غرب آسيا بين التّقلب الترامبي.. والمناورة الاستراتيجية الإيرانيّة

مع تجدد المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنهاء العمل بمذكرة التفاهم وتعليق المسار التفاوضي، تبدو منطقة غرب آسيا أمام تصعيد يندرج في سياق محاولة اعادة تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية بالإكراه، بعدما استَنفذت وسائل الردع فاعليتها. وتبادُل الضربات تجاوز إدارة الأزمة تحت النار، وتحوّل إلى اختبارِ قدرةِ الأطراف المتحاربة على تحمُّل الاستنزاف.

برغم سعي إيران للاستفادة من المسار التفاوضي -على علاته- لتثبيت موقعها كقوة إقليمية وتحسين وضعها الاقتصادي وفك عزلتها الدولية، فإنها لا تتردد في توسيع نطاق النزاع ورفع كلفة المواجهة على أطراف متعددة، كلما لجأ ترامب للقوة. فطهران تحرص على ألاّ تكون الحرب على جبهة واحدة، بل تريدها صراعاً متعدد المستويات تُستخدم فيه ساحات متشابكة لإرسال اشارات متزامنة إلى أكثر من خصم.

وتستند المقاربة الإيرانية -التي تختلف حسب الطّرف المعادي- على التهدئة والتصعيد، والمزاوجة بين العمل العسكري الدفاعي والهجومي، والعمل على تغيير البيئة السياسية المحيطة. ولا يمكن فهم السلوك الإيراني من خلال الاداء العمليّاتي فقط، فطهران تدير عدة جبهات في آن واحد، بحيث يؤدي كل تحرك وظيفة مختلفة ضمن هدف استراتيجي واحد. وبتحليل التّمشي الإيراني يمكن التّوقف عند استراتيجية تقوم على الثنائيات.

وقد يندرج تجنب فتح مواجهة واسعة مع إسرائيل في استراتيجية ثنائية الابعاد. من جهة، تكرس إيران وضع إسرائيل “كأصل ملحق” بالأصول الأمريكية في المنطقة، وعاجزة عن المبادرة بمهاجمة إيران بمفردها. كما تتمكن إيران -باستثناء إسرائيل من المواجهة- من إفساح المجال لمحور المقاومة لإعادة بناء القدرات وهيكلة القوة، تحسباً لجولات قد تكون أكثر حسماً في المستقبل. ويمنح استثناء إسرائيل من التصعيد فرصة لحزب الله لاحتواء آثار المواجهة السابقة، واستيعاب الضغوط السياسية والاجتماعية التي تعرضت لها بيئته الحاضنة. ووفق هذه القراءة، من غير المرجح أن تسمح طهران باستنزاف قدرات حلفائها في مواجهة لا تنتهي بقلب الموازين استراتيجياً في المنطقة. وقد تندلع الجولة الحاسمة بعد الانتخابات النصفية في أمريكا للاستفادة من تقييد هامش مناورة ترامب خارجياً.

ويقع الضغط على الأردن كذلك في ثنائيّةٍ استراتيجية، جانبها الأول يتمثل في إضعاف منظومة الدفاع الإقليمي الخليجية الأطلسية بضرب شبكة الإنذار المبكر التي يمكن أن تدعم إسرائيل. وأمّا الجانب الثاني، فيهدف إلى زيادة الضغوط على المملكة بتأجيج تحدياتها الداخلية المرتبطة بالحساسية السياسية للتركيبة السكانية ذات الأغلبية الفلسطينية.

وفي الخليج، تسعى إيران إلى إضعاف البنية الأمنية المرتبطة بالولايات المتحدة، مقابل الدفع نحو توازنات إقليمية جديدة. فالمقصود ليس فقط تقليص الوجود العسكري الأمريكي، وإنما تقويض منظومة الأمن التي نشأت خلال العقود الماضية، وفتح المجال أمام ترتيبات إقليمية يكون لتركيا وباكستان وربما مصر دور أكبر فيها، بما يقلل الثقل الأمريكي في إدارة أمن الخليج. وتضغط إيران على القوات والمصالح الأمريكية في المنطقة بأدوات متعددة، لكنها تحتفظ ببعض القدرات لدى حلفائها. وتُعتبر الساحة اليمنية ورقة استراتيجية بدأ توظيفها تصاعديّا، لفرض معادلات جديدة تتعلق بالحصار على اليمن وللتأثير في توجهات القرار السعودي وإبعاده – ما أمكن- عن التحالف الأمريكي الإسرائيلي.

وليس مستبعداً أن تصبح بعض دول الخليج الصغيرة جزءًا من معادلة الضغط الإيرانية.. ومن شأن ذلك التأثير على تماسك المنظومة الأمنية الخليجية بقيادة السعودية. أما الحديث عن تغيير أنظمة الحكم أو فرض سيطرة مباشرة، فيبقى مجرد سيناريو تحليلي وليس سياسة معلنة أو أمرًا تؤكده وقائع مُثبة.

ويندرج الضغط على قاعدة التّنف في سوريا في خانة الردع المزدوج. من جهة، يبعث استهداف القاعدة برسالة مباشرة إلى الولايات المتحدة بأن وجودها العسكري في الشام يبقى عرضة للضغط كلما اتسعت دائرة المواجهة مع إيران. ومن جهة أخرى، يحمل رسالة إلى السلطة السورية الجديدة مفادها أن الانخراط في أي مواجهة ضد حزب الله، أو التفاعل مع ترتيبات أمنية تستهدف محور المقاومة، سيؤدي إلى تحويل الساحة السورية إلى جزء من الصراع الإقليمي. وفق هذا التصور، تسعى طهران إلى تثبيت معادلة تمنع دمشق من التموضع بنيوياً في الاستراتيجية الأمريكية.

أما الملف الكردي، فتتعامل معه إيران أيضا من خلال استراتيجية مزدوجة الأبعاد. فالتصعيد ضد الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة المتمركزة في إقليم كردستان العراق يهدف إلى معالجة التهديدات الأمنية المباشرة، وتقويض قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على توظيف هذه الجماعات استراتيجياً في خطط اسقاط النظام الايراني. كما تُوجه إيران رسالة باستهدافها كردستان العراق، بأن مصلحة الاقليم تكمن في البقاء ضمن الإطار الوطني العراقي، وعدم التحول إلى منصة إقليمية لمشروعات معادية لطهران.

وفي المحصلة، تكشف المواجهة الحالية عن استراتيجية إيرانية تقوم على توزيع الأدوار بين الجبهات المختلفة. فالتهدئة مع إسرائيل تخدم إعادة بناء الحلفاء، والضغط على الأردن يستهدف منظومة الدفاع الإقليمي، والضغط على الخليج يرمي إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية، واستنزاف الوجود الأمريكي يرفع كلفة استمرار واشنطن في الإقليم. ويحافظ الردع في سوريا على تماسك العمق الاستراتيجي لمحور المقاومة. وتحييد الورقة الكردية يَحُول دون فتح جبهة داخلية يمكن استغلالها ضد إيران.

إقرأ على موقع 180  قيس سعيد وراشد الغنوشي: دهاء متبادل

من هنا، ليس من المجازفة القول إنّ المواجهة الحالية المحسوبة تخدم إيران وحلفائها، لأن عدم الاستقرار يُطوِّع القرار السياسي في أغلب دول المنطقة ذات البنية الاقتصادية والمجتمعيّة الهشة. كما تسمح المواجهة المحسوبة المتواصلة، بالتخطيط برويّة لكيفية مواجهة (الأرجح أمنياً وعسكرياً) تحدّيات مستقبلية سببها التمدد الإسرائيلي في القرن الإفريقي، وفي أذربيجان التي تعتبر مدخلاً للنفوذ الأطلسي في جنوب القوقاز وآسيا الوسطى.

وختاماً، لن يتحدد مستقبل المواجهة فقط بنتائج الاشتباك العسكري المباشر بين إيران والولايات المتحدة، بل بمدى صمود الأطراف المستهدفة في إطار توسيع دائرة النار (الخليج والأردن وسوريا وإسرائيل)، ومدى نجاح كل طرف في إعادة تشكيل شبكة التحالفات والتوازنات الإقليمية التي ستحدد شكل غرب آسيا في السنوات المقبلة.

Print Friendly, PDF & Email
حامد بن إبراهيم

كاتب تونسي مُقيم في ألمانيا، استشاري في العلاقات الدولية

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  صدع الراعي والحليف: ترامب ونتنياهو فوق جبل المال والسلاح