المسجد الأقصى.. “الطقوس” تقتحمه قبل الجرافات!

لم يعد استهداف المسجد الأقصى في مدينة القدس المحتلة يبدأ بالجرافات أو بقرارات الهدم، بل بات يسبقه مسار أكثر هدوءًا وأشد خطورة، قوامه فرض طقوس دينية داخل باحاته، واختبار حدود ردود الفعل، ثم تحويل هذه الممارسات إلى أمر واقع. فالمعركة اليوم لم تعد تقتصر على السيطرة على الأرض، بل أصبحت معركة على الهوية والرواية والرمزية، تُدار بخطوات محسوبة تمهد لما قد يأتي لاحقًا.

لا يُمكن النظر إلى الاقتحامات الأخيرة للمسجد الأقصى، وما رافقها من أداء طقوس دينية داخل باحاته، بوصفها أحداثًا عابرة أو موسمية، بل حلقة جديدة في مشروع متدرج يستهدف إعادة تشكيل الواقع داخل المسجد، مستفيدًا من ضعف الردع الدولي، ومن حالة التراجع العربي والإسلامي في مواجهة سياسات فرض الأمر الواقع.
لطالما اعتمدت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سياسة “الخطوة خطوة” في القدس المحتلة. تبدأ بإجراء محدود، ثم تراقب حجم الاعتراض عليه، فإذا مرّ دون ثمن سياسي أو قانوني، انتقلت إلى خطوة أكبر، حتى تتحول الإجراءات الاستثنائية إلى وقائع دائمة وثابتة. واليوم، يبدو أن هذه السياسة دخلت مرحلة جديدة داخل المسجد الأقصى، حيث لم تعد الاقتحامات وحدها هي القضية، بل أصبحت الطقوس الدينية التي تُمارس في باحاته تمثل أخطر أدوات التهويد الهادئ.
فالاحتلال يدرك أن تغيير هوية أي مكان لا يتم بقرار مفاجئ، وإنما عبر تراكم خطوات صغيرة ومتتابعة، تتكرر حتى تصبح مألوفة، ثم يجري التعامل معها وكأنها حق مكتسب. وهنا تكمن خطورة ما يجري، فالقضية ليست في طقس ديني عابر، بل في تحويل هذا الطقس إلى سابقة، ثم إلى عرف، وصولًا إلى فرض واقع جديد يصعب تغييره.
كما أن مشاركة شخصيات سياسية وأمنية إسرائيلية في الاقتحامات الأخيرة تؤكد أن ما يجري لم يعد مجرد نشاط لجماعات متطرفة، بل أصبح يحظى بغطاء سياسي ورسمي، في مؤشر واضح على أن المشروع يتجاوز المبادرات الفردية إلى سياسة تسير بخطوات محسوبة نحو تكريس تغيير تدريجي في هوية المسجد الأقصى.
وفي المقابل، تبدو المواقف العربية والإسلامية أقل بكثير من مستوى التحدي. فبيانات الإدانة، مهما تكررت، لم تعد تشكل عنصر ردع، لأن الاحتلال اعتاد عليها، وأصبح يدرك أنها لا تترافق مع خطوات سياسية أو قانونية أو دبلوماسية قادرة على وقف هذا المسار أو رفع كلفته.
أما المجتمع الدولي، الذي يتحدث باستمرار عن احترام القانون الدولي وحماية الأماكن المقدسة، فإنه يقف مرة أخرى أمام اختبار حقيقي لمصداقية هذه المبادئ. فالسكوت على الانتهاكات المتكررة، أو الاكتفاء بالتعبير عن القلق، يمنح الاحتلال مساحة أوسع للمضي في مشروعه، ويكرس سياسة الإفلات من المساءلة.
ولا ينبغي النظر إلى المسجد الأقصى بوصفه قضية فلسطينية فحسب، بل هو قضية تمس الأمة الإسلامية بأسرها، وتمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع الدولي على حماية الإرث الديني والإنساني من محاولات فرض الأمر الواقع بالقوة.
إن المعركة الدائرة اليوم ليست معركة حول اقتحام عابر أو طقس ديني مؤقت، وإنما هي معركة على هوية المكان ومستقبله. فالاحتلال يعمل وفق رؤية بعيدة المدى، تقوم على تغيير الوقائع تدريجيًا، بينما يكتفي خصومه في كثير من الأحيان بردود أفعال مؤقتة تنتهي بانتهاء الحدث الإعلامي.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس فقط إدانة ما يجري، بل بناء استراتيجية سياسية وإعلامية وقانونية متكاملة، تعيد قضية الأقصى إلى صدارة الاهتمام، وتكشف للرأي العام العالمي حقيقة المشروع الذي يستهدف تغيير معالمه التاريخية والدينية، قبل أن تتحول الطقوس إلى مقدمة لوقائع أكثر خطورة.
لقد أثبتت التجارب أن الجرافات لا تكون عادة بداية المشروع، بل نهايته. أما البداية الحقيقية فتكون بخطوات تبدو صغيرة، وطقوس يُراد لها أن تصبح اعتيادية، وصمت يمنحها الوقت لتترسخ. ولهذا فإن معركة الدفاع عن الأقصى تبدأ اليوم، قبل أن تصل الجرافات، وقبل أن يصبح الاعتراض على ما هو قائم أصعب من منع قيامه

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  قدم أوكرانية في "الأطلسي".. تُعيد روسيا إلى هافانا وبيونغ يانغ!
خضر رسلان

إعلامي، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  الحرب الإسرائيلية "عن بعد".. احتلالاً وقتلاً وتدميراً وتهجيراً