النائب اللبناني هادي حبيش أذلّ القضاء، فهل ينتفض؟

الهجوم اللفظي والجسدي الذي نفّذه النائب اللبناني (عن عكار في شمال لبنان) هادي حبيش على القاضية غادة عون، يدخل في خانة "الجرم المشهود" في القانون اللبناني، ما يعني أن لا حصانة نيابية تحمي النائب من التوقيف، وهو ما يضع القضاء اللبناني أمام سؤال مفصلي في "زمن الانتفاضة": هل يستمر في الخضوع لسطوة السياسة، أم يقلب الطاولة على الجميع ويقرر أنه سلطة مستقلة وشجاعة تحمي الوطن وشعبه وتؤدب ساسته إذا أخطأوا.

نحن أمام قضية خطيرة جدا، لماذا؟

أولاً، في قراءة أولية للهجوم اللفظي والتهديد الجسدي اللذين مارسهما النائب هادي حبيش ضد النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضية غادة عون، يمكن رصد كل عبارات القدح والذم لا بل والشتيمة المباشرة أيضا ومنها مثلا:”الزعرنة، فاتحة ميليشيا، تعاطيها ميليشياوي، هي رمز الفساد، شبّيحة، هيدي المرا، خلصونا من ربكن، شوفيرها حرامي، فاتحة كرخانة، بدي ربّيها”. لا فرق بين حبيش في هذه القضية وبين أولئك الذين ينزلون بالعصي لضرب المتظاهرين علانية. نحن امام حالة فلتان صارخة قد تجر الى ما هو أخطر حيال دولة تتهالك يوماً بعد يوم.

ثانياً، لم يخف نائب الأمة المحترم، هدفه من الهجوم وهو الدفاع عن “بنت ضيعتي”، وهو يعني طبعا قريبته رئيس هيئة إدارة السير في لبنان (السيدة هـ. س.) التي أوقفتها القاضية عون بتهم الفساد بموجب قانون الاثراء غير المشروع. كان حبيش يقول ذلك، وهو واقف امام مكتب القاضية، مهدداً متوعداً ومحاطاً بمرافقين (يقبضون رواتبهم من الدولة، على الأرجح) يقولون بزنودهم ما يقوله هو بلسانه، وبوجهه المتجهم الى القاضية عون  التي اختارت ترك مكتبها لحبيش ومرافقيه تحت التهديد:”ما تقوليلو وقح، لا يقال للمحامي هذا الكلام” (كلام أحد المرافقين)، ثم نسمع كلاماً أخطر :”ما حدا يمد ايدو” (على غادة عون).

ثالثاً، هذا نائب أمة يتهجّم على قاضية ويطلب من المصورين ان يصوّروه بهاتفه الشخصي. أي أنه يصفع القضاء ويحقّره علانية برغم انه محام ويعرف القانون. فالمادة 40 من الدستور المعدلة في العام 1927 تقول:”لا يجوز في أثناء دورة الانعقاد اتخاذ إجراءات جزائية نحو أي عضو من أعضاء المجلس (النيابي) او القاء القبض عليه اذا اقترف جرماً جزائياً الا بإذن المجلس ما خلا حالة التلبس بالجريمة (أي الجرم المشهود)، فهل من جرم مشهود أكثر من ذاك الذي تصوره الكاميرات وأمام عشرات الشهود ويتباهى سعادة النائب بأنه مرتكبه؟

بغض النظر عمن يحب غادة عون أو يبغضها، فان ما حصل امام الكاميرات يضع القضاء أم لحظة مفصلية، وليس عنده بالتالي خيارات كثيرة، فإما الخنوع أو الانتفاض كما يحصل في الشوارع والساحات في هذه الأيام

رابعاً، ان ممارسة العنتريات ضد سيدة شبه وحيدة في مكتبها، لا يمت للرجولة بأية صلة. كان يمكن أن يتفهم البعض هذا التصرف الذكوري الاستعلائي التشبيحي، لو أن نائب الأمة جاء يدافع عن فقير أو فلاح أو عامل أو مظلوم منذ سنوات في السجون المزرية للسلطة، لكن أن تكون كل هذه الغزوة لأجل قريبة له ولطي ملف لم تكتمل فصوله بعد ولم تفرج تحقيقاته عن شيء، فهو يخفي ربما أشياء أكثر خطورة.

خامساً، يطرح الأمر أسئلة حول حماية القضاة، خصوصا بعد ان اغتيل عدد منهم مباشرة أمام قوس المحكمة في صيدا وهُدّد كثيرون غيرهم في مراحل كثيرة. فلماذا لم يتدخل أي شخص لحماية سيدة تمارس وظيفتها في مكتبها في قصر العدل في جبل لبنان؟

سادساً، نسمع منذ فترة ان احكام القاضية عون إستنسابية وأنها تستهدف من خلالها خصوم التيار الوطني الحر السياسيين، لكننا نسمع أيضا أن هذه القاضية شجاعة ونزيهة. وبغض النظر عن هذا الرأي أو ذاك، يتساءل المرء: هل الدعم الذي تلقته من قبل نادي قضاة لبنان والمجلس الأعلى للقضاء كان على مستوى ما حصل علانية؟ أم ان أمراض السياسة والخصومات ترتد أيضاً على الجسم القضائي، فيخاف البعض من القضاة ويتردد البعض الاخر ويشمت البعض الثالث ويتدخل البعض الرابع بخجل، بينما مصيبة تهميش القضاء وتحقيره تصيب الجميع؟

سابعاً، هل ستتم في مجلس النواب الكريم مراعاة الحساسيات السياسية، فيُصار الى لفلفة القضية من أجل عدم اثارة فريق سياسي او بعنوان وأد النعرات المذهبية أو الطائفية، أم يبادر تيار المستقبل قبل غيره (كما حصل مع النائب نواف الموسوي بدفعه الى الاستقالة، على الرغم من عدم نسبية التشابه بين القضيتين)، وكذلك يبادر رئيس المجلس قبل غيره الى اتخاذ الاجراءات اللازمة والضرورية، الأخلاقية والقانونية والإنسانية، حيال قضية خطيرة بهذا الحجم؟

ان مواد قانون العقوبات اللبناني خصوصا 388 و389 وغيرهما واضحة لجهة التعامل مع جرم كهذا. وتنص المادة 388 على “الحبس من شهر على الأكثر إذا وُجّهَ (القدح) إلى المحاكم أو الهيئات المنظمة أو الجيش أو الإدارات العامة أو وٌجّهَ إلى موظف ممن يمارسون السلطة العامة من أجل وظيفته أو صفته”. وتنص المادة 389 على الآتي:“التحقير أو الذم الموجَه إلى القاضي دون أن يكون لوظيفته علاقة بذلك، يعاقب عليه بالحبس ستة أشهر على الأكثر”.

بغض النظر عمن يحب غادة عون أو يبغضها، فان ما حصل امام الكاميرات يضع القضاء أم لحظة مفصلية، وليس عنده بالتالي خيارات كثيرة، فإما الخنوع أو الانتفاض كما يحصل في الشوارع والساحات في هذه الأيام. هي فرصة لن تتكرر. كفى تحقيرا لسلطة لا يقوم الوطن بدونها.

سامي كليب

صحافي وكاتب لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy paid course