوفاء بالوعود الاجتماعية التي استندت إليها شرعيتها في بداياتها.
ومع مرور الزمن، لم تعد الشرعية الثورية قادرة على تعويض ضعف الدولة. فالشعوب تمنح الثورات فرصة لبناء المؤسسات، لكنها لا تمنحها تفويضاً دائماً بالإخفاق. وحين تعجز الدولة عن إنتاج الكفاءة والعدالة، وسيادة القانون، تبدأ شرعيتها بالتآكل، مهما كانت عظمة البدايات.
وهكذا تتجلى المفارقة الكبرى في تجربة اليسار العربي: فقد نجح، في حالات كثيرة، في الوصول إلى السلطة، لكنه لم ينجح، بالقدر نفسه، في الانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة. وبرغم اختلاف تجارب مصر، وسوريا، والعراق، واليمن الجنوبي، بقي القاسم المشترك بينها جميعاً هو العجز عن بناء مؤسسات مستقلة قادرة على الاستمرار خارج منطق التعبئة، والحزب، والقيادة التاريخية.
لكن الإخفاق في بناء الدولة لم يكن نهاية التجربة؛ كان يمكن أن يكون بداية مراجعتها.
فحيوية المشاريع التاريخية لا تُقاس بانتصاراتها وحدها، بل بقدرتها على تحويل الإخفاق إلى معرفة، والمعرفة إلى مراجعة، والمراجعة إلى تجدد. ومن هنا بدت أزمة اليسار العربي أعمق من مجرد خسارة السلطة لدى بعض تجاربه؛ فحتى الأحزاب التي لم تصل إلى الحكم لم تستطع، في معظمها، أن تحوّل موقعها في المعارضة إلى فرصة لبناء مراجعة فكرية وتنظيمية عميقة أو إنتاج مشروع بديل أكثر نضجاً. وهكذا لم تُنتج إخفاقات اليسار، في السلطة أو خارجها، مراجعة بحجم التحولات التي شهدها العالم والمنطقة.
فبعد الهزائم وانهيار الاتحاد السوفييتي، لم يفقد المشروع مرجعيته التاريخية فحسب، بل فقد أيضاً قدرته على تفسير عالم جديد أخذ يتشكل. ومع ذلك، تعاملت أحزاب كثيرة مع هذه التحولات بوصفها أحداثاً خارجية، لا بوصفها مناسبة لإعادة النظر في مسلمات التجربة وأسسها.
لذلك انحصر النقد في التطبيق، أو الأشخاص، أو الظروف، ونادراً ما امتد إلى البنية الفكرية والتنظيمية، وإلى العلاقة بين الحزب والدولة، والنظرية والواقع. وهكذا تأجلت الأسئلة الكبرى، فيما فقدت الأجوبة القديمة قدرتها على تفسير عالم متغير.
كما عمّقت البنية التنظيمية الأزمة؛ فالمركزية، وضعف الديموقراطية الداخلية، وغياب تداول القيادة، جعلت النقد يُنظر إليه بوصفه تهديداً للوحدة، لا شرطاً للتجدد، فتحولت الأخطاء، مع مرور الوقت، إلى جزء من بنية التنظيم نفسه.
ولم تتحول مراجعات مفكرين مثل إلياس مرقص وياسين الحافظ إلى إصلاح مؤسسي، لأن الأزمة لم تكن في غياب النقد، بل في عجز الأحزاب عن تحويله إلى ثقافة تنظيمية وآليات عمل مستدامة؛ فالأفكار لا تغيّر التنظيم ما لم تتحول إلى مؤسسات.
وهكذا لم تكن الأزمة مجرد تراجع سياسي، بل عجزاً عن إنتاج معرفة نقدية متجددة؛ فالمشروع الذي يعجز عن مراجعة نفسه يفقد، تدريجياً، قدرته على فهم العالم والتأثير فيه.
ومن هنا برز سؤال آخر: إذا كان اليسار العربي قد تراجع، فلماذا لم يولد يسار عربي جديد؟
***
لم يكن تراجع اليسار العربي يعني نهاية الحاجة إلى الحرية، والعدالة الاجتماعية، ومقاومة الاستبداد، بل نهاية مرحلة من تاريخه. غير أن انحساره لم يفتح الطريق أمام مشروع جديد، لأن المراجعة بقيت جهداً فردياً أكثر منها مشروعاً مؤسسياً، فيما ظل جانب من خطابه أسير خرائط القرن العشرين، رغم التحولات التي أحدثها انهيار الاتحاد السوفييتي، وصعود الليبرالية المعولمة، والثورة الرقمية، وتراجع الدولة الاجتماعية.
ولا تكفي الضغوط السياسية والاقتصادية، ولا التحولات الدولية، لتفسير غياب البديل؛ فالمشاريع التي تمتلك قدرة حقيقية على النقد تمتلك في الوقت نفسه، قدرة على التجدد. لذلك لم تعد أزمة اليسار العربي مجرد أزمة حضور سياسي، بل أصبحت أزمة عجز عن مراجعة تجربته التاريخية وإعادة إنتاج مشروعه بما يستجيب لتحولات العصر.
غير أن فشل هذه التجربة التاريخية لا يعني بالضرورة نهاية الفكرة؛ فالأفكار الكبرى لا تستنفد مشروعيتها بإخفاق تجاربها، وإنما تتجدد بقدر ما تمتلك شجاعة المراجعة والنقد وإعادة التأسيس.
ومن هنا، لم يعد السؤال: «هل يعود اليسار؟»، بل: هل يستطيع أن يبني مشروعاً تحررياً ديموقراطياً جديداً، يتعلم من إخفاقات التجربة، ويجمع بين الحرية والعدالة وبناء الدولة القوية؟”
