من طهران إلى بكين: الحرب على شكل العالم القادم

مع الحرب الوجودية التي خاضتها إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فرضت نفسها عقدةً مركزية في معركة إعادة تشكيل النظامين الإقليمي والدولي. فإيران اليوم لم تعد مجرد دولة تتنافس على النفوذ في الشرق الأوسط، بل تحوّلت إلى نقطة ارتكاز في الاشتباك المتصاعد بين واشنطن من جهة، والمحور الأوراسي الصاعد بقيادة الصين وروسيا من جهة أخرى.

من هذا المنظور، يمكن فهم أهمية الزيارتين المتتاليتين إلى بكين. الأولى، التي قام بها دونالد ترامب في 13 أيار/مايو الفائت، والثانية بعد أيام قليلة فقط قام بها فلاديمير بوتين. فالصين لم تعد مجرد قوة اقتصادية كبرى، بل بدأت تتحول تدريجياً إلى مركز استقطاب جديد لتوازن النظام العالمي، حيث تتقاطع خطوط التفاوض مع خطوط المنافسة والصراع في آن واحد.

وقد جاءت زيارة ترامب في لحظة دولية شديدة الحساسية، مع تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب على إيران، وارتفاع القلق العالمي بشأن اضطراب أسواق الطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد. فواشنطن تدرك أن أي انفجار واسع في الشرق الأوسط لن يبقى داخل حدود الإقليم، بل سيمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي بأسره، من أسعار النفط إلى حركة التجارة الدولية. لذلك سعت الإدارة الأميركية إلى فتح قنوات تفاهم مع بكين، باعتبارها قوة قادرة على التأثير في طهران، اقتصادياً وسياسياً. وهنا يظهر بوضوح أن الصراع الأميركي–الصيني، برغم حدّته، لا يلغي الحاجة إلى إدارة مشتركة للأزمات العالمية ومنها الحرب مع إيران، من دون إغفال حقيقة أن بكين صاحبة مصلحة في استثمار المأزق الأميركي في مضيق هرمز.

لكن المشهد اكتسب أبعاداً أعمق مع وصول بوتين إلى بكين مباشرة بعد مغادرة ترامب، وكأن الصين أرادت أن تقول إنها باتت الدولة القادرة على الموازنة بين القوى الكبرى المتنافسة على قيادة العالم. فاللقاء الروسي–الصيني لم يكن مجرد حدث بروتوكولي، بل حمل رسائل واضحة تتعلق بتعزيز التعاون في مجالات الطاقة والاقتصاد والتنسيق السياسي، في مواجهة ما تعتبره موسكو وبكين محاولات أميركية لإطالة عمر النظام الدولي الأحادي القطبية بقيادتها.

وضمن هذا السياق، تتجاوز أهمية إيران حدود التحالفات التقليدية. فبالنسبة إلى الصين، تمثل إيران مصدراً حيوياً للطاقة ومحوراً أساسياً في مشروع “مبادرة الحزام والطريق” الذي تراهن عليه بكين لإعادة رسم طرق التجارة العالمية. أما بالنسبة إلى روسيا، فتُعد إيران خط دفاع استراتيجياً يمنع تمدد النفوذ الغربي نحو آسيا الوسطى والقوقاز والحدود الجنوبية الروسية. وفي المقابل، ترى الولايات المتحدة أن إيران تشكل العقبة الأساسية أمام إعادة ترتيب الشرق الأوسط تحت المظلة الأميركية–الإسرائيلية.

ولهذا تبدو الحرب على إيران وكأنها صراع على موقعها داخل النظام العالمي (والإقليمي) المقبل. فإضعاف طهران لا يعني فقط تقليص نفوذها الإقليمي، بل يعني أيضاً تضييق المجال الحيوي الروسي في الشرق الأوسط، وتهديد خطوط الطاقة الصينية، وإعادة الإمساك الأميركي بالممرات الاستراتيجية الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط. وفي المقابل، فإن تراجع النفوذ الإيراني في بعض ساحات المنطقة يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد الدولي بأسره.

ومن اللافت للانتباه أن بكين ما تزال تحاول تقديم نفسها كقوة استقرار عالمي، لا كقائد لمحور عسكري مباشر. فالصين لا تريد مواجهة دولية مفتوحة، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل بسقوط إيران (ولا بانتصارها)، لأن ذلك سيمنح واشنطن تفوقاً جيوسياسياً واسعاً من شأنه إضعاف المشروع الأوراسي الذي تعمل الصين وروسيا على بنائه تدريجياً.

أما موسكو، فتتعامل مع الحرب على إيران باعتبارها امتداداً للصراع نفسه الذي تخوضه على جبهتي أوكرانيا والعقوبات الغربية. فروسيا تدرك أن أي انهيار في إيران سيؤدي إلى تركيز الضغط الأميركي بالكامل على روسيا والصين معاً. ولهذا يتسارع التقارب الروسي–الصيني بصورة غير مسبوقة، ليس كشراكة تجارية فقط، بل كمحاولة لبناء جبهة دولية قادرة على مواجهة النفوذ الغربي.

وبهذا المعنى، لم تعد الحرب على إيران مجرد صراع شرق أوسطي تقليدي، بل تحولت إلى ساحة اختبار للنظام الدولي الجديد. فواشنطن تسعى للحفاظ على هيمنتها العالمية، والصين تعمل على تثبيت نفسها كقوة مركزية في العالم (الثنائية القطبية)، بينما تقاتل روسيا لتجنب عزلها جيوسياسياً بعدما فرض الغرب عليها أن تقاتل على أرضها منذ أربع سنوات، من دون أن تكون قادرة على حسم المعركة. أما إيران، فقد أصبحت نقطة التقاء بين هذه المشاريع الكبرى، ما يجعل الصراع الحالي أقرب إلى مواجهة مفتوحة على شكل العالم القادم، وعلى الجهة التي ستملك حق قيادته ورسم توازناته.

لذلك، ستهدأ الجبهات العسكرية حتماً، وستُفتح أبواب التفاوض مرحلياً، لكن جوهر الصراع يبدو أبعد من مجرد نزاع على حدود أو نفوذ إقليمي. إنها معركة تتعلق بإعادة رسم موازين القوة الدولية، وتحديد شكل النظام العالمي المقبل، ومن ستكون له الكلمة العليا فيه.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  قدم أوكرانية في "الأطلسي".. تُعيد روسيا إلى هافانا وبيونغ يانغ!
حسين المولى

باحث متخصص في العلاقات الدولية، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  اندفاعة اليابان نحو العسكرة.. ماذا عن العواقب؟