«أنتم مجرد ضيوف».. مَن يملك أمريكا؟

قبل عشرين عامًا، لخّص مشهد سينمائي قصير، استغرق أقل من دقيقة واحدة، معضلة معنى أن تكون أمريكيًا، من خلال التطرق إلى تعقيدات الهوية الأمريكية والصراع عليها وحولها في أوضح صورها، وهو الصراع المستمر والملازم لمسيرة الدولة الأمريكية ذاتها منذ تأسيسها قبل 250 عامًا.

عُرض فيلم “الراعي الصالح” (Good Shepherd) عام 2006، وأخرجه روبرت دي نيرو، الممثل الأمريكي الشهير ذو الأصول الإيطالية الكاثوليكية، ويدور حول مكافحة التجسس في أوج الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في ستينيات القرن الماضي. ولعب الممثل مات ديمون دور البطولة، متقمصًا شخصية ضابط شديد الالتزام في وكالة الاستخبارات المركزية، يمثل بصورة أكبر فئة «الأنجلوساكسون البيض البروتستانت» (WASP)، وهي مجموعة من أصول بريطانية أو شمال أوروبية، وكان لها التأثير الأكبر في تأسيس الدولة الأمريكية.

وجاء الحوار بين ضابط الاستخبارات وأحد المتعاونين معه من رجال المافيا ذوي الأصول الكوبية على النحو التالي:

جوزيف بالمي: «نحن الإيطاليون، لدينا رابطة العائلات، ولدينا الكنيسة. ولدى الأيرلنديين فكرة الحنين إلى الوطن الأم، ولدى اليهود تقاليدهم القديمة، وحتى السود لديهم موسيقاهم. أنتم البيض: ماذا لديكم أنتم؟». رد ضابط الاستخبارات بهدوء وبرود، قائلًا: «لدينا الولايات المتحدة الأمريكية، وكل الباقين منكم مجرد ضيوف».

ويشرح هذا الحوار القصير أزمة الجذور الثقافية الأمريكية الواقعة بين تيارين أساسيين؛ الأول مثلته كلمات جوزيف بالمي، ومفادها أن المهاجرين والأقليات لديهم هويات ثقافية ودينية أو جماعية عميقة تجمعهم معًا، لتشكل الولايات المتحدة كما نعرفها الآن.

في حين عبرت كلمات ضابط الـ«سي آي إيه» عن أن أمريكا أسسها ويملكها الأنجلوساكسون البروتستانت البيض بالأساس، وأن كل الباقين ضيوف على هذه الأمة البيضاء.

***

منذ وصول ترامب إلى سدة الحكم عام 2016، وعودته إلى البيت الأبيض عام 2024، وتبنيه سياسات متشددة تجاه الهجرة والمهاجرين، استدعى رموز وأنصار التيارات القومية البيضاء المسيحية هذا الحوار القصير، وأعادوا نشره وتداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي كبيان موجز يحسم الجدل حول الهوية الأمريكية. في الوقت ذاته، انتقد الحوارَ أنصارُ التيارات الليبرالية باعتباره شهادة صريحة ومباشرة على فاشية وقومية إثنية مسيحية بيضاء ترغب في الاستئثار بأمريكا لنفسها، دون اكتراث بالآخرين.

وهذا التمييز حاضر اليوم، وبشدة، بين منظّرين متنافسين يرسمون اللوحة الأمريكية بصورة مغايرة. الأول يرى أن أجداده من البيض البروتستانت أسسوا «الأمة والدولة الأمريكية»، وأن الانتماء الأمريكي الأصيل ليس متساويًا بين الأمريكيين، بل يظل الانتماء الحقيقي لمن شارك في مهام التأسيس. وعلى النقيض، يرى المنظرون الليبراليون ضرورة المساواة بين كل المواطنين الأمريكيين في ملكية التجربة الأمريكية المستمرة، ما داموا يقبلون بالعقيدة الدستورية، وذلك بغض النظر عن تاريخ وصولهم إلى الأراضي الأمريكية.

***

وقد ظهر جدل حوار الفيلم مرارًا في النقاشات الأخيرة حول الهجرة، والتغيرات الديموغرافية، وفكرة أمريكا كدولة أنجلو-بروتستانتية بيضاء تاريخيًا، بدلًا من كونها أمة متنوعة ينصهر فيها الجميع. وشهد عام 2004 صدور كتاب صموئيل هنتنجتون «من نحن؟»، صاحب الكتاب الأشهر «صراع الحضارات»، وجادل في هذا الكتاب بأن الثقافة الأنجلو-بروتستانتية الأساسية قد أرست ورسخت الهوية الأمريكية تاريخيًا، وعلى النقيض، فإن الهجرات الواسعة الأخيرة تهدد بزوال هذه الهوية الأمريكية.

وخلال العقد الأخير، خرج الجدل والنقاش من الدوائر الأكاديمية إلى ماكينات السياسة والانتخابات والتشريعات. ويشهد المجتمع الأمريكي تأطير الصراع حول الهجرة، وشرعيتها، والمواطنة بالولادة، والتغير السكاني المتزايد، ليس فقط كأسئلة قانونية واقتصادية، بل كأسئلة حول هوية الدولة الأمريكية، وكيف تُعرَّف الأمة الأمريكية، ومن هم المالكون الحقيقيون لأمريكا.

***

دار حوار الفيلم القصير في منتصف ستينيات القرن الماضي، ومنذ تلك الفترة تحديدًا، تبنت الحكومة الأمريكية سياسات هجرة غيرت تشكيل المشهد السكاني بطريقة دراماتيكية، إذ انتقلت من نظام حصص عنصري صارم قائم على دول المهاجرين وأصولهم، إلى نظام مفتوح لجميع المهاجرين. وفي عام 1965، وتحت تأثير حركة الحقوق المدنية في أمريكا، وقع الرئيس ليندون جونسون قانونًا تاريخيًا ألغى تمامًا نظام الحصص القائم على المنشأ القومي والعرق، واستُبدل به نظام الأفضليات، حيث أصبحت التأشيرات تُمنح بناءً على الشهادات العلمية، بغض النظر عن جنسية المهاجر.

وتغير المشهد الأمريكي؛ ففي عام 1970، كان 5٪ فقط من سكان الولايات المتحدة من المولودين في الخارج، وارتفعت نسبة المولودين في الخارج تقريبًا كل عام منذ ذلك الحين، لتصل إلى 15٪ بحلول 2024.

من ناحية أخرى، قبل عام 1965، كان غالبية السكان المولودين في الخارج من أوروبا. وتغير ذلك بصورة كبيرة، وقفزت نسبة المهاجرين المولودين في آسيا من 9٪ في عام 1970 إلى 31٪ حاليًا، وبلغت نسبة المولودين في دول أمريكا الجنوبية 51٪ من السكان المولودين في الخارج، وتراجعت أوروبا إلى 9٪ فقط، وهو انقلاب شبه كامل عن نمط خمسينيات القرن التاسع عشر، عندما كان 92٪ من المهاجرين أوروبيين. ونتج عن ذلك تراجع نسبة الأمريكيين البيض من 87٪ عام 1970، إلى 56٪ هذا العام.

إقرأ على موقع 180  "إقتصادنا" للشهيد الصدر.. مقاربة ثورية أم كلاسيكية؟ (1)

في الوقت ذاته، تراجعت نسبة المسيحيين البروتستانت في أمريكا (البيض، والسود، واللاتين)، الذين يمثلون النسبة الأكبر من المسيحيين في أمريكا، حيث كانت نسبتهم عند تأسيس أمريكا عام 1776 حوالي 97٪ من السكان، ثم تراجعت إلى 68٪ منتصف القرن العشرين، ثم إلى نحو 43٪ من إجمالي السكان حاليًا، في حين بلغت نسبة البروتستانت البيض 26٪ فقط.

***

وبالطبع، شهدت الذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال الأمريكي سؤالًا متجددًا حول مَن هم الأمريكيون، وهل يجب إغلاق الباب وبناء الحواجز على الحدود الأمريكية؟

ويشعر بعض اليمينيين الأمريكيين أن إغلاق باب الهجرة سيحمي الثقافة الأمريكية، لكن، على العكس، جوهر تلك الثقافة الأمريكية هو الديناميكية والتغيير والإبداع، التي لطالما دعمها تدفق مستمر من القادمين الجدد المجتهدين ذوي الرؤى الجديدة. ولنتذكر أن ما يقرب من نصف أكبر 500 شركة أمريكية تهيمن بها الولايات المتحدة على العالم اليوم أسسها مهاجرون أو أبناؤهم. أمريكا المغلقة ستكون غير أمريكية.

(*) بالتزامن مع “الشروق

Print Friendly, PDF & Email
محمد المنشاوي

كاتب متخصص في الشؤون الأميركية، مقيم في واشنطن

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  توازنات ما بعد وقف النار: من يرسم مستقبل لبنان؟