الانتهازية الطبقية.. نموذج انقلاب بعض النخب السورية

ليس خافياً أن بعض النخب الفنية والثقافية التي استفادت من مؤسسات الدولة السورية في ظل النظام السابق، تبدو اليوم وكأنها انتقلت بسرعة إلى الموقع السياسي والأخلاقي المقابل. ليس اللافت للانتباه هنا مجرد تغيير الموقف؛ فالسياسي أو المثقف قد يراجع نفسه ويكتشف خطأ قناعاته السابقة. ما يستحق التوقف هو أن التحول، في بعض الحالات، يبدو أكبر من مجرد مراجعة فكرية: ثمة إعادة تموضع في ظل تغير ميزان القوة، تترافق مع إعادة كتابة للماضي الشخصي وتبدل في المعايير الأخلاقية نفسها.

من هذه الزاوية، يبدو لي أن مفهوم الانتهازية يستحق أن يحتل موقعاً مركزياً في تفسير الظاهرة، لا باعتباره حكماً أخلاقياً جاهزاً على الأشخاص، بل باعتباره مفهوماً سياسياً وطبقياً: أي استعداد الفرد للتخلي عن قناعة أو موقف عندما يصبح التمسك به مكلفاً، حفاظاً على موقعه ومكانته ومصالحه داخل منظومة اجتماعية تتغير.

فالنخبة الفنية والثقافية ليست طبقة بالمعنى الصارم، لكنها ليست منفصلة عن العلاقات الطبقية أيضاً. فجزء مهم منها ينتمي إلى شرائح من الطبقة الوسطى المدينية والفئات المهنية والتعليمية التي ارتبط صعودها الاجتماعي والمهني، بدرجات مختلفة، بمؤسسات الدولة والثقافة والإعلام والتعليم والمهن الحرة. وقد وفرت الدولة السابقة لهذه الفئات فرصاً للعمل والظهور والاعتراف، وأتاحت لبعض أفرادها الانتقال إلى مواقع اجتماعية وثقافية أكثر ارتفاعاً.

ولا يعني ذلك أن كل من عمل في مؤسسات الدولة كان تابعاً لها، أو أن كل علاقة بها كانت علاقة انتهازية. لكن يعني شيئاً أكثر أهمية: أن الموقع الاجتماعي لهذه النخب لم يكن منفصلاً عن بنية السلطة التي كانت قائمة.

وعندما انهارت تلك البنية، تغيرت شروط الحفاظ على الموقع. ما كان بالأمس مصدراً للمكانة أصبح عبئاً، وما كان يمنح الشرعية أصبح مصدراً للخطر الرمزي. وفي المقابل، ظهر نظام جديد لإنتاج الاعتراف: قوى سياسية جديدة، مؤسسات جديدة، جمهور جديد، وسائل إعلام جديدة، وخطاب ثقافي جديد.

وهنا تبدأ عملية إعادة التموضع. قد يبدو الأمر في ظاهره تحولاً في الأفكار، لكنه قد يكون في جوهره تحولاً في علاقة النخبة بمصادر القوة والاعتراف.

الفنان الذي كان يستطيع أن يحافظ على مكانته من خلال قربه من المؤسسة القديمة يجد أن هذا القرب أصبح عبئاً. أما الانخراط في السردية الجديدة فيمنحه فرصة لاستعادة مكانته أو الحفاظ عليها. وهنا تصبح المصلحة الاجتماعية عاملاً ضاغطاً على القناعة.

لا يحتاج الفرد إلى أن يقول لنفسه: «سأغير موقفي كي أحافظ على مكاني». الإنسان نادراً ما يصوغ دوافعه بهذه الطريقة الفجة. العملية أكثر تعقيداً: تتغير البيئة المحيطة به، فيبدأ بتغيير لغته؛ ثم تتغير لغته، فتتغير تفسيراته؛ ثم تتكيف قناعاته مع هذه التفسيرات؛ وفي النهاية يصبح قادراً على النظر إلى موقفه الجديد باعتباره موقفاً مبدئياً كان موجوداً فيه، أو كان كامناً داخله، منذ البداية.

وهنا تدخل الآلية النفسية. فالإنسان لا يحب أن يرى نفسه انتهازياً. إنه يحتاج إلى الاعتقاد بأنه يتصرف وفق مبادئ، حتى عندما تكون مصالحه حاضرة بقوة في تحديد سلوكه. ولذلك قد تقوم النفس بعملية معقدة لتحويل المصلحة إلى قناعة، والتكيف إلى مبدأ، والانقلاب السياسي إلى «اكتشاف للحقيقة».

هذه هي وظيفة التنافر المعرفي. فكيف يستطيع شخص كان يدافع عن النظام السابق بالأمس أن يرى نفسه اليوم مناضلاً ضد ذلك النظام من دون أن يواجه تاريخ مواقفه؟ الحل بإعادة تفسير الماضي. لم أكن مؤيداً للنظام، بل كنت أدافع عن الدولة. لم أكن قريباً من السلطة، بل كنت أعمل في مجالي. لم أكن مقتنعاً بكل سياساتها، وإنما كنت أتصرف وفق الظروف. وهكذا يصبح الماضي شيئاً يمكن الاحتفاظ به من دون تحمل مسؤوليته كاملة.

لكن المسألة لا تتوقف عند إعادة تفسير الماضي. فحين يصبح الموقف الجديد مصدراً للمكانة والاعتراف، قد يبدأ صاحبه في المبالغة في إعلان القطيعة مع الماضي. وكلما كان ارتباطه السابق بالسلطة أكبر، ربما ازدادت حاجته إلى إثبات أنه أصبح جزءاً أصيلاً من الشرعية الجديدة.

وهنا يمكن أن نفهم ظاهرة تبدو للوهلة الأولى غريبة: لماذا يصبح بعض الذين كانوا قريبين من النظام القديم أشد حماسة في إدانته بعد سقوطه من أشخاص كانوا يعارضونه منذ البداية؟

لأن التحول لا يحتاج فقط إلى تغيير الموقف، بل يحتاج أحياناً إلى محو آثار الموقف السابق. إنها عملية تطهير رمزي: لكي أضمن موقعي داخل النظام الجديد، ينبغي أن أبرهن على أنني قطعت كل صلة بالنظام القديم. ومن هنا يصبح الانقلاب أكثر من موقف سياسي؛ يصبح إعادة إنتاج للذات.

وهنا تبرز أهمية غرامشي وبورديو معاً. غرامشي يلفت النظر إلى أن الهيمنة لا تقوم بالقوة وحدها، بل تحتاج إلى إنتاج منظومة من الأفكار والقيم والمعاني التي تجعل النظام الجديد يبدو مشروعاً وطبيعياً. ويوضح بورديو كيف تعمل الحقول الثقافية من خلال أشكال مختلفة من رأس المال، ومنها رأس المال الثقافي والرمزي: الشهرة، المكانة، الاعتراف، العلاقات، القدرة على الوصول إلى المنابر والمؤسسات.

وعندما تتغير السلطة، يتغير توزيع هذا الرأسمال. لذلك قد لا يكون السؤال بالنسبة إلى بعض أفراد النخبة: «ما الحقيقة؟» فقط، وإنما أيضاً، ولو بصورة غير واعية: أين يوجد مستقبلي؟ ومن يمنحني الاعتراف؟ وما الخطاب الذي يسمح لي بالحفاظ على موقعي؟ وهنا تصبح الانتهازية ذات جذور اجتماعية، لا مجرد عيب فردي فقط.

إقرأ على موقع 180  دولتان.. لا تكونان

فالانتهازي ليس بالضرورة شخصاً شريراً يجلس ويحسب أرباحه وخسائره بوعي كامل. قد يكون شخصاً يتكيف مع النظام الجديد إلى درجة أن وعيه نفسه يبدأ بإنتاج المبررات التي تجعل هذا التكيف يبدو له أخلاقياً. وهذه هي أخطر أشكال الانتهازية: أن ينجح الإنسان في إخفاء المصلحة عن نفسه قبل أن يخفيها عن الآخرين.

لكن الأمر يصبح أكثر خطورة عندما ينتقل من المجال السياسي إلى المجال الأخلاقي. إذا كانت الحرية مبدأ، فإنها لا تتجزأ. وإذا كان قتل المدنيين جريمة، فلا ينبغي أن تتغير قيمة الجريمة بتغير هوية القاتل أو الضحية. وإذا كان الدفاع عن المدنيين قيمة إنسانية، فلا يجوز أن يصبح الدفاع عنهم انتقائياً تبعاً لموقعهم من الصراع. غير أن الاستقطاب السياسي قادر على إنتاج ما يمكن تسميته انتقائية التعاطف. فالضحية التي تنتمي إلى الجماعة التي نؤيدها تظل إنساناً كاملاً في وعينا؛ أما الضحية التي تنتمي إلى الجماعة التي نعارضها فقد تتحول إلى «جزء من المشكلة»، أو «ضحية جانبية»، أو «نتيجة مؤسفة للانتقال».

وهنا تكشف الأحداث المأساوية عن حقيقة المواقف أكثر مما تكشفه الخطب والشعارات.

فإذا كان قتل المدنيين في الماضي دليلاً على “الوحشية”، ثم أصبح القتل نفسه في ظل السلطة الجديدة أمراً يمكن تبريره أو تجاهله، فإن الذي تغير ليس الواقع فقط؛ لقد تغير المعيار الأخلاقي نفسه. وهنا يصبح السؤال قاسياً: هل كانت المبادئ التي رفعتها هذه النخب مبادئ حقيقية، أم كانت صالحة ما دامت لا تهدد موقع أصحابها؟

إن المبدأ لا يُختبر عندما يكون في مصلحة صاحبه. المبدأ يُختبر عندما يصبح الدفاع عنه مكلفاً.

ومن هنا فإن الخلفية الطبقية لهذه النخب مهمة جداً. فالشرائح التي بنت مكانتها من خلال الدولة أو من خلال الحقل الثقافي المرتبط بها قد تجد نفسها، عند انهيار النظام، أمام ضرورة الحفاظ على رأس مالها الاجتماعي والرمزي. وإذا كان ذلك يتطلب إعادة تعريف الذات، فإن الأيديولوجيا قد تأتي لتؤدي وظيفة التبرير. بمعنى آخر: المصلحة لا تنتج دائماً خطاباً واعياً عن المصلحة؛ كثيراً ما تنتج خطاباً أخلاقياً يخفي المصلحة عن صاحبها نفسه.

وهذا لا يعني أن كل فرد من هذه النخب تحركه الحسابات نفسها، ولا أن كل تغيير في الموقف السياسي انتهازي. لكنه يعني أن التفسير الذي يتجاهل الموقع الطبقي وعلاقة النخبة بمصادر القوة والاعتراف يبقى تفسيراً ناقصاً.

فالتحول الجماعي والسريع في الخطاب لا يمكن فهمه فقط من خلال «اكتشاف الحقيقة» الفردي. عندما يتحول المناخ السياسي بأكمله، وتتغير مراكز القوة، وتتغير معه شبكات الاعتراف والمصالح، يصبح من الضروري النظر إلى التحول باعتباره ظاهرة اجتماعية تتجاوز وعي الأفراد.

وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأكثر دلالة ليس: لماذا غير هؤلاء مواقفهم؟ بل: ماذا كان سيحدث لو لم يغيروها؟ هل كانوا مستعدين لخسارة مكانتهم؟ منابرهم؟ علاقاتهم؟ حضورهم العام؟ فرصهم المهنية؟ اعتراف الوسط الثقافي بهم؟ هنا تحديداً يمكن قياس عمق القناعة. لأن من السهل أن تكون مع المبدأ عندما يكون المبدأ مربحاً، لكن الصعوبة تبدأ عندما يصبح المبدأ مكلفاً. وهذه الأسئلة لا تسري فقط على “النموذج السوري” بل على معظم النماذج الديكتاتورية حيث تكون هذه النخب أمام خيارات من نوع “الاستيعاب” أو “التكيف السلطوي” أو “الإمتثال” أو “التواطؤ” أو “الادماج السلطوي” وهي أعمق مرحلة تصبح فيها النخب جزءاً لا يتجزأ من مؤسسات النظام وشبكات انتاج الشرعية.

من هذه الزاوية، لا تكشف التحولات السياسية فقط من كان مع النظام ومن كان ضده؛ إنها تكشف أيضاً مقدار الاستقلال الحقيقي للنخبة عن السلطة، ومقدار ما كانت تسميه قناعة بينما كان مرتبطاً في الواقع بموقع اجتماعي ومصلحة طبقية ورأس مال رمزي.

وفي هذا المعنى، فإن بعض النخب لا تنتقل بالضرورة من الاستبداد إلى الحرية؛ قد تنتقل من مركز قوة إلى مركز قوة آخر، ومن منظومة هيمنة إلى منظومة هيمنة جديدة، ثم تعيد تسمية هذا الانتقال كله «تحرراً».

أما الموقف المبدئي الحقيقي، فهو الذي لا يتغير بتغير موقع السلطة، ولا يتبدل معيار العدالة بتبدل هوية المنتصر والمهزوم. فالاختبار الحقيقي للمثقف ليس أن يعرف كيف يقف مع المنتصر، وإنما أن يستطيع أن يقف ضد المنتصر عندما ينتهك المبدأ الذي يدّعي الإيمان به.

وهنا فقط يمكن التمييز بين المراجعة الفكرية الصادقة والانتهازية: الأولى تغيّر موقف الإنسان لأنها اكتشفت خطأً في الفكرة؛ أما الثانية فتغيّر الفكرة لأنها أصبحت عقبة أمام الموقع.

(*) اللوحات الأربع المرفقة مع النص للفنان التشكيلي السوري يوسف عبدلكي

 

Print Friendly, PDF & Email
طنوس شلهوب

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني مقيم في كندا

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  ما بعد الجامعة العربية: حرب إيران وإعادة تشكيل جيوبوليتيك غرب آسيا