في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى التحول الذي شهدته السياسة الهندية. فالهند تراجعت عن «عقيدة» عدم الانحياز، وهي العقيدة السياسية الدولية التي خفت بريقها على الصعيد الدولي، ولو بقيت قائمة رسمياً، كما هي حال بقية أعضاء حركة عدم الانحياز، وبدرجات مختلفة. ويعود ذلك، بالطبع، إلى المتغيرات التي أحدثت تغييرات أساسية في النظام الدولي القديم، فيما نحن على أعتاب تبلور نظام جديد.
انتقلت الهند عملياً نحو عقيدة «الانحياز المتعدد»، ما يعني أن التحالف أو التفاهم مع دولة أو أخرى يتحدد تبعاً لطبيعة المسألة المطروحة.
لكن ما حصل مع الهند هو انحياز كبير نحو علاقات تعاون شاملة وقوية مع إسرائيل، على حساب علاقاتها التقليدية مع العالم العربي. ويظهر ذلك في تطور العلاقات الاستراتيجية والعسكرية والسياسية والاقتصادية بين الطرفين. وقد ألقى هذا الأمر بظلاله على دور الهند في الشرق الأوسط، وأسهم، بشكل أو بآخر، في إعطاء قوة دفع للدور الباكستاني في المنطقة.
أول هذه المتغيرات تتعلق بإقامة اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك مع السعودية في 17 أيلول/سبتمبر 2025. وهي اتفاقية تشمل ما يُعرف بخطة المشاركة النووية، التي تقوم على تفعيل الردع النووي، إذا اقتضت الحاجة، لدعم الشريك في الاتفاقية.
والجدير بالذكر أن هذه الاستراتيجية، في الدعم أو الردع النووي عند الضرورة، نشأت في إطار منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) لدعم الدول الأعضاء التي لا تمتلك سلاحاً نووياً.
وتعكس هذه الاتفاقية العلاقات التاريخية التي تربط البلدين، كما تمنحها بعداً استراتيجياً بالغ الأهمية، بالنظر إلى طبيعة هذا التحالف الجديد ومضمونه على الصعيدين الإقليمي والدولي.
ثاني هذه المتغيرات يتعلق بولادة إطار التعاون الرباعي الذي ضم كلاً من باكستان والسعودية ومصر وتركيا في نهاية آذار/مارس الماضي، غداة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وكرد فعل أساسي على هذه الحرب ومخاطرها على الأمن الإقليمي.
إنه إطار للتعاون والتشاور والتنسيق، كان محفزه الأساسي الحرب التي اندلعت، والتي قد تأخذ المنطقة نحو المجهول إذا لم يُعمل على احتوائها ووقفها، وبلورة حل سياسي لها.
أما ثالث هذه المتغيرات، فيتعلق بدور الوسيط الرئيسي والرسمي الذي بدأت باكستان تضطلع به، منذ اليوم الأول، بين واشنطن وطهران. ولا ينفي ذلك وجود أدوار عربية وغيرها، مساعدة، لاحتواء الحرب ووقفها والذهاب نحو حل سياسي.
ليس ذلك بالأمر السهل، كما تدل التطورات، لكنه ليس مستحيلاً. بل هو الطريق الواقعي والعملي الوحيد لوقف الحرب وتداعياتها الخطيرة على الإقليم، برغم العوائق الكثيرة التي تعترضه.
رابع هذه المتغيرات يتمثل في «ولادة» اتفاقية مكة للدفاع المشترك في مطلع آب/أغسطس، والتي تضم كلاً من السعودية وباكستان وتركيا. وكما يدل اسمها، فهي تهدف إلى تعزيز عوامل الردع والدفاع بين القوى الثلاث، في ما يتعلق بالأمن الوطني والأمن الإقليمي.
نحن، إذاً، أمام أربعة تطورات استراتيجية لها انعكاساتها على الصعيدين الإقليمي والدولي، في شرق أوسط يعيش متغيرات كبيرة ومفتوحاً على سيناريوهات عديدة، في سياق ولادة إقليم جديد تسهم باكستان في تشكيله بصورة أساسية، إلى جانب قوى أخرى بالطبع.
إنه شرق أوسط لم تتضح بعد ملامحه، ولا طبيعة القواعد الناظمة للعلاقات بين أعضائه، ولا موقع القوى الإقليمية والخارجية الكبرى ودورها في بلورته وتحديد مساره المستقبلي.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
