هل تُحسم حربُ إيران في صناديق الانتخابات النصفية الأميركية؟

نادراً ما يُربط مسار حرب مفتوحة بموعد انتخابي محدد؛ فالحروب، في منطق الاستراتيجية، يفترض أن تحكمها موازين القوى في الميدان، ومدى تحقق الأهداف السياسية والعسكرية، وشروط التسوية الممكنة، لا روزنامة الاقتراع.

غير أن الرئيس الاميركي دونالد ترامب أدخل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، المقررة في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، مباشرة في خطابه عن الحرب مع إيران، حين قال إنها قد تنتهي قبل الانتخابات، لكنها ستنتهي «مباشرة بعدها» إذا لم يحدث ذلك (قال لاحقاً لـ”أكسيوس” إن الولايات المتحدة تقترب من “منعطف حاسم” و”قرار مصيري كبير” في الحرب مع إيران). وهكذا لم يعد السؤال متعلقاً فقط بما إذا كانت واشنطن قادرة على تحقيق أهدافها العسكرية أو دفع طهران إلى تسوية، بل أيضاً بما إذا كان الزمن الانتخابي الاميركي قد أصبح واحداً من العوامل التي تضبط إيقاع الحرب نفسه؟

ويكشف هذا الربط الصريح أن البيت الأبيض بات يدير العمليات الحربية بموازاة روزنامة انتخابية فرضتها معركة الحفاظ على الأغلبية الجمهورية في الكونغرس. كما يطرح هذا الخطاب تناقضاً استراتيجياً ظاهراً؛ فإذا كانت إيران قد استُنزفت ولم تعد قادرة على الصمود، فإن ترحيل “الحسم”، سلماً أم حرباً، إلى ما بعد الاقتراع يكشف عن فجوة بين الخطاب السياسي الموجه للداخل والواقع الميداني المعقد.

​أولاً: تقاطع الأجندات والتوظيف الانتخابي

لا تقتصر الحسابات الانتخابية المؤثرة في مسار الحرب على واشنطن، بل تتقاطع مع روزنامة سياسية لا تقل تعقيداً في تل أبيب، حيث تسبق الانتخابات الإسرائيلية (27 تشرين الأول/أكتوبر 2026) الانتخابات النصفية الأميركية ببضعة أيام فقط. من جهة، تريد تل أبيب التصعيد في كل الجبهات المفتوحة لتحقيق صورة نصر يستثمرها بنيامين نتنياهو في صناديق الإقتراع؛ من جهة ثانية، هذه الصورة المُشتهاة إسرائيلياً تتناقض مع مصلحة ترامب الذي يُفضل تفادي انفجار شامل يرفع أسعار الوقود قبل تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

ينعكس التوظيف الإنتخابي على مستوى البيت الأبيض، في ثلاثة أبعاد رئيسية:

1-​استغلال الملف الخارجي: إعادة توجيه النقاش العام بعيداً عن كلفة المعركة، وتصوير التصويت للديموقراطيين وكأنه “مكافأة لطهران”.

​2-إدارة أزمة الطاقة: تقديم وعود مؤجلة بربط الاستقرار الاقتصادي وتراجع أسعار النفط (بعد تجاوز برنت عتبة 100 دولار) بمرحلة ما بعد الاقتراع.

3-​استيعاب الحزب الجمهوري: احتواء التباين الداخلي بين التيار المنادي بالتصعيد والصقور المعارضين للحروب المفتوحة، برسم أفق زمني محدد للمواجهة.

​ثانياً: واقع الميدان وتعقد معادلات الصمود

​تخضع الاستراتيجية العسكرية لتعقيدات تتجاوز الرغبات الانتخابية؛ وأبرزها غموض الهدف النهائي بين فتح مضيق هرمز أو تقليص القدرات النووية أو شل البرنامج الصاروخي أو الحد من النفوذ الإقليمي، ما يجعل تعريف “النصر” مطاطاً. وفي المقابل، تعتمد إيران استراتيجية استنزاف غير متكافئة باستخدام الصواريخ والمسيّرات ورفع كلفة الشحن والتأمين عالمياً، مراهنة على عامل الوقت لإرباك الحسابات الانتخابية الأميركية.

​ويتفاقم هذا الخطر مع تشابك الممرات البحرية ومسارات الطاقة:

1-​مضيق هرمز: المعبر الرئيسي لنحو 20% من إمدادات النفط العالمية وسط اضطراب حركة الناقلات.

​2-باب المندب: صلة الوصل الحيوية بين البحر الأحمر والمحيط الهندي.

3-​المسارات البرية: تعرض البدائل كخط شرق-غرب السعودي (الذي ينقل عادة بين 4 و5 ملايين برميل يومياً) لمخاطر الهجمات المباشرة.

هذه التعقيدات الميدانية تكشف التناقضات الحاكمة للخطاب السياسي، حيث يتناقض الادعاء بأن طهران على وشك الانهيار مع منحها مهلة تمتد لما بعد الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن استمرار القتال يسرّع استنزاف المخزونات الوقائية الاستراتيجية ويزيد الضغط على الأسواق العالمية.

​ثالثاً: السيناريوهات المتوقعة والانعكاسات على لبنان

​تتراوح مسارات المواجهة المقبلة بين عدة سيناريوهات:

1-​استنزاف مضبوط حتى الاقتراع (ترجيح مرتفع): البقاء ضمن ضربات متبادلة تُبقي كلفة الحرب تحت السيطرة الانتخابية.

​2-تفاهمات تكتيكية عبر الوسطاء (ترجيح متوسط): التوصل لتهدئة غير معلنة في الممرات المائية لتأمين الملاحة.

3-​تسوية مشروطة بالنتائج (ترجيح متوسط): الانخراط في مفاوضات مباشرة بعد تشرين الثاني/نوفمبر بناءً على خريطة توزيع مقاعد الكونغرس.

4-​توسع إقليمي غير محسوب (خطر قائم): وقوع خطأ في التقدير يدفع نحو حرب واسعة النطاق.

​وفي قلب هذه المعادلة، يجد لبنان نفسه متأثراً بشكل مباشر؛ حيث تتزايد مخاطر تصعيد وتيرة الضربات الإسرائيلية أو إطالة أمد العمليات لتلبية المقتضيات الانتخابية في تل أبيب، مع ما يرافقه من ضغط اقتصادي ومعيشي مباشر جراء ارتفاع أسعار المحروقات، وتجميد مشاريع إعادة الإعمار بانتظار اتضاح نتائج صناديق الاقتراع الإقليمية والدولية.

​خلاصة

أية مراهنة على إنهاء صراع إقليمي مركب بمعيار التقويم الانتخابي الأميركي تنطوي على مخاطرة استراتيجية كبرى؛ إذ يمارس البيت الأبيض نوعاً من “الوهم السياسي” حين يقتنع بقدرته على تجميد الميدان عند مستوى احتواء مضبوط حتى صباح الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر. فالصراع يتجاوز الإرادة الأميركية المباشرة، لتحضر فيه حسابات تل أبيب، واستراتيجية التكيف الإيرانية، وتعقد المعادلة الميدانية في لبنان وخريطة الملاحة الدولية.

​كما أن جعل مهلة الاقتراع معياراً معلناً يتحول تلقائياً إلى نقطة ضعف تمنح الخصوم حافزاً لرفع كلفة الاستنزاف وتصعيد الضغط على سوق الطاقة؛ وبالتالي يُمكن القول إن الانتخابات النصفية للكونغرس لن تكون مفتاحاً سحرياً لإيقاف المحركات العسكرية بل مجرد محطة لإعادة ترتيب الأوراق، حيث إن إنهاء هذا الصراع يقتضي تسوية إقليمية ودولية متوازنة تعالج الملفات الجوهرية، بعيداً عن رهن قرار الحرب والسلم بالأجندات الحزبية الضيقة.

إقرأ على موقع 180  باسيل مقابل الحريري.. والطرق تفتح قريباً

Print Friendly, PDF & Email
هشام الأعور

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  بعد أفغانستان: أوروبا تتكل على الذات.. و"الناتو" مسألة وقت