“مسار النورماندي”: تموضع روسي – اوكراني ضمن حدود “التهدئة”

المفاوضات تسير والحرب مستمرة. هكذا يمكن اختزال نتائج القمة الباريسية التي جمعت أطراف "مسار النورماندي" لحل الأزمة الأوكرانية. جلس فلاديمير بوتين مع فولوديمير زيلينسكي وجهاً لوجه، للمرة الأولى منذ انتخاب الأخيررئيساً لأوكرانيا العام الماضي، لكنّ البيان الختامي اكتفى بالخطوات الإجرائية المنصوص عليها في "صيغة شتاينماير" التي أرست هدنة هشة لا نتهي النزاع المستمر منذ خمسة أعوام.

رفعت القمة الباريسية “مسارَ النورماندي” إلى نقطة متقدّمة، واضعة إياه ضمن جدول أعمال لا يقتصر على تسوية الأزمة في شرق أوكرانيا، بل يمتد إلى قضايا عابرة للصراع الروسي-الأوكراني، الذي يلقي بظلاله على القارة الأوروبية، إن لجهة أمن الطاقة، أو لجهة تداعيات العلاقات المتأزمة على خط موسكو-واشنطن.

ومع أن القمة التي جمعت أطراف التسوية الأوكرانية (روسيا، اوكرانيا، فرنسا، والمانيا) قد نُظر إليها باعتبارها الحدث الرئيسي لهذا العام في عملية التفاوض المتوقفة لحل النزاع في شرق أوكرانيا، إلا أن ما خرجت به يشي بأنّ الاختراقات المنتظرة ما زالت محكومة باعتبارات جيوسياسية معقدة، تجعل الحل الأمثل في اللحظة الراهنة مقتصراً على مجرّد تثبيت وقفٍ لإطلاق النار، الذي تم خرقه مراراً وتكراراً خلال السنوات الماضية.

يمكن قراءة هذا الواقع في نص البيان الختامي للقمة، وأهم ما جاء فيه:

  • اتخاذ تدابير فورية لاستقرار الوضع في منطقة النزاع في شرق أوكرانيا.
  • اتخاذ تدابير لتنفيذ البنود السياسية لاتفاقيات مينسك.
  • التزام الأطراف بالتنفيذ الكامل والشامل لوقف إطلاق النار، وتعزيز ذلك بتنفيذ جميع التدابير اللازمة لدعم وقف إطلاق النار بحلول نهاية عام 2019.
  • دعم اتفاق مجموعة الاتصال الثلاثية حول إنشاء ثلاثة مناطق فض إضافية بهدف إعادة نشر القوات و (المعدات العسكرية) بحلول نهاية آذار المقبل.
  • دعم اتفاق مجموعة الاتصال الثلاثية لمدة 30 يوميا على نقاط العبور الجديدة بين خطوط التماس.
  • ضرورة ضم “صيغة شتاينماير” إلى التشريع الأوكراني وفقاً للخيار المتفق عليه ضمن صيغة النورماندي ومجموعة الاتصال الثلاثية.

خلاصة ما خرجت به قمة “مسار النورماندي” هي أن الكل يريد التموضع في إطار مثالي من التهدئة، ليس أكثر، أقلّه في الوقت الراهن.

هذا بالضبط ما مهّدت له روسيا وأوكرانيا، على حد سواء، طوال الأشهر الماضية، حينما شرعتا في إيجاد قنوات خلفية للتواصل، من خلال اللقاءات التي أجراها ممثلوهما في باريس، حيث اعيد التأكيد على “صيغة شتاينماير” (التي تحمل اسم عرّابها وزير الخارجية الالماني السابق والرئيس الحالي فرانك فالتر شتاينماير)، إلى جانب خطوات عملية من بينها تبادل عدد من الموقوفين في البلدين، كالبحارة الأوكران الذين احتجزتهم موسكو على خلفية الحادث في مضيق كيرتش (تشرين الثاني/نوفمبر 2018) والمخرج الاوكراني أوليغ سينتسوف (الذي طالب الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون شخصياً بالإفراج عنه)، والصحافي الروسي كيريل فيشينسكي والقائد الميداني فلاديمير تسيماخ الذي اختطفته القوات الخاصة الاوكرانية من جمهورية دونيتسك الشعبية على خلفية تورطه المزعوم في حادثة سقوط الطائرة الماليزية (2014)، بجانب إعادة روسيا للقوارب الاوكرانية المحتجزة قرب كيرتش.

يوم أمس، اتفق بوتين وزيلينسكي على إجراءات تهدئة إضافة، أعلنها نيابةً عنهما ايمانويل ماكرون الذي تحدّث عن “تحقيق تقدم في فك الاشتباك وتبادل السجناء ووفق إطلاق النار وتطوير العملية السياسية”.

لكنّ لغة الجسد الفاترة خلال اللقاء بين الرئيس الروسي، البارع في مهارات الثبات الانفعالي بحكم تربيته الاستخباراتية، والرئيس الأوكراني القادم من عالم التمثيل إلى معترك السياسة، كانت تشي بحذر متبادل تجعل الاتفاق على المسائل الشائكة المتصلة بالنزاع الاوكراني أمراً غير مطروح على جدول الأعمال الآني للطرفين.

لغة الجسد الفاترة بين بوتين وزيلينسكي كانت تشي بحذر متبادل

بذلك، لم يكن ممكناً الاتفاق على تفاهمات لتسوية شاملة، حيث أعرب بوتين وزيلينسكي عن مواقف متعارضة بشأن تعديل الدستور  لتحديد “الوضع القانوني” لجمهوريتي دونيتسك ولوغانسك غير المعترف بهما في الشرق الأوكراني، وفق اتفاقية “مينسك 2” (كانون الثاني 2015)، التي تعتبر عملياً خريطة طريق لحل النزاع في اوكرانيا، وفي جوهرها إعادة الإندماج الوطني والاجتماعي والاقتصادي بين جميع الفئات في  اوكرانيا، ولا سيما في المناطق التي يسيطر عليها الانفصاليون المدعومون من قبل روسيا، ضمن تغييرات دستورية تلحظ شكلا من أشكال اللامركزية في مقابل سحب جميع “التشكيلات المسلحة الأجنبية”.

بالنسبة إلى الجانب الأوكراني، لا يبدو زيلينسكي حرّاً تماماً في المضي قدماً نحو تقديم تنازلات من شأنها إنهاء النزاع، خصوصاً في ظل المعادلات السياسية القائمة في الداخل الأوكراني، وتأثير الجناح المتشدد في دوائر صنع القرار، ومن أبرز رموزه وزير الداخية أرسين أفاكوف (لم يكن عبثاً مشاركته ضمن الوفد الأوكراني إلى القمة)، ولذلك فإنّ كل ما كان يريده الرئيس الأوكراني عملياً هو أن “يلتقي رجلاً” (بوتين)، كما قال في حديث إلى برنامج “سفابودا سلوفا” الحواري قبل أيام قليلة من توجهه إلى باريس، من أجل “ايجاد تفاهمات وخلق شعور بإمكانية التوصل تدريجياً إلى انهاء هذه الحرب المأساوية”.

في اليوم  التالي، بعد هذا الحديث المتواضع في سقفه السياسي، كان مجلس الأمن والدفاع الاوكراني يحدد خلال اجتماع مغلق برئاسة زيلينسكي الهدف النهائي للتسوية وهو اعادة دمج “الأراضي المحتلة” في الدونباس، وأوليات التفاوض: تبادل الأسرى بين كييف وجمهوريتي لوغانسك ودونيتسك، استعادة السيطرة على القسم الحدودي روسيا، ووقف إطلاق النار على طول خط الاتصال.

ومع أن هذه الأولويات تشكل اطاراً منطقياً للتفاوض المثمر، إلا أن الشيطان يكمن في تفاصيلها، التي كشف عنها سكرتير مجلس الأمن والدفاع الاوكراني اليكسي دانيلوف بمطلب استعادة سيطرة كييف على الحدود قبل الانتخابات في مناطق منطقتي دونيتسك ولوغانسك، في وقت لا تزال قضية التعديلات الدستورية المطلوبة ضمن اتفاقية “مينسك 2″، لا بل أولويات تطبيقها، موضع خلاف كبير.

ومن ناحية، يسعى الجانب الروسي إلى ضمانات دستورية بشأن الوضع القانوني لمنطقة الدونباس، وهو ما أعاد بوتين التأكيد عليه بالامس. ومن ناحية أخرى، يصر زيلينسكي على أن كييف لن توافق إطلاقاً على تعديل دستور أوكرانيا لتطبيق الفيدرالية، مشدداً على أنه “لن نسمح بأي تأثير على الحكم السياسي لأوكرانيا، لأنها دولة مستقلة تحدد بنفسها طريقها السياسي”.

ويكمن أساس موقف زيلينسكي من وجهة نظر سائدة في أوكرانيا ترى أن اعتماد “الوضع الخاص” المنصوص عليه اتفاقية “مينسك 2” سيحوّل منطقة الدونباس إلى “دولة داخل الدولة”، ويجعلها مركز تأثير روسي على القرار الأوكراني، سواء في السياسات الداخلية أو الخارجية.

على هذا الأساس، تسعى كييف إلى المناورة من خلال القبول بإصلاح دستوري يمنح صلاحيات إضافية لمنطقة الدونباس، من دون أن يعني ذلك تثبيت “الوضع الخاص” في الدستور، لا بل أنها ترى الاحتمالية الأخيرة “خطاً أحمر”، حسبما صرّح اندريه يرماك، مستشار الرئيس الأوكراني، خلال حلقة نقاش أجراها معهد “تشاتهام هاوس” للدراسات.

الجانب الآخر للمناورة الأوكرانية يتمثل في السعي لتعديل الجداول الزمنية لخريطة الطريق التي أرستها “مينسك 2″، وذلك من خلال المطالبة بالسيطرة على المنطقة الحدودية قبل إجراء الانتخابات في الدونباس، مع الإصرار على أن تجري الانتخابات في هذه المنطقة بالتزامن مع الانتخابات العامة في 31 تشرين الأول 2020.

روسيا راضية تماماً عن الوضع الراهن، سواء تم حلّ النزاع أم لا

هذا الامر رفضته روسيا بشكل قاطع، على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف، الذي شدد، الأسبوع الماضي، على “ضرورة التنفيذ الكامل والمتسق” لاتفاقيات مينسك التي تمت الموافقة عليها بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2202، وضرورة “ربط القضايا الامنية بالقضايا السياسية”، على أساس البند التاسع من “حزمة التدابير”، الذي يؤكد أن استعادة الحكومة الأوكرانية لسيطرتها الكاملة على حدود الدولة في منطقة النزاع بأكملها يجب أن تبدأ في اليوم الأول بعد الانتخابات المحلية، والفقرة الرابعة التي تنص على أن مناقشة طرق إجراء الانتخابات المحلية تبدأ في اليوم الأول بعد انسحاب القوات وسحب الأسلحة والمعدات على طول خط الاتصال بأكمله.

ومن غير المتوقع أن تغيّر روسيا وجهتها، على النحو الذي تريده اوكرانيا، فهي تبدو راضية تماماً على الوضع الراهن، سواء تم حلّ النزاع أم لا، خصوصاً أنها قادرة على قطف ثمار جيوسياسية في الحالتين، كما جرى في السابق مع جورجيا على سبيل المثال.

هذا تماماً ما تسير عليه اوكرانيا، حيث أصبحت احتمالات انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي غامضة منذ العام 2014، لدرجة أن أحداً لم يعد يعول عليها، وهو ما يظهر مجدداً أن الصراعات المجمّدة تبقى أداة فاعلة بالنسبة إلى موسكو لإبطاء انجراف الجمهوريات السوفياتية السابقة إلى الغرب في غياب طرق أخرى للتأثير على الخيار الجيوسياسي لهذه البلدان، حتى وإن كان الثمن توتر العلاقات مع الغرب.

هذا ما أقرّ به أحد المسؤولين الروس المكلفين الملف الاوكراني، حين قال لصحيفة “كومرسانت” إن “تطوّر العلاقات مع أوكرانيا وفقاً للنموذج الجورجي، حيث لا تحل النزاع وفي الوقت ذاته تحافظ على العلاقات الثنائية، هو وضع سيكن مرضياً تماماً لروسيا”.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy course