ثَمَن المِلْح: كيف ابتلع الجَشَع الاقتصادي والفساد مياه البحر الميّت؟

يقف البحر الميّت، وهو بحيرة مغلقة شديدة الملوحة تقع في أخفض بقعة على وجه الأرض، كأعجوبة طبيعيّة وتاريخيّة لا مثيل لها، حيث يتميّز بملوحة تبلغ 348 غراماً لكل لتر، ممّا يجعله أكثر ملوحة من محيطات العالم بما يقرب من عشر مرّات.

لطالما كان هذا الحوض المائيّ الاستثنائيّ مطمعاً للإمبراطوريّات ومركزاً للثروة منذ فجر التاريخ. وتعود قصة استغلال ثرواته إلى العصور القديمة، حين أدركت الحضارات المبكّرة قيمته، حيث سيطر الأنباط بشراسة على حصاد الأسفلت الطبيعيّ، أو ما يعرف بالبيتومين البتروليّ اللّزج الذي كان ينفصل عن قاع البحر ويطفو متكتّلاً على سطحه، واحتكروا تجارته بشكل كامل لبيعه للمصريّين القدماء الذين اعتمدوا عليه كعنصر أساسيّ لا غنى عنه في عمليّات التحنيط المعقّدة وحفظ أجساد الفراعنة، فضلاً عن استخدامه في العزل المائيّ والصناعات المبكّرة.

ومع ذلك، فإن الاستغلال الذي شهده البحر الميّت في العصور القديمة لا يقارن بأيّ حال من الأحوال بما يتعرّض له اليوم. لقد تحوّلت هذه الأعجوبة الطبيعيّة إلى مسرح لواحدة من أبشع عمليّات الاستغلال الاقتصاديّ والبيئيّ في العصر الحديث، حيث تتكشّف فصول مأساة حقيقيّة تقودها التكتّلات الرأسماليّة العابرة للحدود، مدعومة بتواطؤ حكوميّ وإهمال تنظيميّ ممنهج على ضفتيّ النهر. إنّها قصة تُحقّق فيها الشركات الخاصّة أرباحاً خياليّة تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات، بينما تُترك فاتورة التدمير البيئيّ الكارثيّ لتدفعها الطبيعة والمجتمعات المحليّة.

كنوز الأعماق المستباحة

قبل الغوص في دهاليز الخصخصة والسياسة، من الضروريّ تفكيك هذه الكعكة الاقتصاديّة وتبديد مفهوم خاطئ شائع لدى العامة؛ فالكثيرون يتخيّلون أنّ الشركات تجد معادن جاهزة أو صلبة تسبح في المياه، والواقع العلميّ والصناعيّ مختلف تماماً. لا توجد معادن مباشرة في ماء البحر، بل توجد أيونات ذائبة تشكّل محاليل ومركّبات ملحيّة معقّدة ومتداخلة، والعمليّة تعتمد بالأساس على الهندسة الكيميائيّة وتحريض التبلور التدريجيّ من خلال التبخير الشمسي.

تستهدف المصانع استخراج مركّبات وعناصر استراتيجيّة بالغة الأهميّة في الأسواق العالميّة تشمل البوتاس (كلوريد البوتاسيوم)، والبروم، وكلوريد المغنيسيوم، والأملاح الصناعيّة، ومعدن المغنيسيوم. تعتبر مادتا البوتاس والبروم على وجه الخصوص العمود الفقريّ لصناعة الأسمدة الزراعيّة العالميّة والمواد الكيميائيّة الداخلة في صناعة مُثبِّطات اللَّهب ذات الانتشار العالمي. ولإدراك حجم الاستغلال لهذه الإمبراطورية، يكفي أن نعلم أن إسرائيل وحدها تستخرج نحو 3.8 إلى 3.9 مليون طن متري من البوتاس سنوياً، وتسيطر على حوالي 35% من الإنتاج العالمي للبروم، لتجني من ورائها عائدات فلكية.

ولأجل حصاد هذه العناصر، تعتمد الشركات أساليب كاسحة تبدأ بضخّ كميّات هائلة من مياه البحر الميّت وتوجيهها من الحوض الشمالي الأعمق إلى شبكة معقّدة من برك التبخير الاصطناعيّة الضحلة التي ابتلعت الحوض الجنوبي بأكمله وتغطي مساحات شاسعة تتجاوز 150 كيلومتراً مربعاً. وتحت أشعة شمس الصحراء الحارقة، يترسّب أوّلاً معدن الهاليت (كلوريد الصوديوم أو ملح الطعام) في قاع البرك لعدم قيمته التجاريّة الكبيرة مقارنة بالباقي، ليتحوّل السائل المتبقي إلى محلول مركّز للغاية يُسمّى “المحلول المرّ” (Bitter brine). من هنا، تبدأ المركّبات المعقّدة كالكرناليت (Carnallite) بالتبلور لتُحصد ميكانيكياً كعجينة خام.

بعد هذا الحصاد، تبدأ معارك كيميائيّة وفيزيائيّة مجهدة؛ حيث يُغسل البوتاس ويُعالج لتنقيته، بينما يتطلّب الحصول على معدن المغنيسيوم الصلب تجفيف كلوريد المغنيسيوم وعملية تحليل كهربائي (Electrolysis) تحت درجات حرارة فلكيّة لفصل روابطه. أما البروم، فيتم استخراجه عبر مفاعلة المحاليل المتبقية مع غاز الكلور والبخار شديد الحرارة لتكثيفه إلى سائل أحمر سامّ.

البحر المقدس ووادي الأسرار

إن فهم عمق المأساة الحالية يتطلب السفر عميقاً في تاريخ هذا الحوض الفريد الذي يمتد لآلاف السنين. لم يكن البحر الميت يوماً مساحة مائية معزولة، بل كان قلب التاريخ النابض في وادي التصدع العظيم. فمنذ نهاية العصر الجليدي الأخير وبداية الفجر البشري، كان هذا البحر شاهداً على قدرة الإنسان على التكيف والصمود، حيث نجحت المجتمعات القديمة في ترويض الينابيع المحيطة وزراعة محاصيل نادرة وذات قيمة اقتصادية فلكية، مثل نبتة “البلسم” العطرية الغامضة، وقصب السكر، ونبات النيلة (Indigo)، فضلاً عن غابات النخيل الشهيرة التي زينت واحاته في عين جدي وأريحا وصافي.

لقد دارت على ضفافه صراعات وحضارات كبرى تركت بصماتها في سجلات التاريخ والآثار، من المؤابيين والأنباط، إلى اليونانيين والرومان، وصولاً إلى العصور البيزنطية والإسلامية وعهود الصليبيين والمماليك. وفي الكهوف المنعزلة المحفورة في صخوره، أُخفيت مخطوطات البحر الميت الشهيرة التي حفظت نصوصاً دينية وتاريخية لقرون طويلة. وتكشف “خريطة مادبا” الفسيفسائية، التي تعود لمنتصف القرن السادس الميلادي، عن الأهمية الاقتصادية والتجارية للبحر في ذلك الوقت؛ حيث تظهر بوضوح سفينتان تخرقان مياهه الثقيلة، تحمل إحداهما كومة من الملح الأبيض الناصع، والأخرى تحمل شحنة ذات لون أحمر مائل للصفرة (أُكسرا) يُعتقد أنها من الأسفلت (البيتومين) أو الحبوب، لتوزع هذه السلع النفيسة في الأسواق الإقليمية.

عاش البحر الميت آلاف السنين في توازن بيئي وديناميكي دقيق مع محيطه البشري، حيث كان الإنسان يأخذ من أملاحه وثرواته ما يحتاجه دون المساس بوجوده الطبيعي. لآلاف السنين، ظل نهر الأردن وروافده تتدفق بسخاء لتغذي البحيرة بحوالي 1.2 مليار متر مكعب من المياه العذبة سنوياً، ليعوض بشكل مثالي وعبر دورة طبيعية مذهلة ما يتبخر من مياهه تحت شمس الصحراء الحارقة. استمر هذا التوازن المستدام حتى حلت كوارث العصر الصناعي الحديث والشهية الرأسمالية التي لا تشبع، والتي خنقت منابع النهر لتخفض تدفقه إلى قطرة هزيلة تتراوح بين 100 و150 مليون متر مكعب فقط سنوياً، لتبدأ معها فصول احتضار البحر الميت.

تقاسم الكعكة الاحتكارية

بدأ الاستغلال الصناعي الحديث والمكثف للبحر الميت في أوائل القرن العشرين تحت مظلة الانتداب البريطاني، مدفوعاً بطموحات إمبراطورية بحتة لتأمين إمدادات بريطانيا من معدن البوتاس الاستراتيجي وكسر الاحتكار العالمي الذي كانت تتمتع به ألمانيا في ذلك الوقت. في الأول من كانون الثاني/يناير من عام 1930، تم وضع حجر الأساس لعمليات التبخير الشمسي واسعة النطاق عندما مُنح “امتياز بوتاس فلسطين” لشركة بوتاس فلسطين المحدودة، وذلك بموجب اتفاق مشترك بين حكومتي فلسطين وشرق الأردن.

لكن هذه الشراكة لم تدم طويلاً؛ فمع التصدعات الجيوسياسية وحرب عام 1948، انقسم هذا الإطار الاحتكاري المشترك إلى كيانين منفصلين يحظيان برعاية وحماية الدولتين على جانبي الحدود، ليبدأ فصل جديد من الاستنزاف الممنهج. على الضفة الشرقية، وفي خطوة رسخت الهيمنة المؤسسية على الموارد، منحت الحكومة الأردنية في عام 1958 شركة البوتاس العربية (Arab Potash Company – APC) احتكاراً حصرياً مدته مائة عام لإنتاج واستغلال معادن البحر الميت. أما على الضفة الغربية، فقد قامت الحكومة الإسرائيلية بتأميم مرافق الإنتاج الجنوبية في عام 1951 لتأسيس ما يُعرف بشركة مصانع البحر الميت (Dead Sea Works – DSW).

ولإحكام هذه السيطرة وإضفاء الطابع الرسمي على هذا الاستحواذ، أقر الكنيست الإسرائيلي عام 1961 قانون امتياز البحر الميت، والذي منح الشركة (DSW) حقوق تعدين حصرية على منطقة شاسعة للغاية تبلغ مساحتها 652 كيلومتراً مربعاً. هذا الرقم الهائل والمخيف يعادل حوالي 3% من إجمالي مساحة اليابسة في إسرائيل، وهو مساحة تكبر مساحة بلدية تل أبيب-يافا بأكثر من 11 مرة، لتُسلم بذلك مقدرات طبيعية هائلة لكيان صناعي واحد يعمل لعقود طويلة محصناً بالامتيازات وقوانين الدولة.

حقبة الخصخصة.. والنهب

بحلول أواخر التسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اجتاحت سياسات النيوليبرالية والتحرير الاقتصادي المنطقة، مما أدى إلى خصخصة الأصول الوطنية الاستراتيجية وتحويلها إلى آلات لطباعة الأموال لصالح نخب سياسية واقتصادية محددة. هنا، بدأت تتجلى أبشع صور الاستغلال الاقتصادي، حيث تم تسليع التراث الطبيعي المشترك وبيعه بأبخس الأثمان للقطاع الخاص والشركات الأجنبية متعددة الجنسيات.

في الأردن، وتحت ضغط برامج التعديل الهيكلي التي فرضها البنك الدولي والوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، بدأت سياسات الخصخصة بشكل متسارع. في عام 2003، أقدمت الحكومة الأردنية على خطوة أثارت صدمة واسعة، حيث باعت نصف حصتها البالغة 56 بالمائة في شركة البوتاس العربية (APC) لعملاق التعدين الكندي “شركة البوتاس في ساسكاتشوان” (التي أصبحت لاحقاً Nutrien) مقابل 173 مليون دولار فقط. لاحقاً، وفي دلالة صارخة على القيمة الهائلة وغير المُقدرة لهذه الأصول الوطنية، قامت الشركة الكندية ببيع نفس الحصة البالغة 28 بالمائة لشركة التنمية والاستثمار الحكومية الصينية (SDIC) في عام 2018 مقابل 502 مليون دولار.

أثارت عملية البيع هذه غضباً مجتمعياً واسعاً، حيث نظر الشارع الأردني إلى هذه الإجراءات على أنها مصادرة غير شرعية لثروات الأمة الطبيعية، وتدمير مباشر لما يُعرف بـ “الاقتصاد الأخلاقي للموارد الوطنية”. تحول هذا الغضب إلى محفز رئيسي للحركات الاجتماعية والعمالية، وبلغ ذروته في احتجاجات عارمة في الشوارع خلال سنوات الربيع العربي (بين عامي 2011 و2013)، حيث اتهم المتظاهرون الدولة ببيع الأصول العامة في ظل ظروف فاسدة، ورددوا هتافات شهيرة لخصت حجم المأساة قائلين: “الفوسفات.. باعوها! سرقوها! والبوتاس.. باعوها! سرقوها!”.

لم تكن مخاوف الأردنيين من فراغ، فقد تزامنت الخصخصة مع فضائح فساد مدوية على مستوى النخبة السياسية. فبالتوازي مع جدل خصخصة البوتاس، كشف البيع لشركة مناجم الفوسفات الأردنية (JPMC) في عام 2006 عن كسب غير مشروع وفساد ممنهج، تُوج بإدانة وليد الكردي بالتربح غير القانوني وإساءة استغلال منصبه. غرمت المحكمة الكردي 284 مليون دينار أردني (حوالي 269 مليون دولار) وحُكم عليه بالأشغال الشاقة لمدة 18 عاماً، لكنه فرّ ليعيش هارباً في المملكة المتحدة. وتأتي عمليات النهب هذه في سياق أوسع من تراكم الثروات غير المشروعة، وهو ما فضحته “وثائق باندورا” في عام 2021.

وعلى المستوى العمالي، تجسد الاستغلال الاقتصادي في أقسى صوره. فقد جلبت الإدارة الأجنبية لشركة البوتاس العربية (APC) تدابير صارمة لخفض التكاليف أثرت بشدة على العمال المحليين، حيث تم تجريد أكثر من ألف عامل من حماية العقود طويلة الأجل وإجبارهم على العمل بنظام المياومة المستقل. ترافق ذلك مع اتهامات موثقة للإدارة بممارسة التمييز في الأجور، واستخدام تكتيكات لتكسير النقابات، والتعرض المستمر للمضايقات والتهديدات لممثلي العمال. ووصل التخبط إلى حد إجبار الشركة في عام 2016 على الاعتراف بالتزام مالي مخفي بقيمة 56.4 مليون دينار أردني، كان قد تم احتجازه من حقوق الموظفين. في المقابل، استمرت الشركة في جني أرباح فلكية، حيث سجلت صافي ربح هائل بلغ 144.7 مليون دينار أردني في الربع الأول فقط من عام 2022، و113.8 مليون دينار في الربع الأول من عام 2023. 

إقرأ على موقع 180  المثقفون والناس.. ودينامية الخبز المشترك

احتكار العائلات وتواطؤ الأجهزة

أما على الجانب الإسرائيلي، فقد اتخذ الاستغلال الاقتصادي شكلاً مؤسسياً شديد التعقيد من خلال ما يُعرف بالاستيلاء التنظيمي وممارسة “الباب الدوار” (Revolving Door)، حيث ينتقل كبار المسؤولين الحكوميين مباشرة إلى أدوار قيادية داخل نفس التكتلات التي كانوا مكلفين قانونياً بتنظيمها ومراقبتها. بدأت عملية الخصخصة في عام 1992، وبحلول عام 1999، تخلت الدولة عن حصتها المسيطرة لصالح “الشركة الإسرائيلية” (Israel Corporation)، وهي شركة قابضة ضخمة تسيطر عليها عائلة عوفر المليارديرة، لتتحول شركة مصانع البحر الميت (DSW) إلى احتكار خاص يعمل خارج نطاق المحاسبة.

استخدمت هذه الشركة نفوذها الهائل لانتزاع تنازلات تنظيمية مذهلة وتجنب الضرائب؛ ففي عام 2014، قامت مجموعة الصناعات الكيميائية الإسرائيلية (ICL) بنقل مقرها الإقليمي الأوروبي إلى هولندا، مستخدمة شركات وهمية للتهرب الضريبي. كما استخدمت نفوذها السياسي لسحق أي منافسة خارجية؛ ففي عام 2013، أحبطت محاولة استحواذ من قبل شركة البوتاس الكندية لضمان بقاء هذا الاحتكار المربح تحت السيطرة الحصرية. وقد كشف تقرير أصدره مراقب الدولة الإسرائيلي متانياهو إنجلمان في آذار من عام 2025 عن حجم الإهدار المالي والتواطؤ الحكومي.

تتجلى المهزلة الاقتصادية في رسوم الإيجار؛ ففي حين تسيطر الشركة على منطقة امتياز شاسعة تبلغ مساحتها 652 كيلومتراً مربعاً، ظلت سلطة الأراضي لعقود تفرض عليها رسوماً سنوية تبلغ 2.7 مليون شيكل فقط، أي ما يعادل 745 ألف دولار أميركي. الطامة الكبرى هي أن هذا الرقم الهزيل مبني على تقييمات أراضٍ قديمة تعود لعام 1975، ومقومة بعملة الليرة الإسرائيلية المنقرضة. والأكثر صدمة، أنه على مدى العقود الستة الماضية، جف وانكشف أكثر من 250 كيلومتراً مربعاً من قاع البحر الميت، فقامت الشركة بالاستيلاء المجاني على هذه الأراضي وبناء منشآت صناعية فوقها دون تحصيل أي رسوم إيجار إضافية.

ولم يتوقف الهدر هنا، بل امتد إلى التهرب من دفع الرسوم البيئية والتعدينية المستحقة للدولة. تنتج الشركة نفايات صناعية هائلة تشمل 15 ألف طن من حمأة الملح ومليوني طن من نفايات الملح القصيرة سنوياً. ومع ذلك، فشلت وزارة حماية البيئة في تحصيل رسوم مكبات النفايات الإلزامية، والتي قُدرت للعام 2023 وحده بما يتراوح بين 90 إلى 135 مليون شيكل. كما تواطأت وزارة الطاقة وسلطة الأراضي عبر فشلهما في تحصيل رسوم امتياز لعمليات المحاجر الواسعة التي كلفت الخزانة العامة أكثر من 120 مليون شيكل إضافية خلال العقد الماضي.

ولعل الفضيحة الأكبر اقتصادياً تمثلت في استباحة مياه البحر الميت الحيوية. تضخ الشركة الإسرائيلية ونظيرتها الأردنية معاً حوالي 600 مليون متر مكعب سنوياً من الحوض الشمالي الأعمق إلى برك التبخير في الجنوب. لسنوات طويلة، قامت شركة مصانع البحر الميت بضخ هذه المياه وتجفيف البحر مجاناً تماماً وبدون أي ترخيص رسمي. استمر هذا الاستنزاف المجاني الصارخ حتى خاضت المجموعة البيئية “أدم تيفا فادين” معركة قانونية شرسة، توجت في عام 2019 بحكم قضائي أجبر سلطة المياه على إخضاع الشركة لنظام التراخيص. وتكللت المعركة بانتصار تاريخي أكبر في كانون الأول/ديسمبر 2025، حيث ألزمت المحكمة العليا الشركة بدفع ما بين 250 و500 مليون شيكل كرسوم مقابل المياه الجوفية قليلة الملوحة التي ضختها منذ عام 2017.

والمفارقة الوقحة في هذه المأساة هي ما يحدث داخل برك التبخير الصناعية نفسها؛ ففي “البركة رقم 5″، يترسب حوالي 20 مليون طن من الملح سنوياً في القاع، مما يرفع منسوب المياه بمقدار 20 سنتيمتراً كل عام ويهدد بإغراق الفنادق والمنتجعات السياحية القريبة. وبدلاً من أن تتحمل الشركة مسؤولية هذه الكارثة، وافقت الحكومة على دفع 20% من التكاليف المليارية لما يُعرف بـ”مشروع حصاد الملح” من أموال دافعي الضرائب العامّة لتجريف هذه التراكمات.

الكارثة البيئية الموثقة

بينما تتراكم الثروات في الحسابات المصرفية الخاصة وعبر الشركات الوهمية، يدفع البحر الميت ضريبة هذا الاستغلال الاقتصادي الجشع من وجوده الفعلي. لاستخراج المعادن والركازات الأيونية المطلوبة عالمياً، تعتمد هذه الشركات أساليب استخراج شديدة التدمير. فبينما يتم ضخ ملايين الأمتار المكعبة من المياه الثمينة سنوياً إلى برك التبخير الضحلة، لا يُعاد إلى البحر سوى النصف ليتم التخلص منه كنفايات صناعية سائلة شديدة الملوحة.

هذه العمليات برمتها مسؤولة وحدها عن حوالي 40% من النضوب الكارثي والتراجع السنوي لمياه البحر الميت، مما يجعلها استنزافاً هيدرولوجيّاً وكيميائيّاً لا يرحم. وتكتمل المأساة مع الستين بالمائة المتبقية الناتجة عن التحويلات المائية الضخمة والسدود عند منابع نهري الأردن واليرموك من قبل إسرائيل والأردن وسوريا. النتيجة هي انخفاض مرعب في منسوب المياه يتراوح بين 1.1 و 1.2 متر كل عام. وتشير الإحصاءات الكارثية إلى أنه منذ عام 1976، انخفضت مساحة سطح البحر الميت إلى النصف تقريباً، وانخفض منسوبه العمودي بأكثر من 40 متراً.

الأخطر من ذلك هو ما كشفته التحقيقات الحديثة حول كفاءة استخدام هذه المياه؛ ففي الجانب الإسرائيلي وحده، كشف تقرير مراقب الدولة لعام 2025 أن حوالي ربع المياه التي تضخها شركة مصانع البحر الميت (DSW) يتسرب ويضيع تماماً عبر أرضيات أكبر برك التبخير الصناعية لديها. هذا الهدر الإنشائي الفادح يجبر الشركة على ضخ كميات مياه إضافية هائلة لمجرد تعويض الفاقد من التسريب، دون أن تبذل الجهات التنظيمية أي جهد لإجبارها على سد هذه التسريبات أو تقنين عمليات الضخ.

أدى هذا التراجع السريع والمخيف لخط الساحل إلى كشف أكثر من 300 كيلومتر مربع من قاع البحر خلال الخمسين عاماً الماضية. ومع انحسار المياه المالحة، تتدفق المياه الجوفية العذبة لتحل محلها، مؤدية إلى إذابة الطبقات الملحية الجوفية التي استقرت لآلاف السنين. أدى هذا الذوبان الجوفي إلى انهيار التربة السطحية وتشكيل ما بين 7000 إلى 8000 حفرة خسفية (Sinkholes) مرعبة تنتشر على طول الساحل. ابتلعت هذه الحفر المفاجئة المباني، والطرق السريعة الحيوية، والمنتجعات السياحية، متسببة في خسائر فادحة محولة مساحات شاسعة إلى مناطق أشباح خطرة. ولم تسلم حتى الشركات التي تسببت في الكارثة من تداعياتها، حيث ظهرت هذه الحفر داخل برك التبخير الصناعية التابعة لشركة البوتاس العربية (APC) في الأردن، وهو ما كبّد الشركة خسائر متوقعة تتراوح بين 70 إلى 90 مليون دولار.

ولم يقتصر التدمير على تجفيف المياه وابتلاع الأرض، بل امتد إلى تلويث ما تبقى من طبيعة نتيجة التواطؤ والتعتيم الرسمي. فبسبب الإهمال الحكومي وتواطؤ وزارة حماية البيئة الإسرائيلية التي تعمدت عدم تحديث شروط الرخص البيئية لمصانع البروم والبوتاس التابعة للشركة لمدد تتراوح بين 15 إلى 25 عاماً، عملت المصانع الكيميائية دون معايير واضحة للتخلص من مياه الصرف الصحي أو التعامل مع المخاطر. وبسبب هذا الغياب التنظيمي، لم تكن الشركة ملزمة قانوناً حتى بالإبلاغ عن حوادث التلوث.

أسفر ذلك عن تسرب كميات هائلة من مادة البوتاس بشكل مستمر من حزام ناقل يبلغ طوله 18 كيلومتراً لسنوات عديدة مباشرة إلى قلب محمية صحراء يهودا الطبيعية، مما دمر الغطاء النباتي المحلي وملّح التربة بالكامل. وبين تشرين الأول/أكتوبر من عام 2020 وكانون الثاني/يناير من عام 2024 فقط، تم تسجيل ثمانية حوادث منفصلة لتسرب الملوثات الكيميائية من خطوط الأنابيب داخل المحمية. ولعل أبرز هذه الكوارث البيئية الموثقة هو الحادث الذي وقع عام 2022، حين أدى تسرب كيميائي حاد وضخم من القنوات المائية والأنابيب المغذية لبرك التبخير إلى تدفق المحاليل عالية الملوحة في المروحة الطميية (Alluvial fan) لمجرى “وادي السَّيَّال” التاريخي (الذي يُطلق عليه الاحتلال اسم جدول تسئليم)، ما أسفر عن إبادة كاملة للنظام البيئي المحلي وموت الغطاء النباتي والكائنات الحية بشكل واسع.

الخاتمة

تقف قصة البحر الميت اليوم كتحذير صارخ وشاهد حي على المدى الذي يمكن أن يصل إليه الجشع البشري عندما يتزاوج مع الفساد المؤسسي والغياب المتعمد للإرادة السياسية. من مقبرة آمنة لملوك الفراعنة قديماً إلى منجم مفتوح ومستنزف تنهشه التكتلات الاحتكارية وتدمره التجاذبات الجيوسياسية حديثاً، تحولت هذه الأعجوبة الطبيعية إلى ضحية صامتة لمصالح عابرة.

فبينما تقترب مواعيد انتهاء الامتيازات الحالية في إسرائيل بحلول 31 آذار/مارس من عام 2030 حيث يُناقش قانون يهدف لطرح عطاء تنافسي دولي، يسعى كل طرف لتعظيم مكاسبه وتعديل عقوده لحفظ أرباحه. يبقى السؤال الجوهري معلقاً: هل تنجح أموال الرسوم والضرائب والتسويات، مهما عظمت، في إعادة الحياة لبحر يموت ببطء وتتشقق أرضه كل يوم؟ أم أن الأجيال القادمة ستقف على أطلال صحراء قاحلة وحفر خسفية عميقة، وتتساءل كيف سمح العالم بموت البحر الميت؟

Print Friendly, PDF & Email
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  باسيل ينصب كميناً لنفسه.. والشارع يُرعب الجميع والحريري يتفرج