التردد في السياسة فضيلة أم رذيلة.. ماذا يقول إدغار موران؟

يُنظر إلى التردد في السياسة غالبًا بوصفه ضعفًا في الشخصية أو عجزًا عن اتخاذ موقف. فالزمن السياسي لا ينتظر المترددين كما يُقال، ومن يتأنَّى كثيرًا يُتَّهم بأنه يتهرب من المسؤولية أو يختبئ خلف تعقيد الواقع. لكن هل يكون التردد دائمًا تهرباً من المسؤولية أو اختباءً خلف قناع من الوسطية مثلاً؟ أم أنّ هناك ترددًا من نوع آخر؟ وإذا كان عالم الإنسان إدغار موران قد جعل من التفكير المركّب مشروع حياته، فهل يقود هذا التفكير إلى التردد، أم إلى شيء أكثر تعقيدًا؟

في أيار/مايو المنصرم، توفي الفيلسوف الفرنسي إدغار موران عن عمر يناهز الـ ١٠٤ أعوام، بعد أن أمضى أكثر من قرن من الزمن يطارد السؤال الكبير: كيف نفكّر تفكيراً جيّداً في عالمٍ يفوق تعقيده القوالب التي صُنعت لفهمه؟ وقد قارب الإجابة من زاوية “التفكير المركّب” الذي يقود إلى أنّ الظواهر الإنسانية الكبرى لا تُفهم إلّا عبر شبكة العلاقات التي تربط عناصرها.

ولعلّ أخطر ما يحذّر منه موران ليس التبسيط بوصفه مجرد نقص في المعرفة، بل تحوّل هذا التبسيط إلى طريقة في صناعة الوعي. مسألةٌ تزداد أهميتها في ظلّ عالم غارق بالبروباغندا التي كثيراً ما تعمل عبر انتزاع جزءٍ من الحقيقة من سياقه، وتحويله إلى تفسيرٍ كامل للعالم. وحين يُختزل الصراع في سببٍ واحد، أو يُختزل الإنسان في هويته، أو يُختزل الخصم في صورةٍ شيطانية لا تحمل أيّ تناقض، يصبح التفكير نفسه أسير سرديةٍ مغلقة تُنتجه قبل أن يمرّ بمرحلة الفهم. ولذلك فإن التفكير المركّب عند موران يفضي إلى حماية الموقف من أحكامٍ سريعة تخلقها أوهام الوضوح، لأن الواقع الإنساني لا يُختصر في صوتٍ واحد أو تفسيرٍ واحد.

العالم سلسلة ميكانيكية

لقد انتقد موران الفكر الاختزاليّ الذي يفصل الأشياء عن سياقها ويبحث لكلّ نتيجةٍ عن سببٍ واحد، فيصير العالم سلسلة ميكانيكية. وهو قابل هذا الاختزال بثلاثة مبادئ صارت من أبرز ملامح مشروعه الفكري:

أوّلها، المبدأ “الهولوغراميّ”(principe hologrammatique)، وجوهره أن الجزء يحمل صورة الكلّ، والكلّ لا يُفهَم إلّا بأجزائه (الفرد يحمل في داخله تاريخ مجتمعه، والمجتمع ليس شيئاً خارج أفراده).

ثانيها، مبدأ “العودية”(principe récursif)، أي أن السبب والنتيجة لا يسيران في خطٍّ واحد، بل في دائرة إنتاج متبادل (الكائن البشري يصنع المجتمع، والمجتمع يصنع الكائن البشري. الفقر يضعف التعليم مثلاً، وضعف التعليم يعيد إنتاج الفقر).

أما المبدأ الثالث فهو “الحواري”(principe dialogique)، بحيث قد تتعايش في الواقع عناصر متناقضة داخل وحدةٍ واحدة، فالكائن البشري هو فرد يطلب استقلاله من جهة، وكائن اجتماعيّ لا يعيش خارج الجماعة من جهة أخرى، والتناقض ليس دائماً خللاً وقد يكون محرّكاً.

هل يتحوّل الفهم المركب إلى نسبية؟

غير أن معضلة فرضت نفسها حيال هذه المقاربة عند من لم يغص فيها بكليتها. فقد أثار بعض النّقّاد تساؤلات حول احتمال انزلاق التفكير المركب إلى نوع من النسبية المعرفية، إذ رأوا أن التركيز على تعدد الأبعاد قد يضعف القدرة على تثبيت معايير للحقيقة والحكم. على أنّ الخلط هنا ليس دقيقاً، فموران لا يقدّم التركيب بديلاً عن اليقين، بل بديلاً عن الحتمية الساذجة واليقين الزائف. والتفكير المركّب ليس قولاً بأنّ كلّ الآراء صحيحة. هو قولٌ بأنّ الواقع أكبر من أن يُختزَل في رأيٍ واحد سهل، وهذا نقيض النسبية لا مرادفها، ذلك أن النسبيّ يقول تقريباً بأن لا حقيقة فاختر النسبة، أمّا المركّب فيقول بأن الحقيقة موجودة لكنّها متعدّدة الطبقات، وعليك أن تشقّ طريقك إليها بجهد لا أن تتهرّب منها بحجّة تعدّدها.

الفهم أولًا.. ثم الحسم

يُقدّم موران مفتاحاً في عبارةٍ من ثلاث كلمات: “الفهم ليس تبريراً”. جملةٌ كافية لتفكيك تهمة أن التفكير المركب دعوة إلى اللاحسم. أن تفهم منطق خصمك وحساباته ومخاوفه والسياق الذي أنتجه لا يعني أن تمنحه صكّ براءة. سيصبح الفهم هنا أداة معرفة، والحكم موقف أخلاقي، وبينهما مسافةٌ لا يخلطها إلّا من يجعل التردد مقاماً دائماً. وهذا الأخير يرتكب خطأً مزدوجاً حين يظنّ أنّ فهم كلّ الأطراف يُلزمه بالوقوف على مسافةٍ واحدة منها جميعاً، فيصير حياده كسلاً أخلاقيّاً متنكّراً في زيّ الموضوعية، أو حين يستعمل الفكر المركب سلاحاً للتهرّب، فكلّما طُلب منه موقفٌ حاسم، لجأ إلى الأمور المعقّدة بوصفها جواباً نهائيّاً. لكن التفكير المركّب الحقّ يفعل العكس، والخلاصة، ثمّة لحظتان، الأولى، لحظة الفهم التي لا بدّ أن تكون مركّبة ومتعدّدة الأسباب ومتواضعة رافضة للاختزال. اللحظة الثانية، لحظة القرار التي لا تحتمل الترف، لأنّها فعلٌ في الزمن، والفعل يقتضي اختياراً. أما مشكلة التردد فلا تُقاس بوجوده أو غيابه بقدر ما هي بتوقيته، لأن الحسم قبل الفهم تهوّر، والتردّد أثناء الفهم قد يكون حكمة، أمّا التردّد بعد استحقاق القرار فسيغدو غالبًا تهرّبًا من المسؤولية.

إيكولوجيا الفعل: القرار رهانٌ لا يقين

يقول موران إن “الاستراتيجية كالمعرفة تبقى إبحاراً في محيطٍ من الشكوك عبر أرخبيلاتٍ من اليقين”. ثمّة محيطٌ من الشكوك نعم، لكنّ ثمّة إبحاراً في النهاية، والمبحر لا يلغي البحر ولا ينكر ضبابه لكنّه يمسك الدفّة ويختار وجهة في نهاية المطاف. موران يجعل الاستجابة لعدم يقين الفعل ثلاثية: اختيارٌ متبصّر للقرار، وعي بالمخاطرة ووضعُ استراتيجية.

إقرأ على موقع 180  مصر والصراع الليبي بانتظار «غودو» الأميركي

وإذا كان موران قد نحت مفهوم “إيكولوجيا الفعل”(L’écologie de l’action) ، والذي يعني أنه ما أن يُطلَق الفعل حتى يفلت من صاحبه، ويدخل في شبكة تفاعلات قد تحرفه عن غايته أو تعيده ضدّه، فإن خلاصة هذا المفهوم ليست “إذن لا تفعل”، بل “افعل وأنت تعرف أنّك تراهن”. القرار السياسيّ رهانٌ في ظلّ عدم اليقين وليس امتناعاً بذريعته. ومن يرفض المراهنة باسم التعقيد فهو إنّما يختار من حيث لا يدري رهاناً على بقاء الأمر على ما هو عليه. لكنّ القرار عند موران ليس خاتمة المعرفة ولا إعلاناً لامتلاك الحقيقة، والاختيار الذي يُتّخذ في ظلّ عدم اليقين يبقى قابلاً للمراجعة كلّما كشفت الوقائع معطياتٍ جديدة أو غيّرت النتائج فهم السياق، وليست مراجعة الموقف بهذا المعنى تردّداً، بل إحدى مقتضيات التفكير المركّب نفسه.

إدغار موران: البرهان الحيّ

لعلّ أجلى جواب على معضلة أنّ الفكر المركب يصنع المترددين هو سيرة موران نفسه. لم يكن إدغار موران يوماً رجل مواقف رماديّة. في حزيران/يونيو 2002، وقّع مع سامي نعير ودانييل سالناف مقالًا أثار جدلًا واسعًا في صحيفة “لوموند” بعنوان “إسرائيل–فلسطين: السرطان” (Israël-Palestine : le cancer)، انتقد فيه بشدة سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين. وتسبب المقال بملاحقاتٍ قضائية للثلاثة بتهمة التحريض على الكراهية العنصرية، قبل أن تنتهي القضية ببراءتهم أمام محكمة النقض الفرنسية. كما أن سيرة الرجل بأكملها هي سيرة نضال متشعّب، ولم يجعل التفكير المركّب منه أقلّ حسماً، بل جعل حسمه أكثر عمقاً ومسؤولية، وجعل مواقفه مبنيةً على المعرفة لا على الهتاف.

الوسطيّة منهجٌ أم مهربٌ؟

يقودنا كل السياق أعلاه إلى غير مسألة، بينها مثلاً مسألة الوسطية في السياسة. للوسط شرعيّتان مختلفتان تماماً، والخلط بينهما مصدر الالتباس كلّه، ذلك أن الوسط بوصفه منهجاً للفهم هو فعل نبيل ومهم، بمعنى أن تبدأ من رفض التحيّز المسبق، وتصغي لكلّ الأطراف، وتقاوم إغراء السردية الواحدة ثم قد تتبنى بعدها خياراً مغايراً أو ثالثاً. أمّا الوسط بوصفه عنواناً دائماً للإقامة، وغاية بحد ذاته، ومكاناً يختبأ فيه من كلّ قرارٍ صعب، فهو ليس فضيلة بقدر ما هو بالفعل هنا تهرّبٌ مؤجَّل. القاعدة إذاً أن يكون الوسط نقطة انطلاقٍ للتفكير لا غاية وصولٍ مسبقة للموقف. وإذا انتهى التحليل المركّب إلى موقفٍ وسطيّ، فلأنه خلاصة الفهم لا لأنه ملاذٌ من القرار. وفي المحطات المفصلية حيث يكون الظلم جليًّا، يتحوّل الحياد إلى موقفٍ يصبّ عمليًا في مصلحة الأقوى، لأن الامتناع عن الفعل لا يوقف مفاعيل ميزان القوة القائم. وفي هذا يقول موران جملةً تكاد تكون حكماً أخلاقيّاً: “ما يُصنَع للآخرين من دونهم هو ضدّهم”. الحياد الذي يُقرّر عن الضحية من دونها، سينتهي ضدّها!

ووفقاً لمبدأ العودية أعلاه عند موران، فإن الرأي هو جزء من الآلية التي تصنعه: الكلمة تشكّل الوعي، والوعي يصنع المزاج العام، والمزاج يُنتج قراراتٍ ترتدّ على الناس. من يملك منبراً ويصمت في لحظة الحسم لا يقف خارج المسؤولية بقدر ما يمارس نوعاً منها وهي مسؤولية التخلّي.. والامتناع عن الرأي هو رأيٌ أيضاً، له نتائجه التي تعود بحكم العودية لتؤكّد الأمر الواقع.

الفهم العميق: حسمٌ أكثر تواضعاً

هكذا ينقلب السؤال على نفسه. لا يدعو التفكير المركّب السياسيّ أو المثقّف إلى التردّد الدائم، كما أنّه لا يغريه بيقينٍ متسرّع. إنّه يعلّمه أن يؤجّل الحكم ما دامت المعرفة ناقصة، وأن يحسم حين يحين وقت القرار، ثم يبقى مستعدًّا لمراجعة موقفه إذا كشفت الوقائع ما لم يكن ظاهرًا ساعة اختياره. وفي السياسة، ليس كلّ تردّدٍ تهرّب من المسؤولية، بل قد يكون التردد المؤقت شرطًا لفهمٍ أعمق، لكنّه سيستحيل تهرباً إذا تحوّل إلى ملاذٍ دائم من الاختيار. كما أنّ الحسم ليس فضيلةً في ذاته، إذ قد يكون اندفاعًا أو تعصّبًا إذا سبق الفهم. وبين التسرّع والشلل، يقترح موران طريقًا ثالثًا: أن نفهم أولًا؛ أن نُقرّر ثانيًا، وأن نراجع أنفسنا كلّما استدعت الحقيقة ذلك ثالثًا.

Print Friendly, PDF & Email
ملاك عبدالله

صحافية لبنانية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  مصر والصراع الليبي بانتظار «غودو» الأميركي