الحرب على إيران في مرآة الرأي العام العربي

لا تكشف الحروب موازين القوى العسكرية فحسب، بل تكشف أيضاً طبيعة الوعي السياسي لدى المجتمعات التي تتابعها. والحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران أظهرت بوضوح حجم التباينات في مقاربة الرأي العام العربي لها. ويمكن، من خلال متابعة النقاشات الدائرة في الفضاء الرقمي، رصد خمس فئات رئيسية تقارب بتفاوت لافت للانتباه مجريات هذه الحرب.

الفئة الأولى: شريحة كبيرة من الشعوب العربية تنطلق من خلفيات طائفية ومذهبية في تحليل رؤيتها للحرب ولموقعها منها. فالظروف التي مرّت بها المنطقة في العقدين الأخيرين مهّدت الطريق لبروز شقاق طائفي ومذهبي على امتداد العالمين العربي والإسلامي، بدءاً من حرب العراق (2003)، مروراً بالحرب الأهلية ومرحلة التفجيرات الانتحارية (2006 – 2009) في العراق، ثم بروز التنظيمات السلفية والجهادية في سوريا عقب دخول الأخيرة في نار الفوضى (2011 – 2024)، وليس انتهاءً بالإعلان الرسمي عن تنظيم داعش (2014)، ناهيك بأحداث لبنان الزلزالية منذ استشهاد الرئيس رفيق الحريري في العام 2005 حتى يومنا هذا، ناهيك بمجريات وتداعيات ما يُسمى بـ”الربيع العربي” في العديد من الأقطار العربية.
كل هذه الأحداث أرخت بظلالها على استقطاب الشعوب العربية، إذ أذكت الفتن الطائفية والمذهبية داخل مجتمعاتها، وساعد على ذلك البنية الهشّة أصلاً لهذه المجتمعات، إضافة إلى تغذية الشقاق الأهلي والمذهبي من قبل سلطات إعلامية ودينية وسياسية مختلفة. وقد أدّت هذه التطورات إلى خلق حالة من التباين بين المذهبين السني والشيعي، وبخاصة أنّ التيار الإسلامي الشيعي، كان مرتكزاً على توسّع الدور الإقليمي لإيران، واستفاد من ظروف موضوعية مكّنته من تثبيت نفوذه في كل من لبنان والعراق وسوريا واليمن وجزء من فلسطين.
وفي سياق الحرب الحالية، انطلقت قطاعات واسعة من الرأي العام العربي من منطلقات طائفية لتحديد موقفها وموقعها منها. ومروّجو هذا الاقتناع ينطلقون من قاعدة «عدوّ عدوّي هو صديقي»، وبذلك لا يجدون فجاجةً في إعلانهم الصريح وقوفهم إلى جانب الطرفين الأميركي والإسرائيلي، بل إنّ بعضهم يبرّر سرديته هذه بالدعاء الذي أفتى به بعض الأئمة والمشايخ: «اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين».

الفئة الثانية: ينطلق قسم من الناس، في سياق عملية تشكيل وعيهم السياسي، من دوافع قومية تقوم على إقامة التمايز بين العرب والفرس. يستدل أصحاب هذا التيار بشواهد تاريخية تؤكد اندلاع معارك كبيرة بين القوميتين لأسباب مختلفة، لعل أبرزها وأكثرها رسوخاً في التاريخ معركة القادسية التي وقعت في السنة الخامسة عشرة للهجرة، أي ما يوازي عام 636 ميلادي.
وقد انتهى التاريخ الدموي بين العرب والفرس تدريجياً، إلا أنّ حالة العداء ظلّت، للأسف، موضع استثمار من قبل نخب سياسية ودينية وجدت مصلحتها في تغذية التباينات الفكرية والثقافية بين القوميتين لتقوية مواقعها السياسية أو الدينية. ولسنا هنا في وارد الغوص في خلفيات ومسببات هذه التباينات، إلا أنّ جزءاً منها ما يزال قائماً حتى اليوم في بنية مجتمعاتنا. فعلى سبيل المثال، ما زالت ثلاث جزر موضع خلاف بين الإمارات وإيران، كما أنّ الأخيرة تطلق تسمية «الخليج الفارسي» بدلاً من «الخليج العربي» في دوائر وزارة خارجيتها وكل مؤسساتها الرسمية.
وتأسيساً على ما تقدّم، يصبح الاستقطاب بين الانتماء إلى المجال العربي أو المجال الإيراني هو الفيصل في إصدار الحكم وتحديد الموقف من الحرب الجارية على إيران، مع العلم أنّ عدوّنا واحد، أو هكذا يفترض أن يكون.

الفئة الثالثة: تتشكّل هذه الفئة من أشخاص لديهم أحقاد سياسية دفينة، إما تجاه النظام الإيراني أو تجاه أبرز حلفائه، أي حزب الله. أصحاب هذا الاقتناع هم ضد طبيعة النظام السياسي الإيراني المستبدّ والديكتاتوري – كما صاحب هذه السطور بالمناسبة – وهم يرون أنّ الثيوقراطية المعمول بها لا تجلب الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية، كما يرى كاتب هذا المقال أيضاً.
غير أنّ هذه الفئة تعلي من شأن هذا التناقض ليصبح العامل الأساس في تحديد تموضعها في الحرب الحالية، وتغفل أنّ الحرب على إيران هي نتاج للهجمة الإمبريالية على المنطقة بقيادة ثنائي ترامب – نتنياهو.
وثمة صنف آخر ضمن هذه الفئة هم أولئك الذين يناصبون العداء لحزب الله، سواء بسبب خلاف ديني وإيديولوجي مستحكم، أو على خلفية مشاركة الأخير في أحداث السابع من أيار (مايو) في بيروت (2008)، أو لاحقاً انخراطه في الحرب السورية (2012)، أو مشاركته في تخوين وقمع الانتفاضة الشعبية اللبنانية (2019)، أو مشاركته في حرب الإسناد في صيغتها الأولى (2023 – 2024).

الفئة الرابعة: هي الفئة المتفاجئة والمائلة إلى الاستنكار. ومعظم المنتمين إليها هم مواطنو الدول الخليجية الذين وجدوا أنفسهم فجأة في لهيب النار المشتعلة في المنطقة. والمعلوم أنّ العمليات العسكرية الإيرانية تستهدف – ومنذ اليوم الأول للحرب – قواعد عسكرية أميركية ومنشآت لوجستية مرتبطة بها، إضافة إلى منشآت مدنية وفنادق وبنى تحتية نفطية في عدد من الدول الخليجية.
ولا أعتقد أنّ هذه الشعوب كانت تتصور، ولو بنسبة واحد في المئة قبل الأول من آذار/مارس، أنها ستكون ضمن دائرة الاستهداف، وبخاصة أنّ فلسفة النظم الاقتصادية في الخليج قامت لعقود طويلة على فكرة ترسيخ الاستقرار لجذب الاستثمار ونمو الأعمال. إلا أنّ هذا النموذج الذي اشتغلت عليه دول الخليج بدا وكأنه يتبدد حالياً، خصوصاً أنّ الهجمات الإيرانية المتواصلة أدّت إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى في بعض الدول، ناهيك عن الأضرار المادية قرب منشآت سكنية واتساع دائرة الخوف والقلق في حال استمرار الهجمات وتصاعد وتيرتها.
وفي الحقيقة، يستطيع من يراقب الصحافة الخليجية هذه الأيام أن يرصد حالة السخط الرسمي والشعبي إزاء ما يحصل في سماء هذه الدول أو على أراضيها.

إقرأ على موقع 180  كوكايين مصارف لبنان.. والطوفان الآتي!

الفئة الخامسة: هي الفئة التي يمكن تلخيصها بعبارتي «غير المكترث» أو «اللامبالي»، وهي تكرّر العبارات نفسها عند كل أزمة مفصلية يمر بها العالم العربي. هذه الفئة منسلخة تماماً عن الشأن السياسي أو النشاط العام. وأسباب هذا الانسلاخ تستحق كتابة مقال آخر لسنا بصدده الآن.
لكن هذه الفئة جرى إبعادها عن الشأن العام بأساليب شتى، تبدأ بتكبير وهم التميز الفردي والأنا، وتنمية حب الظهور والانسلاخ عن المحيط الاجتماعي، فيبدو الفرد في هذا المحيط وكأنه يعيش في فقاعة معزولة تماماً عن مجتمعه الصغير (بلده)، ومجتمعه الكبير (محيطه العربي)، والمجال الأوسع (الشرق الأوسط والعالم).
وهذه الفئة ليست غير مكترثة لما يحصل في إيران فحسب، بل قد تكون فئة لبنانية تعيش على الأرض اللبنانية وغير مكترثة لما يحدث في الضاحية الجنوبية أو البقاع أو الجنوب، فقط لأنها تقيم في مناطق بعيدة نسبياً عن مناطق النزاع.
والمنتمون إلى هذه الفئة يُفضّلون عدم الاكتراث كردّة فعل، إما إيماناً منهم بأنهم لا يستطيعون التأثير في “المصائر”، على قاعدة أنّ «ما رُسم قد رُسم»، أو لأنهم لا يرغبون في بناء فعالية سياسية، غير مدركين – أو غافلين – عن أهمية دورهم.
وفي هذا الإطار، جرى إبعاد المواطن العربي عمداً وقصداً عن الفعل السياسي المباشر، بغية ضمان عدم معرفته بالشأن العام، لأن المعرفة – إن تكوّنت – قد تدفعه إلى الانتقال من دائرة الوعي إلى دائرة الفعل، عبر الانخراط في أحزاب وتنظيمات سياسية، وهو أمر تخشاه السلطات في العالم العربي التي تفضّل سلخ الفرد عن دائرة الاهتمامات الوطنية الكبرى، وتمييع القضايا العامة، وتحويلها إلى قضايا فردية، وتسليع الثقافة، والاستثمار في الترفيه. ويساعدها في ذلك منظمات غير حكومية ووسائل إعلامية ونخب ثقافية ومؤثرون، إضافة إلى وجود أرضية خصبة في العالم العربي لاستهلاك كل ما هو قابل للاستهلاك. وكل ذلك يهدف إلى منع تشكّل معرفة سياسية – فكرية لدى الإنسان العربي.

في الخلاصة، يتبيّن أنّ معظم الرأي السياسي العربي المرتبط بتحديد المواقف من الحرب الدائرة حالياً في المنطقة ينطلق من غرائز وانفعالات عاطفية، كامنة كانت أم ظاهرة، في تحديد الموقف السياسي، إذ تغيب القراءات العقلانية المتزنة، وتبدو عملية تسجيل الموقف وكأنها تعبير عن أحقاد أو نكايات سياسية صغيرة.
فمعظم من يصوغون موقفاً حيال المواجهة الإقليمية ينطلقون من خلفيات ومقاربات سياسية ضيقة، أو طائفية بغيضة، أو دينية صرفة، أو عواطف جياشة. وقلة قليلة فقط تبحث وتجتهد وتحلّل وتفكّك.
إن ما يحدث في المنطقة منذ السابع من أكتوبر 2023 يحتّم على الجميع قراءة المشهد السياسي المتغير بحكمة ورويّة، لأن الخطر الإسرائيلي يداهم الجميع: شعوباً ودولاً وأنظمة. فإسرائيل أصبحت قاب قوسين أو أدنى من أن تصبح «الكبرى» في المنطقة. ألا يستوجب هذا تغييراً في أنماط التفكير لدى شرائح واسعة في العالم العربي، بمختلف ألوان طيفه السياسي، سواء أكان إسلامياً أم قومياً أم يسارياً؟

Print Friendly, PDF & Email
عطالله السليم

كاتب وباحث سياسي

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  عباءة غازي كنعان المثقوبة.. وطوائف لبنان المأزومة