خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين في أيار/مايو الماضي، اتفق مع نظيره الصيني شي جين بينغ على استئناف الحوار الحكومي المشترك حول الذكاء الاصطناعي. اكتسب هذا القرار أهمية بالغة، بالنظر إلى أن آخر حوار رسمي بين البلدين عُقد في أيار/مايو 2024 إبان إدارة جو بايدن. وفي ظل الوتيرة المتسارعة لتطور هذه التقنية وتزايد الحوادث المتعلقة بالأنظمة المتقدمة، يُعد غياب التواصل الرسمي لأكثر من عامين بين أكبر قوتين في هذا المجال أمرًا مثيرًا للتساؤل حول واحدة من أكثر تقنيات عصرنا تأثيرًا.
ولضمان نجاح هذا الحوار المتجدد، يتعين على الحكومتين التحرك بجدية وثبات نحو أهداف محددة.
تظهر مؤشرات مشجعة على تقارب وجهات النظر بين البلدين حول قضية محورية: سلامة وأمان الذكاء الاصطناعي. فقد بدأ قادة مختبرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في منطقة المحيط الهادئ يتحدثون بصراحة أكبر عن الاستعداد لعصر «الذكاء الاصطناعي العام» (AGI). وفي منشور له على منصة «Substack» في يوليو الماضي، أكد ديميس هاسابيس، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي ــ آنذاك ــ لشركة «Google DeepMind»، «ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة المخاطر المحتملة مع الاقتراب من تحقيق الذكاء الاصطناعي العام».
وفي الصين، يتبلور توافق مماثل؛ إذ ناقش كل من ليانج وينفنج، الرئيس التنفيذي لشركة «DeepSeek»، وتانج جيه، الشريك المؤسس لشركة «Z.ai»، أبعاد الذكاء الاصطناعي العام علنًا، محددين أولويات التنمية طويلة الأجل، وتقييم أطر الأمان، والنشر المسؤول. وبشكل عام، أبدى مجتمع الذكاء الاصطناعي في الصين انخراطًا أكبر في مناقشة قضايا الحوكمة.
على الصعيد الحكومي، صعدت قضايا أمان الذكاء الاصطناعي إلى صدارة الأجندات السياسية. ففي حزيران/يونيو، أصدرت إدارة دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا ومذكرة صريحة بشأن أمن الذكاء الاصطناعي، أدرجت من خلالهما أمان هذه التقنية ضمن أطر الأمن القومي. وركزت الوثائق على إدارة المخاطر الناجمة عن الأنظمة المتقدمة ــ ولا سيما تلك المتعلقة بالأمن السيبراني، والبنية التحتية الحيوية، والتطبيقات العسكرية، والافتراس الرقمي ــ مع تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، وتقييم النماذج المتقدمة.
وفي مؤتمر عالم الذكاء الاصطناعي (WAIC) في شانغهاي في تموز/يوليو، خصص الرئيس الصيني شي جين بينغ ركيزة أساسية من كلمته الافتتاحية لأمان الذكاء الاصطناعي، واصفًا إياه بـ«الأداة الموثوقة للبشرية»، وداعيًا إلى «تعزيز التوعية بالمخاطر لضمان كونه آمنًا وقابلًا للسيطرة»، وتطوير الأطر القانونية وآليات الإنذار المبكر، و«منع سوء الاستخدام لضمان بقائه تحت السيطرة البشرية».
فجوة الثقة ودوامة التصعيد
تؤكد هذه التحركات إدراك البلدين للأبعاد الاستراتيجية لأمان الذكاء الاصطناعي. غير أن هذا التقارب المفاهيمي يصطدم بتصاعد الشكوك الاستراتيجية المتبادلة.
فقد أثارت انطلاقة «المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي» (WAICO) في شانغهاي قلقًا في أروقة السياسة الأمريكية، حيث فُسرت كخطوة صينية لمواجهة المبادرات الغربية، مما يعزز التنافس المؤسسي على حوكمة التقنية عالميًا. وتزامن ذلك مع سباق محموم على الصعيد التقني؛ فبعد إطلاق نموذج «Kimi K3» من شركة «Moonshot AI»، سادت حالة من الذهول في وادي السيليكون نتيجة اقتراب النماذج الصينية مفتوحة المصدر من قدرات النماذج الأمريكية المتقدمة، مما أثار سجالات في واشنطن حول ما إذا كانت الشركات الصينية قد استخلصت قدراتها من النماذج الأمريكية. وعلى إثر ذلك، ألمح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إلى فرض عقوبات على شركات الذكاء الاصطناعي الصينية، وهو ما قوبل بانتقاد حاد من وزارة التجارة الصينية التي وصفت الطرح بـ«الهيمنة التقنية وازدواجية المعايير».
ولم تقف الشكوك عند حدود الاقتصاد والتقنية، بل امتدت لتطال الأمن السيبراني؛ إذ فرضت إدارة ترامب قيودًا ودققت في المنتجات الصينية ــ مثل الروبوتات البشرية ومحولات الطاقة المتصلة بالشبكات ــ في حين حددت «القاعدة الوطنية لبيانات الثغرات الأمنية في الصين» ما وصفته بثغرة «باب خلفي» في نموذج «Claude» التابع لشركة «Anthropic»، مما دفع شركة «علي بابا» إلى حظر استخدامه داخليًا.
إن هذا النمط من الإجراءات المتبادلة يخلق دوامة من التصعيد تقوض أهداف الحوار المفترض استئنافه.
تناقضات السياسات ومساحات التوافق
يتزامن استئناف الحوار مع تناقضات واضحة في سياسات الطرفين؛ ففي حين تبدي واشنطن اهتمامًا بمناقشة المخاطر المشتركة للنماذج المتقدمة، فإنها تعامل التطور التقني الصيني كتهديد استراتيجي عبر توسيع نطاق العقوبات وضوابط التصدير. في المقابل، تطالب بكين بتعاون تقني جوهري وتدعو إلى الابتعاد عن التسييس، لكنها لم تطرح بعد أجندة علنية أو أهدافًا محددة للحوار، مما ترك زمام المبادرة وصياغة المحاور للجانب الأمريكي.
ومع ذلك، تبرز الحوادث التقنية أهمية التواصل؛ فقد أظهرت حادثة تسرب نموذج ذكاء اصطناعي تابع لـ«OpenAI» إلى بيئة «Hugging Face»، واحتوائه بمساعدة نموذج صيني مفتوح المصدر طورته شركة «Z.ai»، حقيقتين متلازمتين: تنامي قدرات الوكلاء المستقلين للذكاء الاصطناعي، والضرورة القصوى للتعاون الدولي عند وقوع أخطاء غير متوقعة.
ولتجاوز التحديات، يمكن تحديد محاور الحوار استنادًا إلى أطر تقرير سلامة الذكاء الاصطناعي الدولي، التي تقسم المخاطر إلى ثلاثة مجالات رئيسية:
- سوء الاستخدام من قبل فاعلين من غير الدول: وهو المجال الأكثر قابلية لتحقيق تقدم سريع، بتركيزه على تقليل المخاطر السيبرانية والبيولوجية، وتحديد البنى التحتية الحيوية المحمية، ومكافحة التزييف العميق والاحتيال بالتنسيق مع الجهود الدولية.
- الأعطال والخروج عن السيطرة: يتطلب هذا المحور بناء توافق حول أساليب التقييم، واختبارات ما قبل النشر، وتأسيس مجموعات عمل تقنية مشتركة، إلى جانب حماية الممرات العلمية للباحثين بعيدًا عن التجاذبات السياسية والعواقب التنظيمية.
- المخاطر المنهجية والمجتمعية: يُعد التأثير في سوق العمل والتعليم وحماية الأطفال في عصر الذكاء الاصطناعي من أكثر المجالات ملاءمةً وأقلها حساسيةً سياسيًا، مما يجعله ساحة مناسبة لإبداء حسن النية بين الطرفين.
إدارة الأزمات.. بناء الخطوط الساخنة
مع زيادة استقلالية الأنظمة، قد تؤدي الأعطال التقنية البسيطة إلى تداعيات جيوسياسية خطيرة؛ إذ يمكن تفسير أي خطأ تقني أو تحذير خاطئ كعمل هجومي متعمد، لا سيما في أوقات التوتر الاستراتيجي وقلة المعلومات.
من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى إنشاء آليات اتصال مخصصة لطوارئ الذكاء الاصطناعي والإبلاغ عن الثغرات والسلوكيات غير المتوقعة للنماذج المتقدمة. ولتجسير «فجوة الخبرة والسلطة» ــ حيث تتمركز المعرفة التقنية لدى الشركات والجامعات، بينما تكمن سلطة القرار لدى الحكومات ــ يمكن البدء بنقاط اتصال مخصصة للطوارئ بين الأجهزة المعنية كخطوة لبناء الثقة، لتتطور مستقبلًا إلى آليات مؤسسية لإدارة الأزمات.
ختامًا، لن يؤدي الحوار الصيني ــ الأمريكي المتجدد إلى محو التنافس الاستراتيجي، ولا ينبغي انتظار ذلك منه. بل يجب أن تتركز أهدافه على تقليص سوء الفهم، وإدارة المخاطر المشتركة، وضمان عدم تحول السباق التقني إلى أزمات يمكن تجنبها. وفي عصر تتجاوز فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي الحدود الوطنية، يظل الحوار المستمر ضرورة استراتيجية لا غنى عنها.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية؛ النص الأصلي في “فورين بوليسي“
