عشرون دقيقة هزت سوق النفط!

Avatar18026/04/2020
منذ بداية يوم 20 نيسان/ابريل، كان من الواضح أن السوق النفطية تتجه نحو المتاعب. بين عشية وضحاها، كانت أوامر البيع المحمومة تتدفق إلى السوق، وقد أمكن لأي متداول اتصل بمنصة "نايمكس" في صباح ذلك اليوم أن يرى الكارثة القادمة. بحلول الساعة السابعة صباحاً، بتوقيت نيويورك، انخفض سعر نفط غرب تكساس الوسيط تسليم أيار/مايو بنسبة بنسبة 28 في المئة، ليصل إلى 13.07 دولاراً للبرميل.

على بعد آلاف الأميال، في مدينة شنتشن الصينية، كانت فتاة تبلغ من العمر 26 عاماً، وتدعى أتشيانغ تشن ترصد الوضع على هاتفها المحمول. قبل ذلك ببضعة أسابيع، قامت هي وصديقها بوضع “البيض كله”، البالغة قيمته 10 آلاف دولار، في “سلة واحدة”، يطلق عليها “بنك الصين” الذي تديره الدولة باسم “يوان يو باو” أو “كنز النفط الخام”.

مع اقتراب الليل، بدأت اتشيانغ تستعد لخسارة كل شيء. عند الساعة العاشرة مساءً بتوقيت شنتشن –  العاشرة صباحاً بتوقيت نيويورك – فحصت هاتفها للمرة الأخيرة قبل أن تذهب إلى السرير. كان السعر في تلك اللحظة 11 دولاراً، ما يعني انها خسرت وصديقها نصف مدخراتهما!

بعد أن خلدت وصديقها للنوم، تعمقت الخسارة. سجل السعر بعد سلسلة انخفاضات متلاحقة أدنى مستوى منذ الأزمة المالية الآسيوية في التسعينيات، ومن ثم إلى أدنى مستوى منذ أزمات النفط في السبعينيات، لينتهي إلى مستوى غير مسبوق على الإطلاق، بعدما هوى إلى ما دون الصفر.

وبعد ذلك، وخلال 20 دقيقة، يمكن وصفها بأنها الأكثر استثنائية في تاريخ الأسواق المالية، تحطم السعر إلى مستوى لم يكن من الممكن تصوره.

في كافة أنحاء العالم، بدأ الأمراء السعوديون ومستثمرو النفط الصخري في تكساس والأوليغارشيون الروس يعيشون حالة الرعب، حين أغلقت أهم سلعة في العالم في يوم التداول على سعر 37.63 دولاراً تحت الصفر.

يعني ذلك ببساطة أنه كان يجب على البائع أن يدفع لشخص ما لكي يتخلص من برميل النفط الذي بين يديه!

لا تزال العديد من الأمور حول طبيعة عمليات البيع المفاجئة التي قادت إلى ذلك الانهيار السريع في ذلك اليوم غير مفهومة تماماً، بما في ذلك حجم الدور الذي لعبه صندوق “كنز النفط الخام” الصيني أثناء سعيه للخروج من عقود أيار/مايو قبل ساعات من انتهاء صلاحيتها (وهي الحالة التي وجد مستثمرون آخرون أنفسهم فيها).

 ما هو واضح، على الرغم من ذلك، هو أن ذلك اليوم شهد ذروة الأزمة الأكثر تدميراً لسوق النفط، نتيجة لجفاف الطلب، بعدما  قامت الحكومات في جميع أنحاء العالم بإغلاق اقتصاداتها في محاولة لإدارة جائحة الفيروس التاجي.

بالنسبة إلى صناعة النفط، كانت تلك لحظة رمزية قاتمة: تبيّن أن الوقود الأحفوري الذي ساعد في بناء العالم الحديث، والذي بات معروفًا باسم “الذهب الأسود”، لم يعد الآن أصلاً بل التزاماً!

يقول كيث كيلي، العضو المنتدب في مجموعة الطاقة التابعة لشركة “كومباني فينانسيير تراديشن”، وهي شركة وساطة رائدة: “الأمر كان مطيّراً للعقل… هل يمكنك أن تصدق ما تراه؟ هل تخدعك عيناك؟”.

في حين أن الأسعار السلبية للغاية يوم الاثنين كانت محدودة إلى حد كبير في الولايات المتحدة، ولا سيما انها اقتصر على عقد “دبليو تي أي” تسليم أيار/مايو، إلا أن العالم شعر بموجات الصدمة، حيث أدت التأثيرات العكسية إلى انخفاض الأسعار العالمية إلى أدنى مستوى لها منذ أواخر التسعينيات.

كانت تلك لحظة رمزية قاتمة: تبيّن أن الوقود الأحفوري الذي ساعد في بناء العالم الحديث، والذي بات معروفًا باسم “الذهب الأسود”، لم يعد الآن أصلاً بل التزاماً!

لا يزال التجار يتعقبون مجموعة من العوامل التي أدت إلى الانهيار. ووفقاً لأشخاص مطلعين على المسألة، فإن الجهات التنظيمية تدقق في المسألة.

بالنسبة إلى المستثمرين الصغار في آسيا، مثل أتشيان، كان ما حصل أكثر من مجرّد صدمة.

استيقظت الشابة الصينية على رسالة نصية عند الساعة السادسة صباحاً من “بنك الصين” تخبرها بأنها لم تفقد مدخراتها فحسب، بل أنها وصديقها قد أصبحا مدينين بالفعل.

تقول أتشيانغ “عندما رأينا أن سعر النفط بدأ ينخفض، كنا مستعدين لتقبل حقيقة أن أموالنا قد اختفت”، لكنها لم تفهم ما كان ينتظرهما: “لم يخطر في بالنا أننا يجب أن نتنبّه إلى أسعار العقود الآجلة في الخارج، والمفهوم الكامل لتداول العقود”.

في الإجمال، كان حوالي 3700 مستثمر تجزئة في صندوق “كنز النفط الخام” التابع لـ”بنك الصين”، قد خسروا بشكل جماعي حوالي 85 مليون دولار .

في وقت لاحق، بدا أن أحداث الاثنين الأسود ستلاحق المستثمرين الأميركيين الصغار الذين اتبعوا الرهان ذاته، الذي سبق أن اتبعته أتشيانغ، عن طريق عمليات الشراء في صناديق النفط الأميركية المتداولة في البورصات، على غرار صندوق “يو أس أو”.

هذا الصندوق، الذي صبّ فيه المستثمرون 1.6 مليار دولار في الأسبوع السابق، لم يشمل التداول فيه خام غرب تكساس الوسيط في ذلك اليوم، ومع ذلك، فإنّ ما جرى أثار رد فعل متسلسلاً في السوق طال أولئك المستثمرين أيضاً.

ثمة مفارقة في هذا السياق، وهي أن سيناريو السعر دون الصفر كان خياراً محتملاً في بعض أوساط السوق النفطية. على سبيل المثال، يوم الأربعاء 8 نيسان/أبريل أبلغت “سي أم إي غروب إنك”، التي تمتلك بورصة النفط والعقود الآجلة، العملاء بأنها “مستعدة للتعامل مع وضع الأسعار الأساسية السلبية في عقود الطاقة الرئيسية”.

في نهاية ذلك الأسبوع، أعلنت الدول المنتجة بقيادة السعودية وروسيا عن خطة الاستجابة للأزمة القائمة: صفقة لخفض الإنتاج بمقدار 9.7 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل عشرة في المئة من الإنتاج العالمي. لكن ذلك لم يكن كافياً، فقد بدأت المصافي بالإغلاق، واختفى مشترو شحنات النفط للتسليم الفوري في الأسواق المادية.

ومع ذلك، ظلت أسعار العقود الآجلة ثابتة لفترة من الوقت. كان ذلك جزئياً بفضل أشخاص مثل أتشيانغ في الصين، إذ راهن المستثمرون الكبار والصغار على ارتفاع الاسعار، معتقدين أن العالم سيتغلب على فيروس “كورونا”، وأن الطلب سوف يرتد مجدداً.

نشرت فروع “بنك الصين” إعلانات تظهر صورة للبراميل الذهبية من النفط تحت عنوان “النفط الخام أرخص من الماء”!

ولكن بحلول يوم الاثنين 20 نيسان/أبريل، انقلبت معظم صناديق الاستثمار في موقفها من عقد خام غرب تكساس الوسيط، واختارت الانتقال إلى عقد الشهر التالي.

تتم تسوية العقود الآجلة عن طريق التسليم الفعلي، وفي ما يتعلق بعقود خام غرب تكساس، فإنّ هذه التسوية المادية تجري في كوشينغ في أوكلاهوما، ومع امتلاء صهاريج التخزين هناك، ينخفض سعر العقد المنتهي وينفصل عن سعر السوق العالمية.

بسبب تراجع الطلب على النفط الخام، ارتفعت المخزونات في كوشينغ. في آذار/مارس ونيسان/أبريل، ارتفع التخزين بنسبة 60 في المئة ليصل إلى 60 مليون برميل من إجمالي القدرة التشغيلية (76 مليون برميل)، ويعتقد المحللون أن معظم القدرة التخزينية المتبقية محجوزة بالفعل.

لذلك، في يوم الاثنين الحاسم، وهو اليوم قبل الأخير للتداول في عقد خام غرب تكساس لشهر أيار/مايو، كان هناك عدد قليل من المتداولين القادرين على اتمام عملية التسليم الفعلي.

بعد ظهر ذلك اليوم، ومع تضاعف حجم التداول وتفوق عدد البائعين على المشترين، انتقلت عقود التداول عند التسوية بسرعة إلى الحد الأقصى المسموح به للحسم، وهو 10 سنتات للبرميل. لمدة ساعة تقريباً – بين 1:12 و 2:17 بعد الظهر – تم التداول في كافة العقود تقريباً، ولم يكن هناك مشترون. حينها وقعت المذبحة: في تمام الساعة 2:08 بعد الظهر، تحول خام غرب تكساس الوسيط سلبياً، وبعد ذلك بدقائق غرق إلى أدنى سعر (40.32 دولاراً تحت الصفر) قبل أن يرتد قليلاً عند الإغلاق.

يقول ديفيد غرينبرغ ، رئيس “ستيرلينغ كوموديتيز” وعضو سابق في مجلس إدارة “نايمكس” إن ما حدث كان “فشل التداول في آلية التسوية”، مشيراً إلى أنه “أظهر كذلك هشاشة سوق غرب تكساس الوسيط، وهي ليست كبيرة كما يعتقد الناس”.

علاوة على ما سبق، انخفضت الأسعار في السوق المادية الأميركية، التي تم تحديدها بالرجوع إلى تسوية خام غرب تكساس الوسيط، حيث قامت بعض شركات التكرير وشركات خطوط الأنابيب بنشر الأسعار لمورديها عند ناقص 54 دولاراً للبرميل.

ينبّه “بنك الصين” عملائه إلى مخاطر التحرك دون الصفر، ويطالب المستثمرين، مثل أتشيانغ، مسبقاً بتحمل المسؤولية الكاملة تجاه ما يشترونه. من الناحية النظرية، يعني ذلك ان موقف البنك خالٍ من المخاطر، ولكن الأمر من الناحية العملية ليس كذلك، فإذا ما انخفضت الأسعار إلى ما دون الصفر، لن يكون هناك ما يكفي من المال في حسابات المستثمرين لتغطية الخسائر.

وبحسب مصدر مطلع على الموضوع، فإن لدى البنك تعاملات بنحو 1.4 مليون برميل من النفط، أو 1400 عقد، وقد انتهى الأمر بدفع 400 مليون يوان ( 56 مليون دولار) لتسوية العقود.

في جميع أنحاء العالم، واجه مستثمرون آخرون مخاطر مماثلة. يمكن أن يصيب الإفلاس الصناديق المتداولة في البورصة إذا انخفض سعر العقود التي أبرمتها إلى ما دون الصفر. في مواجهة هذا الاحتمال، قامت هذه الصناديق بتحويل جزء كبير من الحيازات إلى أشهر التسليم اللاحقة، فيما  منع بعض الوسطاء العملاء من فتح تعاملات جديدة في عقد حزيران/يونيو.

أثارت التقلبات موجة جديدة من البيع التي اجتاحت أسواق النفط. يوم الثلاثاء، انخفض عقد خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 68٪ إلى أدنى مستوى عند 6.50 دولارات للبرميل. هذه المرة لم تقتصر الخسارة على العقود الأميركية، فقد انخفضت العقود الآجلة لخام برنت، التي سجلت أدنى مستوى لها منذ 20 عاماً (15.98 دولاراً  للبرميل يوم الأربعاء) ما دفع سعر النفط الروسي ونفط الشرق الأوسط وغرب إفريقيا إلى مستويات قريبة من الصفر.

هارولد هام، رئيس “شركة كونتيننتال ريسورسز”، دعا إلى فتح تحقيق في ما جرى، قائلاً إن الهبوط الدراماتيكي في الدقائق الأخيرة يوم الاثنين “يثير بقوة الشك في أن ثمة تلاعباً بالسوق قد حصل”.

في لجنة تداول السلع الآجلة، أصبح تفريغ ما حدث خلال تلك الدقائق الأخيرة من التداول يوم 20 نيسان/أبريل يمثل أولوية قصوى. وفقًا لمصادر متابعة، فإنّ المراجعات والتحقيقات في ما حدث بدأت سريعاً، وحتى الآن، يعتقد كبار المسؤولين أن هذه التقلبات حصلت على الأرجح نتيجة التقاء العوامل الاقتصادية وعوامل السوق، وليس نتيجة للتلاعب بالسوق.

وقال مصدران آخران إن المشكلة التي تستكشفها لجنة تداول السلع الآجلة هي ما إذا كانت بيانات سعة التخزين التي نشرتها إدارة معلومات الطاقة الأميركية تعكس بدقة التوافر الفعلي لمستوى التخزين.

وفقاً لرئيس لجنة تداول السلع الآجلة هيث تاربرت، فإنّ السعر السلبي الذي تم فيه تداول العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط متجذر في تحديات العرض والطلب الأساسية إلى جانب الميزات الخاصة لهذا المنتج الآجل.

ومع ذلك، أكد تاربرت أن اللجنة تجري فحصاً عميقاً لفهم سبب تحرك سعر خام غرب تكساس الوسيط بتلك السرعة وبذلك المستوى.

أيا كان الأمر، فإنّ أحداث الأسبوع الذي يمضي غيّرت سوق النفط إلى الأبد.

يقول تاماس فارجا، المحلل في شركة الوساطة “بي في أم”: لقد كنا شهوداً على التاريخ… من أجل استقرار سوق النفط، لا ينبغي السماح بحدوث ذلك مرة أخرى”.

“بلومبرغ” – ترجمة “180”

Avatar

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
online free course