تركيا – اميركا: هل من مخرج لأزمة “أس-400″؟

منذ شهر تموز/يوليو، دخلت "أس-400" في قلب التنافس الاستراتيجي بين روسيا والولايات المتحدة على تركيا. تسليم روسيا الأجزاء الأولى من هذه المنظومة الدفاعية إلى تركيا، دفع بالتوتر المتصاعد بين انقرة وواشنطن إلى مرحلة متقدمة، تجاوزت في بعدها كل مراحل التناقض السابقة بين الجانبين، ابتداءاً من تداعيات غزو العراق عام 2003، وصولاً إلى الانخراط الأميركي المباشر  في الشمال السوري، وبينهما محاولة الانقلاب الفاشلة على رجب طيب أردوغان في صيف العام 2016.

ابتداءاً من اليوم، تدخل “أس-400” مرحلة الخدمة الفعلية في تركيا، مع تحليق أولى الطائرات الحربية التركية، وهي أميركية الصنع من طراز “أف-16″، على ارتفاعات منخفضة وعالية في سماء أنقرة، لتصبح هدفاً تجريبياً للمنظومة الدفاعية الروسية، في خطوة تقفز فوق الاعتراضات الاميركية، التي تنطلق ظاهرياً من أسباب “تقنية” تدور حول “عدم التوافق” بين المنظومة الروسية ودفاعات “حلف شمال الأطلسي، الذي تُعتبر تركيا عضواً مؤسساً فيه، فيما تكمن أسبابها الواقعية في مخاوف استراتيجية من التقارب التركي-الروسي.

ويبدو واضحاً، من خلال بدء المرحلة التجريبية للمنظومة الروسية، أن رجب طيب أردوغان قد اختار عدم العودة إلى الوراء، وتجاهل المطالبات الاميركية بإلغاء الصفقة مع روسيا، في مقابل الحصول على أنظمة “باتريوت” الأميركية، وتحدي الخطوات المضادة من الجانب الاميركي التي كان أبرزها تعليق بيع أحدث مقاتلات “أف-35” إلى انقرة (مع المخاطرة باحتمال الغاء هذه الصفقة الضخمة برمّتها)،  وصولاً إلى التهديد بفرض عقوبات على انقرة وفقاً لـقانون “كاتسا” (قانون مكافحة خصوم الولايات المتحدة من خلال العقوبات).

آخر فصول التصعيد الأميركي بشأن منظومة “أس-400” عكسه ما تسّرب من المحادثات التي أجراها رجب طيب أردوغان مع دونالد ترامب في واشنطن في 13 تشرين الثاني/نوفمبر، والتي وصفها الرئيس الأميركي بأنها كانت “رائعة”، وإن كانت لم توحي بأن الحليفين في “الناتو” قد حققا أيّ تقدم بخصوص الصفقة الروسية.

انطلاقاً من البيان المشترك الذي صدر عقب اللقاء بين ترامب وأردوغان، كان واضحاً أن للولايات المتحدة طلباً واحداً لا لبس فيه: البحث عن وسيلة لتعليق صفقة “أس-400″، في مقابل الانضمام إلى برنامج مقاتلة “أس-35″، وإذا لم يحدث ذلك فيمكن لتركيا أن تتوقع عقوبات شديدة وموهِنة.

في المقابل، فإنّ ما أبلغه اردوغان لمضيفه الأميركي كان واضحاً، وهو أنه لن يطرأ أي تغيير في خيار الحصول على المنظومة الدفاعية الروسية، لا بل أن الرئيس التركي شدد، في مناسبة سابقة، على أن هذه المنظومة ستدخل الخدمة بشكل كامل في نيسان/ أبريل 2020.

ما حجبته اللغة الدبلوماسية للبيان الصادر بعد لقاء ترامب أردوغان، أفصحت عنه بشكل فجّ تصريحات لمسؤول بارز في وزارة الخارجية الأميركية تضمنت موقفاً حاسماً بأنّه ينبغي على تركيا إما “تدمير” المنظومة الروسية أو “إعادتها”، أو “التخلص منها بطريقة ما”، مع التشديد على أنّ “فرض عقوبات أميركية على تركيا ما زال أمراً قائماً”.

بذلك، يمكن القول إن رجب طيب أردوغان يعيش حالياً مأزقاً حاداً، في ظل ضيق هامش المناورة لديه، سواء لجهة الاستجابة للمطالب الأميركية والتراجع إلى الخلف في موضوع “أس-400″، أو لجهة الذهاب في المواجهة مع الولايات المتحدة إلى ما لا نهاية.

من ناحية، يدرك أردوغان جيداً أن غضب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليس سهلاً في حال “الخيانة”، لا بل أن ثمة تقارير يتم تسريبها من حين إلى آخر في وسائل الإعلام تفيد باحتمال أن تلجأ روسيا إلى الضرب تحت الحزام لو تخلت تركيا عن التزاماتها في صفقة “أس-400” (وربما ينسحب ذلك على تفاهمات أخرى كملف الشمال السوري)، وذلك من خلال ترسانة من المواد التي يمكن أن تعرّض أردوغان والمعاملات المالية المشكوك فيها لعائلته لحرج كبير في العلاقات الدولية، بجانب ترسانة أخرى من الاجراءات الاقتصادية التي تشمل إنهاء الاتفاقيات التجارية والسياحية الحيوية لصحة الاقتصاد التركي، على غرار ما حدث بعد حادثة إسقاط مقاتلة “سوخوي” الروسية في أجواء الحدود السورية-التركية في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2015.

ومن ناحية أخرى، يخاطر اردوغان بتعريض تركيا لصليات من الاجراءات العقابية الاميركية في حال ذهب إلى خيار التحدي، ومن بينها الدعوى القضائية ضد “بنك خلق” والقرار المقترح في مجلس الشيوخ للاعتراف بالمجازر ضد الأرمن بجانب تفعيل مجموعة من العقوبات الاقتصادية التي من شأنها أن تهز الاقتصاد التركي.

مع ذلك، يبدو أن الولايات المتحدة قد منحت تركيا فرصة للتفكير بجدية في القضية والتصرف بشكل مناسب، انطلاقاً من شعور بالقلق، في الأوساط الأميركية، تجاه احتمال أن تقود الإجراءات التصعيدية إلى دفع تركيا الى احضان فلاديمير بوتين.

وربما يكون هذا هو الهامش الضيق الذي يمكن أن يتحرك اردوغان في نطاقه، مستفيداً من خبرته التكتيكية وقدرته على قلب المناخ السياسي لصالحه، كما برهن خلال السنوات الماضية.

وضمن هذه السياق، يمكن وضع المخرج الذي تسعى من خلاله تركيا حالياً لتسيير قضية “أس-400” على حبال التناقضات الاميركية-الروسية.

واستجابةً لرفض البيت الأبيض القاطع للصفقة الروسية-التركية، تحدث اردوغان، على هامش زيارته إلى واشنطن، عن امكانية الوصول إلى حل مقبول للطرفين، وقد كشف وزير الدفاع خلوص آكار، يوم الجمعة الماضي، عن بعض من ملامحه، حين قال إن بلاده تعمل على حل مشكلة التوافق بين “أف-35” و”إس-400″، وذلك غداة زيارة قام بها وفد عسكري أميركي إلى انقرة.

انطلاقاً من تصريحات خلوصي آكار، فإنّ المخرج المقترح من جانب تركيا يكمن في ضمان “استقلالية” النظام الدفاعي الروسي عن الأنظمة العكسرية لـ”حلف شمال الاطلسي”.

ومع ذلك، يبقى من المبكر القول إن هذه الفكرة ستكون كافية لتجاوز المعضلة.

ومن جهة، لا يبدو أن الولايات المتحدة راغبة حتى الآن في التراجع عن مطلبها الحاسم الذي عبّر عنه المسؤول الاميركي السابق الذكر. ومن جهة أخرى، فإنّ الجانب الروسي قد يبدي ريبة تجاه أيّة خطوة من شأنها أن “تقلل من فعالية” المنظومة الدفاعية، وهو ما قد يولّد الكثير من الشكوك السياسية حول التموضع المتذبذب لتركيا في صراع يزداد استقطاباً وحدّة على خط موسكو – واشنطن.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
free download udemy course