الأخبار الملفقة والإعلام في أوقات الأزمات

يكثر تداول وترويج الاخبار الكاذبة او الملفقة التي اصبح متعارفا عليها بـ (fake news) في فترات الازمات الاقتصادية والسياسية والامنية. 

ليس تعميم الاخبار الكاذبة للتأثير على الرأي العام بالشيء الجديد. أحد الاساليب التي إعتمدها جوزيف غوبلز وزير الدعاية السياسية في عهد النازية هي الكذب وتحوير الحقائق. غوبلز الذي إشتهرت مقولته اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس، اسس لتقنية تحوير الحقائق لتصب في مصلحة ناشرها. اصبح الكذب عماد واحدة من تقنيات البروباغاندا النازية السبع المتعارف عليها، وهي تقنيات إصطُلح على تسميتها “تجميع وتكديس الاوراق” ــ “card stacking”، اي ترتيب وتجميع المعلومات وانتقائها بما يتناسب والرسالة التي يريد صاحب الدعاية ايصالها، سياسية كانت ام اقتصادية، حتى لو كان التكديس والتجميع ينتهي بانتاج وتعميم اخبار كاذبة.

نشر الاخبار الكاذبة او ما اصطلح على تسميته بالشائعات، كانت له وسائله ووسائطه في ما مضى، لكن مع التقدم التكنولوجي والرقمي ودخول وسائل التواصل الاجتماعي، كمنصات مفتوحة لمشاركة المعلومات، اصبح انتشار المعلومة الملفقة والكاذبة سهلا وسريعا وصار متعارفاً على تسميته في السنوات الاخيرة بالـ fake news.

من اوائل مستخدمي تعبير fake news هو رئيس الولايات المتحدة الاميركية دونالد ترامب في حملته الانتخابية في العام 2016. الهدف كان ضرب مصداقية خصومه ومنافسيه، وأيضاً مصداقية وسائل اعلامية عريقة انتقدت اداءه ومواقفه. هجومية ترامب دفعت بالعديد من الصحافيين والاكاديميين في اوروبا واميركا إلى رفض استخدام التعبير واستبداله بالاخبار الكاذبة او المضللة. هؤلاء مقتنعون ان الاخبار اما ان تكون صادقة مبنية على وقائع مثبتة او ان تكون اخبارا كاذبة وملفقة.

اخطر ما في الاخبار الكاذبة والملفقة انها تنتج خطاب الكراهية، الذي قد يؤدي الى تجييش وتحريض افراد او مجموعات ضد افراد او مجموعات اخرى. تحريف الحقائق يؤدي الى تثبيت اكاذيب تبنى عليها مواقف ومن ثم ردود افعال قد تكون اقصائية وعنصرية في كثير من الاحيان.

مثلاً، يجري نقاش واسع في بريطانيا حول حجم التأثير الذي خلّفته شعارات واعلانات كاذبة عممت وتحدثت مثلا عن انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي والخطر الذي يمثله ذلك على بريطانيا، ما اثار حفيظة الناخبين المترددين، وجعلهم يصوتون بـ (نعم) للخروج من الاتحاد الاوروبي.

ما يعزز خطاب الكراهية في مجتمعات تعاني من إنقسامات ونزاعات سياسية وعرقية ومذهبية هو الاخبار الكاذبة. ان هدف نشر الاخبار المفبركة هو الطعن والتشكيك بالطرف الاخر ونواياه السياسية والاقتصادية، او تعزيز الخوف منه، ما يحتم على الافراد الإلتصاق أكثر فأكثر بمجموعاتهم المذهبية او العرقية او السياسية. ولقد اصبح من المتعارف عليه ان هذا النوع من الاخبار الملفقة والكاذبة يعزز ايضا الشعبوية السياسية التي شاعت في الآونة الأخيرة في العديد من دول العالم، ومنها عالمنا العربي، وكان احد روادها الرئيس الاميركي دونالد ترامب.

نحن بحاجة، عربيًا، الى تعميم صفوف التربية الاعلامية والرقمية في المدارس والجامعات وأيضاً بحاجة الى حملات توعية عامة وورش عمل

الاهم ان التطور التكنولوجي للمعدات المنتجة وللوسيلة الناقلة للشائعة جعلها كلها سهلة التركيب والنشر. الشائعة الاكثر انتشارا هي الشائعة الاكثر شعبوية التي تدعي محاكاة الناس من كل المستويات الفكرية، والتي تدعي مخاطبة المجموعات بلغتهم، والمقصود باللغة هنا مخاطبة خوفهم ومكامن ضعفهم وتعزيزها. من الامثلة على هذا النوع من الشائعات في عالمنا العربي: مصر في السنوات التي تلت ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، انتفاضة العراق الاخيرة وإنتفاضة لبنان 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019.

اذا أردنا التوقف عند لبنان، نرى ان التركيز الاساسي في صياغة الشائعات التي عممت عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومن ضمنها الواتس آب، تمحور حول الآتي:

أولا: التهديد بعودة الحرب الاهلية أو إندلاع الفتن المذهبية، وقد شكل ذلك عنوانا اساسيا في بلورة الشائعات التي انتشرت، ومنها اعلان حظر التجول، قطع الطرق على الهوية، تعميم حادثة او اثنتين على المشهد العام، تعميم فيديوهات تفجير وقتل أو توقيفات تبين أن معظمها من بلدان أخرى.

ثانيا: التخوين، الإتهام بالعمالة لاسرائيل مباشرة او بالواسطة (عبر الاتهام بتلقي الدعم من السفارة الاميركية مثلا).

ثالثا: تصدير الحرب الاهلية من سوريا الى لبنان.

رابعا: التشكيك بصدقية انتماء المواطن لوطنه وليس لمذهبه او طائفته.

خامسا: وهي نقطة مرتبطة بالنقطة التي سبقت (رابعا)، وتتمثل في ضرب ثقة المتظاهرين بعضهم ببعض عبر التشكيك بأهداف مجموعة دون الاخرى.

سادسا: اعتماد بث الاخبار الملفقة عن “فضائح اخلاقية” بالمفهوم المجتمعي الخاص يمارسه المتظاهرون.

كل هذه التوجهات ليست بالجديدة في ادب البروباغندة واكثرها ممارسة وقسوة التخوين الوطني والاخلاقي وخلق حالة من الرعب والخوف من الاخر ايا كان هذا الاخر.

 كيف يتم التمييز بين الـ fake news او الاصح disinformation وبين الاخبار الصحيحة المبنية على وقائع ثابتة؟

هذه القضية مطروحة اليوم على جدول المناهج التدريسية في العديد من المدارس الاوروبية، فيما تتوجه بريطانيا نحو تعميم صفوف التربية الاعلامية والرقمية ومنها معرفة اساليب التمييز بين الفيديو والبوست والتويت الصحيح او الملفق والكاذب وهو ما يعرف بـ Digital Media Literacy.

ليس خافياً أن اوروبا عانت من تأثير البروباغندا النازية، ودفعت ثمنا لذلك، حروبا عالمية خلفت الملايين من الضحايا، لذلك يسعى العديد من دولها لايجاد طرق تحد من انتشار الشائعة عبر المنصات الرقمية وتحديدا في ظل عدم القدرة حتى الان على تحديد منظومات ظابطة لمنصات التواصل الاجتماعي تحت غطاء حرية الرأي والتعبير.

نحن احوج ما نكون في عالمنا العربي ليس الى ضوابط حكومية للمنصات الالكترونية، ومنها منصات التواصل الاجتماعي، لان التجارب دلت في العديد من الحالات على ان هذه الضوابط القانونية اصبحت اداة في ايدي الحكام لقمع الرأي الاخر، وانما نحن بحاجة، عربيًا، الى تعميم صفوف التربية الاعلامية والرقمية في المدارس والجامعات وأيضاً بحاجة الى حملات توعية عامة وورش عمل تؤمن للمواطن اشكالا معرفية تمكنه من تفريق الخبر والفيديو والصورة  الحقيقية عن تلك الملفقة والكاذبة، حماية لحقه في الوصول الى المعلومة الصحيحة، وهو حق تكرسه الاعراف ومبادىء حقوق الانسان العالمية.

(*) أستاذة في جامعة سيتي في لندن

زاهرة حرب

أستاذة في جامعة سيتي، بريطانيا

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free