التريليونات المفقودة: اتبعوا المال.. ولكن ابدأوا من البنتاغون

لو تأخَّر مواطنٌ أميركيٌّ عاديٌّ عن تقديم إقراره الضريبي، أو عجز عن إثبات مصدر بضعة آلاف من الدولارات، فلن يطول انتظاره قبل أن تصله الغرامات، وربما الاستدعاءات والتحقيقات. فالإدارة الأميركية لا تمزح عندما يتعلَّق الأمر بأموال الضرائب أو بتطبيق قوانين مكافحة غسل الأموال و”اعرف عميلك”. لكن هذه الصرامة المُدهشة تبدو وكأنها تتوقَّف فجأة عند أبواب المؤسسة التي تلتهم أكبر حصة من أموال دافعي الضرائب: وزارة الدفاع الأميركية، البنتاغون.

في أحدث تدقيق مالي عن السنة المالية 2025، فشل البنتاغون للسنة الثامنة على التوالي في الحصول على رأي تدقيق نظيف. وأصدر المدقِّقون ما يُعرف بـ«الامتناع عن إبداء الرأي»، لأن الوزارة لم تتمكَّن من تقديم أدلة محاسبية كافية وموثوقة تسمح بالتحقُّق من صحة بياناتها المالية. وتشمل هذه البيانات أصولاً مُعلنة تبلغ نحو 4.65 تريليون دولار، أي ما يعادل أكثر من خمسة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لدول كبرى.

وللدقة، لا يعني ذلك أن هذه التريليونات قد اختفت أو سُرقت بالكامل، لكنه يعني أمراً لا يقل خطورة: أكبر مؤسسة عسكرية في العالم، والأكثر إنفاقاً، لا تستطيع أن تُثبت للمدقِّقين بصورة موثوقة أين توجد نسبة كبيرة من أصولها، أو كيف جرى تقييمها، أو ما إذا كانت سجلاتها المالية تعكس الواقع فعلاً. ولو كان الأمر يتعلَّق بشركة خاصة، لانهار سعر سهمها في الأسواق خلال ساعات، ولوجد كبار مسؤوليها أنفسهم أمام المحاكم.

وتزداد الصورة قتامة عندما نتذكَّر أن وزارة الدفاع تستهلك سنوياً ميزانية تقترب اليوم من تريليون دولار، بينما يواصل الكونغرس، عاماً بعد عام، زيادة هذا الإنفاق برغم الإخفاقات المُتكرِّرة في التدقيق المالي. والأغرب أن المؤسسة نفسها تعترف بوجود عشرات نقاط الضعف الجوهرية في أنظمتها المحاسبية، بعضها مستمر منذ سنوات طويلة، دون أن يترتَّب على ذلك أي عقاب سياسي أو إداري يوازي حجم المشكلة.

ولا تقتصر الفوضى على الأرقام في دفاتر الحسابات، بل تمتد إلى إدارة المخزون العسكري نفسه. فقد كشف مكتب المحاسبة الحكومي الأميركي عن إخفاقات كبيرة في تتبُّع قطع الغيار الخاصة ببرنامج المقاتلة F-35، حيث فُقدت أو تعذَّر تحديد أماكن مئات الآلاف من القطع، في حين لم تُبلَّغ الجهات الحكومية عن جزء كبير منها في الوقت المناسب. وعندما لا تعرف مؤسسة ما بدقة ماذا تملك وأين يوجد، يصبح من السهل شراء ما هو موجود أصلاً، وإنفاق أموال جديدة لمعالجة أخطاء كان يمكن تفاديها بنظام محاسبي سليم.

والأكثر إثارةً للسخرية أن محاولة معرفة حقيقة هذه الحسابات تُكلِّف دافع الضرائب بدورها أموالاً طائلة. فقد خصَّصت وزارة الدفاع ما يقارب 1.3 مليار دولار لدعم عمليات التدقيق والإصلاح المالي خلال السنة المالية 2025. أي أن المواطن الأميركي لا يدفع فقط لتمويل المؤسسة العسكرية، بل يدفع أيضاً لتمويل محاولات اكتشاف الفوضى داخلها، ثم يدفع مرة ثالثة لمحاولة إصلاحها، قبل أن يحصل البنتاغون في العام التالي على ميزانية أكبر من السابقة.

هنا تبلغ المفارقة ذروتها. فالولايات المتحدة لا تكاد تترك بلداً في العالم إلا وتطالبه بتشديد قوانين مكافحة غسل الأموال، وتتبُّع التحويلات المالية، والكشف عن المستفيد الحقيقي من الحسابات المصرفية، وتفرض العقوبات وتُجمِّد الأصول باسم الشفافية والنظام المالي الدولي. ويكفي في كثير من الأحيان تحويل مصرفي مُشتبه به أو نقص في الوثائق حتى تتحرَّك الخزانة الأميركية، وتُفرض العقوبات، وتُطلق التحقيقات، وتُمارس الضغوط على الحكومات والمصارف حول العالم.

لكن يبدو أن شعار «اتبع المال» يعمل بكفاءة مُذهلة عندما يكون المال في بيروت أو بغداد أو طهران أو موسكو أو بكين، أما عندما يدخل مئات المليارات إلى دهاليز البنتاغون وشبكة المقاولين العسكريين، فإن المال يصبح فجأة أكثر صعوبة في التتبُّع، وتتحوَّل المشكلة إلى «تحديات تقنية» و«أنظمة معلومات قديمة» و«خطة إصلاح» تمتد لسنوات. يا لها من مفارقة! الدولة التي تريد أن تعرف أين ذهب كل دولار في العالم، لا تزال عاجزة عن إقناع مدقِّقيها بأنها تعرف أين ذهبت أجزاء كبيرة من أصول أكبر مؤسسة حكومية لديها.

وإذا كان أحد يظن أن هذه مجرد أزمة إدارية عابرة، فإن التاريخ يقول غير ذلك. ففي ثمانينيات القرن الماضي، هزَّت الولايات المتحدة فضائح المشتريات العسكرية الشهيرة، التي ارتبطت بأسماء مثل المطرقة ذات الـ436 دولاراً ومقعد المرحاض الذي بلغ ثمنه 640 دولاراً، وأصبحت رمزاً للهدر وسوء إدارة العقود الدفاعية. صحيح أن السلطات حاولت لاحقاً تفسير هذه الأرقام بأنها شملت تكاليف هندسية ولوجستية، لكن الرسالة بقيت واحدة: عندما تغيب الرقابة الحقيقية، تصبح الأسعار بلا معنى.

ثم جاءت حروب العراق وأفغانستان لتكشف، عبر تقارير الجهات الرقابية الأميركية نفسها، عن مليارات الدولارات التي أُهدرت أو ضاعت في مشاريع إعادة الإعمار والعقود العسكرية والإدارة الفاشلة. وفي أفغانستان وحدها، أنفقت الولايات المتحدة نحو 83 مليار دولار لبناء وتجهيز قوات أمن انهارت خلال أيام قليلة عام 2021، تاركةً وراءها كميات هائلة من المعدات العسكرية. ومن مقعد المرحاض الذي أثار السخرية قبل أربعة عقود، إلى جيش كلَّف عشرات المليارات ثم انهار، وصولاً إلى مؤسسة تفشل ثماني مرات متتالية في تدقيق حساباتها… يبدو أن المشكلة ليست حادثةً منفصلة، بل نمطاً مُتكرِّراً لا يجد من يوقفه.

إقرأ على موقع 180  في ماهيّة الإسلام .. خلافة النبي وأولوية الأقارب (14)

إن القضية هنا ليست مجرد أخطاء محاسبية أو أنظمة حاسوبية قديمة، بل سؤال أكبر يتعلَّق بطبيعة المساءلة نفسها. ففي الولايات المتحدة، كما في غيرها، يبدو أن القانون صارم جداً عندما يتعلَّق بالمواطن العادي، لكنه يصبح أكثر مرونة كلما ازداد حجم المؤسسة ونفوذها السياسي والاقتصادي. أما المُجمَّع الصناعي العسكري، الذي حذَّر منه الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور قبل أكثر من ستة عقود، فلا يزال يبتلع مئات المليارات من الدولارات سنوياً، بينما تتكرَّر الإخفاقات، وتتوالى الوعود بالإصلاح، وتستمر الميزانيات في الارتفاع.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح على واشنطن قبل أن تطرحه على الآخرين: إذا كانت الولايات المتحدة تطالب العالم كله بتعقُّب كل دولار مُشتبه به، فمن سيتعقَّب التريليونات التي تعجز أكبر مؤسساتها عن توثيقها بصورة مُقنعة؟

ربما آن الأوان لتوجيه النصيحة الأميركية الشهيرة إلى أصحابها أنفسهم:

اتَّبعوا المال.. ولكن ابدأوا من البنتاغون.

Print Friendly, PDF & Email
مازن الغول

كاتب وباحث لبناني

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  مفاوضات باكستان توقظ أفاعي "بندورا" في لبنان