عون وجنبلاط.. للبحث صلة
سياسة عون عند جنبلاط ( عباس سلمان )

عندما وقعت حادثة قبرشمون في تموز/يوليو 2019، بين مرافقي الوزير الإرسلاني صالح الغريب وبين مناصري الحزب التقدمي الإشتراكي، وسقط خلالها عدد من الضحايا، ثبت مرة جديدة أن السلم الأهلي في جبل لبنان الجنوبي هشٌ للغاية، وأن أية حادثة، أكانت صغيرة أم كبيرة، يمكن أن تترك تداعيات على العلاقات الدرزية ـ الدرزية، كما على العلاقات المسيحية ـ الدرزية.

برغم إنفعال رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، الذي كان متيقناً أن رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل هو الذي كان مستهدفاً في حادثة قبرشمون، وليس الوزير صالح الغريب، فإن المساعي التي بذلتها شخصيات سياسية وأمنية توجت بلقاء مصالحة بين رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط ورئيس الحزب الديموقراطي اللبناني طلال ارسلان في بعبدا في التاسع من آب/أغسطس 2019، بحضور الرؤساء الثلاثة ميشال عون ونبيه بري وسعد الحريري.

لاحقاً، إختار جنبلاط إعطاء دفعة ثانية أكبر للعلاقة. زارت داليا وليد جنبلاط قصر بيت الدين على رأس وفد سياسي ـ روحي ـ حزبي كبير، في السابع عشر من آب/أغسطس 2019، في أول مهمة سياسية يكلّفها بها والدها الذي كان مسافراً في إجازة خاصة في إحدى دول أوروبا مع زوجته السيد نورا جنبلاط. رحبت داليا برئيس الجمهورية في بيته وبين أهله، وأعطت إشارة جنبلاطية مفادها إستعداد المختارة لفتح صفحة جديدة مع رئاسة الجمهورية.

ما أن عاد جنبلاط من الخارج، حتى طلب موعداً من دوائر بيت الدين، ولم يتأخر الجواب. حددت له المراسم موعداً في 24 اب/أغسطس 2019. يومذاك، قرر “الجنرال” أن يخالف البروتوكول بإستقبال جنبلاط عند مدخل المقر الصيفي لرئاسة الجمهورية في بيت الدين، وأضفى طابعاً عائلياً على اللقاء بأن جعله مناسبة للحديث في السياسة وأن يكون هناك “خبز وملح”، على مأدبة طغى عليها “القاطع” (الصحون النباتية)، وشارك فيها جبران باسيل وزوجته ونورا جنبلاط وتيمور جنبلاط.

بعد أيام عديدة، طلب تيمور جنبلاط بصفته رئيس الكتلة النيابية الإشتراكية موعداً من جبران باسيل، فقرر الأخير أن يضفي أيضاً طابعاً عائلياً، فإستقبل ضيفه بحضور سيزار أبو خليل في دارته في اللقلوق، وأشاع الجانبان بعدها أن “الكيمياء الشبابية” فعلت فعلها بين الإثنين، خصوصا وأنهما تجاوزا مشكلة اللغة، بإعتمادهما على لغتهما الفرنسية الممتازة.

طارت حكومة سعد الحريري في نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2019، ولم يدم شهر العسل الجنبلاطي العوني طويلاً.

في الاشهر الاخيرة، ارتفع منسوب التوتر السياسي مجدداً، وانعكس على مستوى القواعد الجنبلاطية والعونية، خصوصا في منطقة الشوف، وإمتد إلى مواقع التواصل الإجتماعي، فيما كان الفضاء الإلكتروني يشهد حملات تخوين متبادلة، لعل أحد تعبيراتها صفحة “إذاعة الشوف الإلكترونية”، حيث إتهم الجنبلاطيون الوزير البرتقالي السابق غسان عطالله بالوقوف وراءها، وزاد الطين بلة أن بعض القيادات الحزبية الجنبلاطية، بادرت إلى إنشاء صفحات مماثلة، وهذا الواقع إستدعى تدخل مطارنة الجبل، وتحديدا المطرانين إيلي حداد ومارون العمار اللذين أطلعا بكركي وبطريركية الروم الكاثوليك على مناخات الجبل وإجتمعا بجنبلاط لهذه الغاية، ثم عرضا لرئيس الجمهورية خطورة الموقف في الشوف.

وعلم أن “سعاة خير” من أكثر من إتجاه دخلوا على الخط أيضاً وأبرزهم النائب الماروني عن قضاء الشوف فريد البستاني والوزير السابق ناجي البستاني والعميد المتقاعد نيلسون نجيم وتحرك هؤلاء الثلاثة بين بعبدا وكليمنصو وصولا الى المختارة، واثمرت حركتهم عقد اللقاء في بعبدا بين عون وجنبلاط، وهو الاول بين الرجلين منذ لقاء بيت الدين في صيف العام 2019، علما أن نائبة رئيس الحكومة وزيرة الدفاع زينة عكر عدرا كانت قد تنقلت بين بعبدا وكليمنصو، وبالتنسيق مع رئاستي مجلس النواب والحكومة، لترميم العلاقة بين الزعيم الدرزي والعهد، كما أن مرجعاً أمنياً ساهم بدوره في نقل مناخات إيجابية متبادلة بين الطرفين ساعدت في تبريد الأجواء وعقد اللقاء.

وحسب أجواء القصر الجمهوري، فإن جنبلاط نأى بنفسه، خلال اللقاء مع عون، عن اية احلاف ثنائية او ثلاثية او غيرها، واكد انه ينطلق من هواجس لا تغادره وفي طليعتها ضرورة تحصين العيش المشترك في الجبل، وأكد أنه لا مصلحة لأحد باسقاط حكومة حسان دياب “لان لا الظرف مؤات للتغيير، خصوصا في ظل فيروس كورونا، كما أنه ليس من السهل تشكيل حكومة جديدة في الوقت الراهن”، لينتقل بعد ذلك الى النقطة المحورية وهي اهمية تنظيم الخلاف في الجبل.

كل هذه العناوين الاساسية داخليا كانت مدخلا لطرح قضية التعيينات في المواقع الدرزية الشاغرة، على قاعدة ان لنا خصوصيتنا وحجمنا “على قدنا”، وقال إنه لديه اقتراحات ممتازة لأسماء تليق بالمواقع الثلاثة الشاغرة (نائب حاكم مصرف لبنان وقائد الشرطة القضائية وعضو هيئة الاسواق المالية)، “وعندما يحين التعيين، إذا طلبتم رأيي، فأنا جاهز لتقديم اقتراحات”.

ووفق مصدر معني بترتيب اللقاء، تم تناول مواضيع عدة ابرزها:

1-التأكيد رئاسياً وجنبلاطياً على اهمية الاستقرار في الجبل ووحدة الجبل، وازالة اي امر ممكن ان يزعج هذه الوحدة.

2-صارح رئيس الجمهورية ضيفه وليد جنبلاط بأهمية الظرف ودقة المرحلة، وان هدف اللقاء الوطني الاربعاء توفير اكبر تضامن للانقاذ من الازمة الخطيرة، ومعالجة هذه الازمة يجب ان تتم بمعزل من اي خلافات سياسية.

إقرأ على موقع 180  لبنان: ستاتيكو سياسي.. هل يكسره الأمن أم الدولار؟

3-جنبلاط ثمن الدعوة الى اللقاء معتذرا عن المشاركة لاسباب صحية، ولان الدعوة شخصية سيغيب ولن يوفد احدا وسيرسل ملاحظات خطية على الخطة الى رئيس الجمهورية.

4- عون ابلغه ان الدعوات شخصية وبالتالي من لا يستطيع الحضور لا يمكنه ايفاد ممثل عنه، وهو اراد اللقاء على هذا المستوى حتى تكون النقاشات والمقاربات جدية ومسؤولة وبعيدا من تسجيل النقاط.

5-اثار جنبلاط المسار القضائي لحادثة قبرشمون – البساتين، مركزا على ضرورة متابعة التحقيق للوصول الى كشف كل الملابسات واتمام المعالجة وفق الاطر القانونية.

6- الأجواء إيجابية، “ويمكن البناء على اللقاء”، حسب المصادر نفسها.

ماذا تقول أوساط جنبلاط؟

“الأولوية هي لتنظيم العلاقة بين الحزب التقدمي الإشتراكي والتيار الوطني الحر، وخاصة في منطقة الجبل، فإذا كان متعذرا الإتفاق، علينا تنظيم الخلاف بطريقة حضارية”، وتضيف أنه سيتم تشكيل لجنة من الحزب الإشتراكي والتيار الحر، ستأخذ على عاتقها تنظيم العلاقة بين الجانبين وصولا إلى عقد لقاءات على مستوى الكوادر في الجبل.

ونفت الأوساط أن يكون جنبلاط في وارد التحريض أو شن حملة ضد الحكومة، كما حاول البعض الإيحاء في وسائل الإعلام بالحديث عن حلف ثلاثي حريري ـ جنبلاطي ـ قواتي، وقالت إن جنبلاط ليس في وارد الدخول في أية أحلاف، وأشارت إلى ان جنبلاط عبر علانية عن موقفه الرافض لتغيير الحكومة، وهو قال “شهدنا في الماضي كيف انه عند تغيير الحكومات، يمر وقت ضائع هائل لتشكيل حكومة جديدة. اليوم في هذا الجو الهائل من المصائب الاجتماعية والاقتصادية، ومع الكورونا، لا اعتقد ان الوضع مناسب لتغيير الحكومة”.

وحول موضوع التعيينات، قالت الأوساط الجنبلاطية إنه ليس صحيحاً أن  جنبلاط طلب شيئاً في موضوع التعيينات.

يذكر أن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، وفي الفقرة الأخيرة، من كلمته اليوم، كان يلمح إلى موضوع الخلاف بين الحزب الإشتراكي والتيار الحر، نافياً أي دور للحزب بتأجيج هذا الخلاف، بل بالعكس أكد أن للحزب مصلحة في التقريب بين جميع القوى وتحصين الإستقرار.

Print Friendly, PDF & Email
داود رمال

صحافي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  مناوشات دولية يضبطها "العمالقة".. تحالف "أوكوس" نموذجاً