أولاً؛ تستمر إسرائيل في سياسة «التفاوض بالنار» على الأرض، الهادفة إلى خلق واقع جديد بغية فرض شروطها وأولوياتها على «التفاوض حول الطاولة». ويشهد على ذلك التصعيد العسكري الإسرائيلي، سواء من حيث اتساع رقعته الجغرافية، التي وصلت إلى البقاع الغربي، أو من حيث القوة والكثافة النارية. وهو تصعيد لم يتوقف، بل صار مواكباً للمفاوضات. ولا يعني ذلك، بالطبع، أن إسرائيل قادرة، في نهاية المطاف، على فرض أولوياتها ومقاربتها للمسار التفاوضي، لكنها تهدد هذا المسار بشكل كبير وخطير.
ولا بد من التذكير بأن التفاوض ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة دبلوماسية وواقعية، رغم ما يحيط بها من تحديات وصعاب، لوقف العدوان وتحرير الأرض الوطنية بشكل كامل وإنهاء الحرب.
ثانياً؛ تقوم استراتيجية التفاوض الإسرائيلية على سياسة تجريف الأرض، وإشعال النار في الأحراج والأراضي الزراعية، والتدمير الممنهج للقرى والمناطق السكنية، بحيث يصبح من الصعب عودة الحياة إليها حتى لو توقفت الأعمال العسكرية الإسرائيلية غداً، علماً بأن توقيت هذا «الغد» تحدده إسرائيل وفقاً لهذه السياسة. والجدير بالذكر أن إسرائيل تعمل على تعزيز ما يسمى «الحزام الأمني» أو «المنطقة الأمنية» في الأراضي اللبنانية الواقعة تحت سيطرتها الكاملة، وضمن إطار زمني مفتوح تقرره وحدها، كما يكرر مسؤولوها.
ثالثاً؛ تهدف استراتيجية التفاوض الإسرائيلية على «الطاولة الدبلوماسية» إلى تقطيع الوقت ضمن منطق «التفاوض من أجل التفاوض». فإسرائيل تبدي استعداداً لتناول بعض العناوين، لكنها تبقى بعيدة عن الخوض في مضامين موضوعات أساسية في المفاوضات، مثل الحدود. وهنا لا بد من التأكيد على الموقف اللبناني القائل بـ«تثبيت الحدود» وليس «ترسيمها»، كما نذكر دائماً، إذ إن حدود لبنان الجنوبية معترف بها دولياً، وهي الحدود اللبنانية ـ الفلسطينية التي رُسمت عام 1923.
رابعاً؛ إن منطق «التفاوض من أجل التفاوض» حول الطاولة، الذي يمثل مقاربة إسرائيل الفعلية للمفاوضات، يشكل سمة ناظمة لسلوك المفاوض الإسرائيلي. ويزيد من حدة ذلك التصعيد السياسي الذي يواكب التصعيد على الأرض كلما اقترب موعد الانتخابات النيابية في نهاية تشرين الأول/أكتوبر المقبل. فنتنياهو وحلفاؤه وخصومه يخوضون جميعاً حروبهم السياسية والانتخابية في ثلاثة «مسارح»: غزة، والضفة الغربية، وجنوب لبنان.
وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بأن الرئيس اللبناني جوزاف عون، في كلمته خلال عشاء السفارة اللبنانية في واشنطن في 22 تموز/يوليو، قدم مقاربة لـ«مسألة السلاح» تقوم على الواقعية والتدرج والشمولية، آخذاً في الاعتبار تجارب مشابهة للحالة اللبنانية، مثل تجربة الجيش الجمهوري الإيرلندي والقوات المسلحة الثورية في كولومبيا (فارك). وهي مقاربة بمثابة خريطة طريق لتنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وكذلك، بالطبع، حصر قرارَي الحرب والسلم بها.
وقد أكد الرئيس عون أن تلك المقاربة لا تجعل الهدف أقل إلحاحاً، بل تجعل الأسلوب أكثر أهمية؛ الأسلوب الذي يساعد بقوة على عودة الدولة إلى ممارسة دورها الطبيعي والكامل في كل ما يتعلق بقضايا الأمن الوطني، وعلى كامل التراب اللبناني.
***
إن المطلوب اليوم، لإنقاذ المفاوضات من التباطؤ أو التعثر أو احتمال الفشل، كما يصف حالها كل طرف بحسب موقعه أو رؤيته، يكمن في توفير الدعم الفعلي، بجميع أشكاله، من الأطراف الدولية والإقليمية المؤثرة، وفي طليعتها، من دون شك، وبشكل خاص، الطرف الأميركي بوصفه راعي المفاوضات ومهندسها.
ويكون هذا الدعم من خلال الدفع الفعلي نحو تحقيق المطالب اللبنانية الأساسية لقيام مسار تفاوضي فاعل وفعّال، وفي مقدمتها تثبيت وقف إطلاق النار، بدلاً من استمرار التفاوض تحت النيران الإسرائيلية؛ ووقف عمليات التدمير والتجريف الممنهجة التي تهدف إلى تغيير الواقع كلياً في الجنوب غداة انتهاء الحرب الإسرائيلية، متى انتهت؛ ووضع جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي، بما يسمح بانتشار الجيش اللبناني وبسط سيطرته الكاملة على المنطقة الممتدة من جنوب الليطاني إلى الحدود الدولية للبنان؛ إلى جانب تثبيت هذه الحدود، كما أشرنا، وتفعيل اتفاقية الهدنة وتطويرها إذا اقتضى الأمر.
إن استقرار لبنان، عبر إنهاء الاحتلال الإسرائيلي في «الجبهة الجنوبية» وبسط الدولة اللبنانية سيطرتها الكاملة على أراضيها، أمر أكثر من ضروري لإطلاق مسار «العودة إلى الدولة»، وهو الشرط الأساسي للإنماء الوطني الشامل والمتعدد والمترابط الأبعاد.
كما أن استقرار لبنان ضرورة للإسهام في استقرار إقليم شرق أوسطي يعيش مخاضات ونزاعات وحروباً بأشكال وعناوين متعددة، يؤثر بعضها في بعض بدرجات وصور مختلفة.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
