في العام 2022 أصدر البريطاني جيفري روبرتس المتخصّص بالدراسات الروسية والسوفياتية كتابًا بعنوان “مكتبة ستالين: الطاغية وكتبه“، لكن مكتبة ستالين لم تبقَ على حالها، فقد عبثت بها يد الزمن، خصوصًا وقد انهالت على صاحبها الاتهامات بارتكاب جرائم من أعلى قمة في الحزب والسلطة في الاتحاد السوفيتي، وذلك في التقرير الذي قدمه نيكيتا خروتشوف الأمين العام للحزب الشيوعي في المؤتمر العشرين (1956)، حيث أدين ستالين حاكمًا وإنسانًا.
وعلى الرغم من تفرّق مكتبته، إلّا أنه تمّ الاحتفاظ بنحو 400 كتاب منها، لأن “الزعيم” ترك فيها رائحته على هيئة تعليقات وحواش، كما تقول إيميليا جنتلمان في استعراضها الكتاب بجريدة الغارديان، ويخالف مؤلف الكتاب آراء عديدة تعتبر ستالين ضحلًا سياسيًا مثلما كان تروتسكي يصفه، ويقول روبرتس أنه مثقف جاد يقدّر الأفكار بقدر تقديره للسلطة، وأنه لم يكن يقرأ فقط ليعرف، بل ليرهف وعيه الشيوعي، ولكنه كان يستخدم قراءاته وثقافته لإدامة حكمه وقبضته الحديدية، ويرى في الثقافة أداة بيد صاحب السلطة.
في العام 1932 انعقد اجتماع في شقة مكسيم غوركي للأدباء والكتاب وحضره ستالين الذي خاطبهم قائلًا “إنكم يا معشر الكتّاب مهندسو الأرواح، فإنتاج الأرواح أهم من إنتاج الدبابات”، ثم رفع كأسه وأكمل “لنشرب نخب الكتّاب مهندسي أرواح البشر”، وذلك في محاولة التقرّب من المثقّفين واستمالتهم.
وكان أحب القراءات إليه هي التاريخ، وخصوصًا التاريخ الروسي وحقبة إيفان الرهيب (1533 – 1584) والعظيمين بطرس (1682 – 1725) وكاترين الثانية (1762 – 1796)، وانشغل بقراءة سيرة ميخائيل كوتوزوف الذي انتصر على نابليون في العام 1812، وكان مفتتنًا ببسمارك، كما كان قارئًا لبوشكين وغوغول وزولا، وقرأ باهتمام كتاب “الأمير” أكثر من مرة لمؤلفه ميكافيلي، كما توقّف مرّات عديدة لقراءة كتاب “كفاحي“، ووضع خطوطًا تحت العديد من الفقرات، وقد يكون كاتبه المفضل هو لينين، لكنه قرأ لأعدائه مثل روزا لوكسمبورغ وليون تروتسكي.
وثمة حادثة جمعت غوركي وشولوخوف وستالين، حيث كان شولوخوف قد واجه مشكلات في الحصول على ترخيص لطبع الجزء الثالث من روايته الشهيرة “الدون الهادئ“، فاستجار بغوركي، فدعاه إلى فيلته التي كان قد أهداها له ستالين، فلمّا وصل إليها كان غوركي بانتظاره ومعه ضيف، وإذا به ستالين شخصيًا، حينها كان القدح المعلّا بيد غوركي كما يُقال، وذلك قبل أن يتعرّض إلى التهميش والإهمال ويُمنع من السفر إلى إيطاليا للعلاج كما كان يفعل في السابق، ليقضي أيام حياته الأخيرة متدثّرًا بالصمت وحيدًا ومنكسرًا.
في ذلك اللقاء المثير دخل ستالين بحوار خاص مع شولوخوف حول بطل روايته غريغوري، الذي يمتاز بالشجاعة والفحولة، وكان عشيق إكسينيا ذات الجمال والإثارة، وبقدر ما كان له من صفات إيجابية، فإن الرواية تظهره أيضًا بالتقلّب وعدم اليقين، فتارة يكون مع الجيش الأحمر وأخرى مع أعدائه، ثم يعود إليه، وهنا يتدخّل ستالين ليسأل شولوخوف: ولكن لماذا لم يدخل غريغوري الحزب يا رفيق؟ ففزغ شولوخوف وأجابه على نحو مرتبك: لا أعرف يا رفيق إنه هو الذي قرّر.
وكان ستالين يريد نهاية سعيدة لبطل “الدون الهادئ” بانتمائه للحزب، فلا يوجد شخص بالمواصفات التي تحدث عنها شولوخوف، إلّا وينبغي انضمامه للحزب، وهو مع اعتادت عليه الأنظمة الاشتراكية، وتعلمت منها أنظمة “التحرّر الوطني” في العالم الثالث بما فيها البلدان العربية التي قلدتها على نحو أكثر سوءًا، وفي النهاية تم فض هذا الإشكال الفكري بعد أن وافق شولوخوف أن يكتب رواية لتمجيد السياسة السوفيتية الزراعية “الفاشلة جدًا” والمعروفة بالسوفخوزات (المزارع المملوكة للدولة بالكامل والعاملون فيها موظّفون)، والكولخوزات (المزارع الجماعية التعاونية تحت رقابة الدولة)، والتي أنهت القطاع الخاص في المجال الزراعي.
وبالفعل اضطرّ شولوخوف إلى كتابة رواية رديئة التزامًا بتعليمات ستالين لكي تتم الصفقة، وحتى هذه الرواية لم تعجب بعض المؤرخين المسؤولين عن السياسة الثقافية، فلجأ إلى ستالين عبر سكرتيره الشخصي الذي زوده برقمه الخاص، وتم حل هذا الأشكال بعد أن قرأ ستالين النص في ثلاث ليال، ثم أجاز طبع الرواية واستبدلها بعنوان جديد، وهو ما ذكّرني بعلاقة الروائي غابريل غارسيا ماركيز بفيديل كاسترو، حيث كان الأخير يقرأ روايات الأول حتى قبل طبعها ويبدي له بعض الآراء، وكان ماركيز قد ألف كتابا من 700 صفحة عن الحصار الأمريكي الجائر المفروض على كوبا، لكن كاسترو حين قرأه فضّل عدم نشره، وهكذا ضاع جهد كبير، وأظن أن مثل هذه الوثيقة المهمة كان ينبغي أن ترى النور، خصوصًا وأن كاتبها مبدع كبير وذو حساسية جمالية إنسانية خاصة.
ويحضرني في هذا المجال أيضًا قصّة مأساوية أخرى تتعلّق بحريّة التعبير، حيث اعتُقل المفكّر العراقي عزيز السيد جاسم بسبب كتاب كان قد أصدره في بيروت، وأُجبر وهو في المعتقل على كتابة نصوص أخرى كي يُطلق سراحه، لكنه اعتُقل مرة ثانية في العام 1991 واختفى أي أثر له إلى اليوم.
أستطيع القول إن ستالين وما تركه من أثر ثقافي وكتب ودراسات، وخصوصًا في المسألة القومية، أنه كان قارئًا ومفسّرًا لبعض آراء لينين، وهو من ألصق عبارة اللينينية بالماركسية، لتصبح عنوانًا للحركة الشيوعية، معتبرًا “اللينينية ماركسية عصرنا”، وذلك لمواجهة خصومه.
هل يكفي ذلك للقول إن ستالين كان مثقفًا، أم أن اهتمامه بالقراءة كان ناجمًا عن حبّه للمعرفة لتوظيفها لصالحه وصالح السلطة السوفيتية؟
الثقافة ليست معرفة فحسب، بل هي سلوك تتمثّل فيه القيم الإنسانية، كما أنها لا تعصم الإنسان عن ارتكاب المعاصي، خصوصًا بزعم امتلاك الحقيقة وادّعاء والأفضليات، وذلك ديدن الحكّام على اختلاف العصور، فالحاكم قد يهتمّ بالثقافة، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يكون سفاحًا مثل الحجّاج بن يوسف الثقفي، الذي كان يحفظ القرآن، ومثل أدولف هتلر الذي بدأ شبابه فنانًا تشكيليًا، وسعى ليكون مسرحيًا وكثير الشغف بالأوبرا، لكنه فتح نار جهنّم في الحرب العالمية الثانية، التي راح ضحيّتها أكثر من 60 مليون إنسان، ومثل صدام حسين ومعمر القذافي حاولا كتابة روايات لينضما إلى قافلة المثقفين، لكنهما ظلّا يطلبان من الجميع الركوع لهما، حتى وإن حاولا الظهور بمظهر التقاة الورعين.
