معركة خنق إيران.. أين تبدأ مصالح الصين وروسيا وأين تتوقف؟

تشتري الصين الحصة الأكبر من صادرات النفط الإيرانية، فيما يمر عبر مضيق هرمز نحو نصف وارداتها من الخام؛ وبين هذين الرقمين تتجاوز معركة واشنطن لخنق الاقتصاد الإيراني حدود المواجهة مع طهران، لتلامس مصالح بكين وموسكو. غير أن ذلك لا يعني أن الصين وروسيا مستعدتان لإنقاذ إيران مهما بلغت الكلفة؛ فبكين تريد نفطها، لكنها تحاذر مواجهة مالية مفتوحة مع واشنطن، فيما ترى موسكو في بقاء إيران دولة مستقلة عن الفلك الأميركي مصلحة استراتيجية، من دون أن ترتبط معها بالتزام دفاعي متبادل. لذلك، ليس السؤال ما إذا كانت الصين وروسيا ستقفان مع إيران، بل أين تقع النقطة التي تصبح عندها كلفة خنق طهران على مصالحهما أكبر من كلفة مساعدتها على الصمود؟

في 24 آب/أغسطس، استهدفت وزارة الخزانة الأميركية أكثر من 60 فرداً وكياناً وسفينة، ضمن شبكات مرتبطة بإيرادات النفط والتكنولوجيا النووية والصاروخية والعمليات السيبرانية الإيرانية. واللافت للانتباه أن الحزمة لم تطل مصرفاً صينياً كبيراً أو مؤسسة نفطية حكومية صينية رئيسية.

من هنا، يمكن القول إن واشنطن لا تزال تركز جانباً مهماً من عقوباتها على حلقات يسهل استهدافها نسبياً، مثل الناقلات والشركات الصغيرة والوسطاء. وهذا يرفع كلفة نقل النفط وتأمينه ويعقّد شبكات البيع، لكنه لا يضمن وقف عائدات طهران ما دامت المصافي الصينية تشتري الخام وتستمر قنوات الدفع البديلة في العمل. أما إذا قررت إدارة دونالد ترامب الانتقال من استهداف المصافي والوسطاء وشبكات الظل إلى فرض عقوبات على أحد المصارف الصينية الكبرى بسبب معاملاته المرتبطة بالنفط الإيراني، فستدخل المواجهة مستوى أكثر خطورة. صحيح أن واشنطن سبق أن عاقبت بنك «كونلون» الصيني عام 2012 بسبب تعاملاته مع مصارف إيرانية خاضعة للعقوبات، لكن استهداف مؤسسة مصرفية صينية كبرى في الظروف الراهنة، وفي ظل حجم التنافس الاقتصادي والمالي بين البلدين، يمكن أن ينقل معركة خنق إيران إلى مواجهة مالية أوسع مع بكين.

ما هي قصة «أباريق الشاي»؟

تبدأ العملية عندما تشتري مصافٍ صينية مستقلة، تُعرف باسم «أباريق الشاي» وتتركز بمعظمها في مقاطعة شاندونغ شرقي الصين، الخام الإيراني بأسعار تقل عن الأسعار المرجعية. وتحصل طهران في المقابل على اليوان أو تستخدم شبكات مالية وتجارية معقدة لتسوية المدفوعات، ثم تنفق جزءاً من هذه العائدات على شراء السلع والآلات الصينية.

واستناداً إلى لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية ـ الصينية، باعت إيران للصين خلال عام 2023 نفطاً بنحو 53 مليار دولار، بينما اشترت منها بضائع بقيمة تقارب 10 مليارات دولار، أي بفارق يناهز 43 مليار دولار. أما في عام 2024، فقدّرت اللجنة قيمة صادرات الخام الإيراني إلى الصين بنحو 46.7 مليار دولار.

لكن هذه الأرقام لا تعني وجود عشرات المليارات من الدولارات في حساب واحد تستطيع طهران التصرف به بحرية. فجزء مهم من التجارة الإيرانية ـ الصينية يمر عبر شبكة معقدة من المصارف الإقليمية وشركات الواجهة والصرافين والحسابات الموجودة في الصين وهونغ كونغ، فضلاً عن ترتيبات تجارية ومالية تهدف إلى الالتفاف على النظام المالي القائم على الدولار. كما أشارت تقديرات إلى استخدام ترتيبات «النفط مقابل البنية التحتية» في جزء من التعاملات.

أي إن عائدات النفط موجودة، لكن قدرة إيران على تحويلها بحرية إلى دولارات أو نقلها عبر النظام المالي الدولي تبقى محدودة بفعل العقوبات الأميركية وخشية المؤسسات المالية من العقوبات الثانوية.

معادلة رابح ـ رابح

ضع في الاعتبار أن التجارة الرسمية بين البلدين بلغت في عام 2025 نحو 9.96 مليارات دولار، فيما قُدرت قيمة النفط الإيراني غير المسجل في بيانات التجارة الصينية بنحو 31.2 مليار دولار، بحسب لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية ـ الصينية، ما يرفع القيمة التقديرية الموسعة للتجارة بين الجانبين إلى نحو 41.2 مليار دولار.

وخلال فترات من عام 2025، استوردت الصين من إيران نحو 1.4 مليون برميل يومياً، بما يعادل قرابة 12% من وارداتها النفطية. غير أن هذه الكميات ليست ثابتة، وقد شهدت تراجعاً حاداً في ظل الحرب وتشديد الضغوط الأميركية؛ إذ أشارت تقديرات أولية في آب/أغسطس 2026 إلى انخفاض الواردات الصينية من الخام الإيراني إلى نحو 534 ألف برميل يومياً، بعدما كانت قد بلغت نحو 1.58 مليون برميل يومياً في وقت سابق من العام.

وقبل وصول الشحنات، تستخدم شبكات تجارة النفط الخاضع للعقوبات مجموعة من الأساليب لإخفاء مصدر الخام، بينها تغيير أسماء الناقلات وأعلامها، وإطفاء أجهزة التعقب أو التلاعب ببياناتها، ونقل الحمولات بين السفن، وإعادة تسجيل بعض الشحنات على أنها قادمة من دول أخرى.

أما الخصم الذي تحصل عليه المصافي الصينية، فلا يمكن تثبيته عند رقم واحد، إذ يتغير تبعاً لظروف السوق وشدة العقوبات ونوع الخام وتكاليف النقل والمخاطر. لكن القاعدة الأساسية تبقى أن النفط الإيراني يباع عادة بخصم عن الأسعار المرجعية، ما يمنح المشترين الصينيين حافزاً اقتصادياً إضافياً.

وهكذا تستفيد الصين من شراء خام أقل سعراً، فيما يعود جزء من العائدات الإيرانية إلى الاقتصاد الصيني من خلال شراء السلع والخدمات.

الصين تشتري أكثر مما تستثمر

صحيح أن الصين لم تتراجع أمام الضغوط الأميركية الرامية إلى عزل إيران، ورفضت علناً قطع علاقاتها التجارية معها، كما تحركت دبلوماسياً للدعوة إلى وقف التصعيد وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، إلا أن هذا الموقف لم يتحول إلى استثمارات صينية في إيران بحجم العلاقات السياسية والاقتصادية المعلنة بين البلدين.

فبكين لا ترغب في الدخول في مواجهة مصرفية مفتوحة مع واشنطن. ولا يقتصر هذا الحذر على تعاملاتها المالية، بل يظهر أيضاً في مستوى استثماراتها داخل إيران؛ إذ تحرص على الاستفادة من النفط الإيراني، من دون أن تتحمل بالضرورة مخاطر الانخراط الواسع في اقتصاد البلاد.

إقرأ على موقع 180  لا تناقض بين استمرار حرب غزة.. والانتخابات الأميركية!

وتشير تقديرات نقلتها «رويترز» إلى أن الاستثمارات الصينية المتراكمة في إيران بقيت محدودة مقارنة بحجم العلاقات التجارية والوعود التي رافقت اتفاق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. كما تقدر بيانات «أميركان إنتربرايز إنستيتيوت» الاستثمارات الصينية التقليدية في إيران منذ عام 2007 بأقل من 5 مليارات دولار.

لكن الصورة ليست جامدة تماماً؛ إذ ظهرت أيضاً ترتيبات غير تقليدية، بينها صيغ تقوم على مقايضة النفط بمشروعات بنية تحتية. وهذا يعني أن الصين لا تمتنع كلياً عن الاستثمار في إيران، وإنما تدير انكشافها الاقتصادي بحذر، بحيث تستفيد من العلاقة من دون أن تجعل أصولاً ضخمة رهينة العقوبات أو المواجهة مع واشنطن.

بعبارة أخرى، تشتري بكين أكثر مما تستثمر، وتدير المخاطر أكثر مما تتصرف بمنطق إنقاذ حليف مهما كان الثمن.

موسكو تفتح الممرات

وإذا كانت الصين تُشكّل السوق الأهم للنفط الإيراني، فإن روسيا تساعد في فتح مسارات إضافية أمام الحبوب والسلع والتعامل بالعملات المحلية، فضلاً عن بحر قزوين وممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب.

كما أدى اتفاق التجارة الحرة بين إيران والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، الذي دخل حيز التنفيذ في أيار/مايو 2025، إلى خفض متوسط الرسوم الإيرانية على السلع الروسية من نحو 16.7% إلى 5.2%، بما يوفر للمصدرين الروس، وفق تقديرات نقلتها «رويترز»، نحو 300 مليون دولار سنوياً.

مع ذلك، تقف العلاقة الروسية ـ الإيرانية عند سقف واضح. فمعاهدة الشراكة الاستراتيجية التي وقعها البلدان عام 2025 لا تتضمن التزاماً بالدفاع المتبادل، وبالتالي لا تلزم موسكو بالدخول في حرب دفاعاً عن إيران. كما أن مصالح البلدين ليست متطابقة في كل المجالات، وخصوصاً أن النفط الروسي والإيراني يتنافسان جزئياً على المشترين أنفسهم في الأسواق الآسيوية.

لذلك تستطيع موسكو مساعدة إيران على توسيع طرق التجارة وتقليل عزلتها وتعزيز قدرتها على الصمود، لكن ذلك يختلف جذرياً عن تقديم ضمانة أمنية مفتوحة أو الدخول في حرب دفاعاً عنها.

الحصار يوجع إيران ولا يكسرها

في المقابل، لا ينبغي التقليل من أثر الضغوط الاقتصادية. فصندوق النقد الدولي يتوقع انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4% خلال عام 2026، فيما يتوقع أن يبلغ متوسط التضخم نحو 68.9%. وهذه أرقام تعكس حجم الضغط الذي يتعرض له الاقتصاد الإيراني في ظل الحرب والعقوبات واضطراب التجارة والطاقة.

ومن الطبيعي أن ينعكس تدهور الاقتصاد مباشرة على حياة الإيرانيين من خلال ارتفاع الأسعار، وتآكل المدخرات، وتراجع فرص العمل، وزيادة صعوبة الحصول على السلع والخدمات. لكن الألم الاقتصادي لا يقود تلقائياً إلى انهيار سياسي؛ إذ يعتمد صمود النظام أيضاً على تماسك مؤسساته الأمنية والسياسية، وقدرته على الحفاظ على حد أدنى من الإيرادات، وعلى حجم الاحتجاجات وقدرة الدولة على احتوائها.

وتقدم التجربة السابقة مثالاً مهماً. فبعد تشديد العقوبات الدولية، انخفضت صادرات النفط الإيرانية من نحو 2.5 مليون برميل يومياً عام 2011 إلى أقل بقليل من 1.3 مليون برميل يومياً عام 2013. ولم يؤد ذلك إلى سقوط النظام، لكنه ساهم، إلى جانب عوامل سياسية واستراتيجية أخرى، في زيادة الحوافز التي دفعت طهران نحو المفاوضات النووية.

وهنا تكمن إحدى مشكلات الرهان على العقوبات بوصفها أداة حاسمة: فهي تستطيع تغيير الحسابات ورفع كلفة السياسات الإيرانية، لكنها لا تضمن مسبقاً النتيجة السياسية التي تريدها واشنطن.

في المحصلة

لا تحتاج الصين وروسيا إلى إيران قوية بلا حدود، ولا تبدوان مستعدتين لدفع ثمن إنقاذها مهما كان الثمن؛ لكنهما، في المقابل، لا مصلحة لهما في انهيارها أو إخضاعها بالكامل لواشنطن. لذلك تؤمّن بكين لطهران سوقاً حيوية لنفطها ومتنفساً مالياً، فيما تفتح موسكو أمامها طرقاً إضافية للتجارة والتكامل الأوراسي، لكن كلتيهما ترسم سقفاً واضحاً لدعمها: الصين تتجنب مواجهة مصرفية مفتوحة مع الولايات المتحدة، وروسيا لا ترتبط بإيران بالتزام دفاعي متبادل.

وهنا تحديداً تبدأ مصالح بكين وموسكو وتتوقف: إبقاء إيران قادرة على الصمود بأقل كلفة ممكنة، لا إنقاذها بشيك مفتوح. فإيران ضعيفة ومحتاجة إليهما يمكن التعامل معها، أما إيران منهارة أو واقعة بالكامل في الفلك الأميركي فتغيّر التوازنات بما يتجاوز حدودها. ولذلك، فإن السؤال الذي سيحكم المرحلة المقبلة ليس مقدار ما تستطيع الصين وروسيا تقديمه لطهران، بل مقدار الضغط الأميركي على إيران الذي يمكنهما تحمله قبل أن تتحول الخسارة الإيرانية إلى خسارة استراتيجية لهما أيضاً.

 

Print Friendly, PDF & Email
علي دربج

باحث ومحاضر جامعي، لبنان

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  حتى إيران.. لم تفك حروف العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية!