ففي المجتمعات التي سبقت وسائل التوثيق الحديثة، لم تكن الأغنية الشعبية مجرد لون من ألوان الفن، بل كانت سجلاً مفتوحاً للحياة اليومية؛ تحفظ اللهجة المحلية، وتروي قصص الحب والفراق، وتوثق مواسم الحصاد والعمل، وترافق الأفراح والأتراح، حتى غدت جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية لسكان الفرات.
ومن هنا، لا يمكن فهم تجربة إبراهيم الأخرس بمعزل عن البيئة التي أنجبته. فالرقة لم تكن مجرد مدينة على ضفاف الفرات، بل فضاءً ثقافياً تشكلت فيه هوية موسيقية خاصة، استمدت عناصرها من النهر والبادية معاً. فمن الحقول الممتدة على ضفاف الفرات، ومن حياة الفلاحين والرعاة، ومن المجالس الريفية التي كانت الربابة تتصدرها، نشأت الأغنية الفراتية بوصفها تعبيراً عن علاقة الإنسان بأرضه، وعن قيم الكرم والشجاعة والصبر والانتماء.
ولعل ما يميز هذا التراث أنه لم يكن فناً للترفيه وحده، بل لغة اجتماعية متكاملة. فالربابة لم تكن مجرد آلة موسيقية، وإنما رفيقة الراوي والشاعر، وأداة لحفظ الحكايات والسير الشعبية، فيما تحولت الأغنية إلى وعاء يحمل ذاكرة الجماعة وينقلها من جيل إلى آخر، قبل أن تتولى الكتب ومؤسسات التوثيق هذه المهمة.
وتتميز الرقة بموروث غنائي غني يضم ألواناً متعددة، من بينها المواليا، والعتابا، والنايل، والهيكالة، والزعلان، والقوصار، والأسمر، والولدة، وهي ألوان ارتبط كل منها بمناسبة اجتماعية أو حالة وجدانية معينة، واكتسب إيقاعه الخاص وطريقته المميزة في الأداء. وبرغم تقاطع بعضها مع أنماط غنائية معروفة في بلاد الشام، فإن الأغنية الفراتية احتفظت بخصوصيتها، بفضل امتداد الصوت الذي فرضته طبيعة المكان المفتوح، وبساطة الأداء، وعمق ارتباطه باللهجة المحلية والإيقاع الزراعي والرعوي.
ومع تطور الحياة الثقافية في سوريا خلال النصف الثاني من القرن العشرين، برزت محاولات جادة لنقل هذا التراث من ساحات القرى والمضافات إلى المسارح، فشكّل تأسيس “فرقة الرقة للفنون الشعبية” محطة مفصلية في التعريف بالهوية الفراتية داخل سوريا وخارجها. ولم يكن الهدف إعادة تقديم الأغنية الشعبية بصيغة حديثة فحسب، بل الحفاظ على أصالتها، وإخراجها من إطارها المحلي إلى فضاء ثقافي أوسع، دون أن تفقد روحها الأولى.
وفي قلب هذه التجربة برز اسم إبراهيم الأخرس، الذي لم يكتسب مكانته لأنه امتلك صوتاً جميلاً فقط، بل لأنه كان واحداً من أبناء البيئة التي أنجبت هذا الفن. فقد نشأ في الريف الفراتي، وتشرب مفرداته وألحانه ولهجته، ثم حملها معه إلى خشبات المسارح والإذاعات والتلفزيون، من دون أن يفقدها عفويتها أو بساطتها.
ولم يكن الأخرس يعيد أداء الأغنية كما وصلت إليه فحسب، بل حرص على الاحتفاظ بلهجتها الأصلية، وبطرائق إنشادها التقليدية، وبالزخارف الصوتية التي ميزت الغناء الفراتي لعقود طويلة. ولهذا اكتسبت أعماله قيمة تتجاوز الأداء الفني، لتغدو وثيقة صوتية تحفظ جانباً من الذاكرة الثقافية للمنطقة، ومرجعاً لكل من أراد التعرف إلى هذا اللون الغنائي الأصيل.
ولذلك لم يكن حضوره امتداداً لمغنٍّ شعبي ناجح، بقدر ما كان امتداداً لجيل كامل حمل التراث الشفهي على عاتقه، وأدرك أن حماية الأغنية الشعبية ليست دفاعاً عن الماضي، بل حفاظاً على هوية مجتمع بأكمله.
ولم يقتصر دور إبراهيم الأخرس على أداء الأغنية الشعبية أو تقديمها على المسارح، بل أسهم، مع عدد من فناني جيله، في إنقاذ جانب مهم من التراث الشفهي من الضياع. ففي زمن لم تكن فيه وسائل التوثيق متاحة كما هي اليوم، تحولت التسجيلات الإذاعية والتلفزيونية والعروض الفنية إلى أرشيف حي حفظ كثيراً من المواويل والأهازيج والألحان التي كانت تنتقل شفهياً من جيل إلى آخر.
وهذه الوظيفة تتجاوز القيمة الفنية للعمل الغنائي؛ فالأغنية الشعبية ليست نصاً موسيقياً فحسب، بل وثيقة اجتماعية وثقافية تحمل في مفرداتها صورة المجتمع الذي أنجبها. فمن خلالها يمكن قراءة اللهجة المحلية، وأنماط العيش، والعلاقات الاجتماعية، وقيم التعاون والكرم، وحتى صورة الإنسان الفراتي في علاقته بالأرض والنهر والبادية.
ولهذا اكتسبت تجربة إبراهيم الأخرس خصوصيتها؛ إذ لم يكن يؤدي الأغنية بوصفها مادة فنية قابلة للتطوير والتحديث فقط، بل بوصفها جزءاً من ذاكرة جمعية ينبغي الحفاظ على روحها. وكان يدرك أن أي تغيير يفقدها لهجتها أو إيقاعها أو سياقها الاجتماعي، يفقدها أيضاً جزءاً من معناها، لذلك بقي وفياً للأداء الفراتي التقليدي، حتى وهو يقدمه على المسارح وأمام جمهور لا ينتمي بالضرورة إلى البيئة التي خرج منها.
وبفضل هذا الالتزام، استطاعت الأغنية الفراتية أن تتجاوز حدود الرقة والجزيرة السورية، لتصل إلى جمهور عربي أوسع، محتفظة بخصوصيتها المحلية. وهي معادلة ليست سهلة؛ فالفنون الشعبية كثيراً ما تفقد هويتها عندما تنتقل من فضائها الطبيعي إلى خشبة المسرح، غير أن تجربة فرقة الرقة للفنون الشعبية، ومعها أصوات مثل إبراهيم الأخرس، أثبتت أن الأصالة والانفتاح لا يتناقضان، بل يمكن أن يتكاملا إذا جرى التعامل مع التراث بوصفه مادة حية لا قطعة متحفية جامدة.
غير أن هذا الموروث الثقافي وجد نفسه خلال السنوات الأخيرة أمام تحديات غير مسبوقة. فقد تركت الحرب السورية آثاراً عميقة على الحياة الثقافية في منطقة الفرات، وأدت إلى تراجع نشاط المؤسسات الفنية، وتعثر عمل الفرق الشعبية، وتشتت عدد كبير من الفنانين والباحثين في التراث بين النزوح والهجرة. ولم يقتصر تأثير هذه التحولات على الأشخاص، بل طال البيئة الاجتماعية التي كانت تنتج هذا الفن وتحافظ على استمراريته.
وفي الوقت نفسه، فرضت التحولات الثقافية والإعلامية أنماطاً موسيقية جديدة، تراجعت أمامها مساحة الفنون الشعبية في الحياة اليومية. ولم تعد المجالس الريفية، التي كانت تشكل المدرسة الأولى لتعلم الربابة وحفظ المواويل والعتابا، تؤدي الدور نفسه الذي أدته لعقود طويلة، كما أصبح عدد المتقنين للعزف على الربابة أو الحافظين للنصوص الشفوية أقل بكثير مما كان عليه في السابق.
وربما تكمن خطورة هذا التحول في أن ضياع التراث الشعبي لا يحدث دفعة واحدة، بل يبدأ بصمت. فحين تغيب البيئة التي تنتجه، ويتراجع حضور رواته، ويتوقف انتقاله شفهياً بين الأجيال، يصبح مهدداً بالتآكل تدريجياً، حتى لو بقيت بعض تسجيلاته محفوظة في الأرشيف. فالتراث الشعبي لا يعيش بالتوثيق وحده، وإنما باستمرار ممارسته داخل المجتمع الذي أنجبه.
من هنا، لا يبدو رحيل إبراهيم الأخرس مناسبة للرثاء بقدر ما يشكل دعوة إلى إعادة التفكير في كيفية حماية هذا الإرث الثقافي. فالحفاظ على الأغنية الفراتية لا يقتصر على جمع تسجيلاتها أو كتابة كلماتها، بل يتطلب إعادة إحياء البيئة الثقافية التي أنتجتها، وتشجيع الأجيال الجديدة على تعلمها، ودعم المبادرات التي تعيد الاعتبار للفنون الشعبية بوصفها جزءاً من الهوية الوطنية، لا مجرد لون فلكلوري للاحتفال بالمناسبات.
وحين يصمت صوت الربابة، لا يختفي لحن واحد فحسب، بل يغيب جزء من الذاكرة التي صنعت هوية المكان. ولهذا لا يبدو الحفاظ على التراث الشعبي ترفاً ثقافياً، بل دفاعاً عن ذاكرة الفرات نفسها؛ تلك الذاكرة التي ما زالت تعيش في الأغنيات، وفي اللهجة، وفي الحكايات التي تناقلها الناس جيلاً بعد جيل. وبرحيل إبراهيم الأخرس، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: من سيحمل هذا الصوت إلى الأجيال القادمة؟
نوال الحوار
شاعرة وإعلامية سورية
