في الحقيقة، أعتقد أنّ محاولة الإجابة على هذا السّؤال تقتضي التّمييز بين مستويَين أساسيَين:
أوّلًا: ما الذي “يخفّف” من وطأة هذه الأطروحة العامّة؟
هناك، في تقديري، مجموعة من المعطيات الواقعيّة التي تجعل من الصعب التسليم بفكرة أن الشيعة في لبنان أو في الشّام أو في المشرق يواجهون خطرًا وجوديًا.
أوّلُ هذه المعطيات أنّ الجماعة الشّيعية في لبنان، كما الجماعات الشيعية في المنطقة عمومًا، ليست جماعة طارئة على جغرافية المشرق أو على تاريخه. إنها جماعات متجذّرة عموماً في هذه الجغرافيا، ومرتبطة بها تاريخيًا وثقافيًا واجتماعيًا، وهو ما يجعل فكرة اقتلاعها من أساسها تبدو، في حدّ ذاتها، غير واقعيّة.
ثانيًا، إنّ الدّول الإقليمية التي تنافس اليوم الحركات السياسية الشيعية الأساسية أو تحاصرها لا تتحرّك، في نهاية المطاف، وفق منطق مذهبيّ صرف، وإنما وفق حسابات تتّصل بمصالحها الاستراتيجيّة بوصفها دولًا في المقام الأوّل. قد تتقاطع هذه المصالح مع اعتبارات مذهبية أو تستفيد منها هنا وهناك، وقد تخوض هذه الدول صراعات مع قوى ذات طابع شيعيّ.. لكنّ اختزال الصّراع كلّه في مشروع مذهبيّ يهدف إلى إزالة الوجود الشيعي من المنطقة- أو ما يشبه ذلك عموماً- يبدو تبسيطًا لا ينسجم مع طبيعة العلاقات الدّولية وتوازنات القوى الفعليّة على الأرض ومن زوايا متعدّدة.
ثالثًا، وليس آخرًا، هناك موازين قوى اقليميّة، إذن، لا يمكن تجاهلها. فوجود “الجمهوريّة الاسلاميّة” في إيران اليوم وتحديداً، بما تمثّله حتّى الآن أقلّه من ثقل جيوسياسيّ واستراتيجيّ (وثقافيّ) وازن جدّاً في الإقليم.. إلى جانب الوزن السّياسي والدّيموغرافي والاقتصاديّ للمكوّن الشّيعي في العراق طبعاً، ووجود جماعات ومكوّنات شيعيّة وازنة نسبيّاً في أجزاء أخرى من المنطقة، ومنها شبه الجزيرة العربية.. يجعل الحديث عن اقتلاع شامل للوجود الشيعي- أو عمّا يشبهه عموماً- من المشرق ومن المنطقة أمرًا يصعب، حتى الآن، دعمه بالوقائع، حتّى في الشّام ولبنان.
وفوق ذلك كلّه، من الصّحيح إلى حدٍّ كبير اعتبار أن التّنظيمات الشيعية، حتّى في بلاد الشام، لا تزال إلى اليوم من أكثر التنظيمات تنظيماً وتعبئةً نسبيّاً، ومن أكثرها وضوحًا في الرؤية، ولا سيّما في ما يتعلّق بما يمكن تسميته بـ”البوصلة الأساسيّة” لدى قطاعات واسعة من شعوب المنطقة: أي مشروع التّحرّر من الاستعمار، ومشروع مواجهة الاحتلال الإسرائيليّ بأيّ من الطّرق المُتاحة.
هنا ينبغي التّمييز بين أمرين مختلفين تماماً واقعاً: أي بين تراجع نفوذ بعض القوى السّياسية الشّيعية في لبنان والمنطقة بشكل نسبيّ (ومحاصرتها طبعاً من قبل بعض القوى الدّوليّة والاقليميّة).. وبين “اقتلاع الوجود الشيعي” نفسه.
لذلك، فإن موازين القوّة في المديين المتوسط والبعيد لا تبدو، وفق المعطيات القائمة، مؤيدة لنظرية الاقتلاع النهائي، حتى وإن كانت هذه الموازين قد تتغيّر، بل تتغيّر بالفعل، بما يؤدي ربّما إلى تراجع أدوار بعض القوى السياسية ذات الطابع الشيعي، وإلى إعادة رسم حدود نفوذها وموقعها في عدد من ساحات المنطقة.
لكنّ هذا كلّه لا يعني بالتّالي أيضاً.. أن الوجه الآخر للمسألة غير موجود، أو أنّ المخاوف التي يعبّر عنها بعض الشيعة في لبنان والمنطقة هي مجرّد أوهام.
وهنا نصل إلى العنوان الثّاني، الذي يتوجّب أن ننتبه إليه جيّداً في اعتقادي.
ثانيًا: لماذا لا يجوز مع ذلك أن نكون.. “ملائكيّين”؟
هذا العنوان يسير، باختصار، في الاتّجاه المعاكس للعنوان الأوّل.
فإذا كان من الخطأ تضخيم الخطر وتحويل كلّ تراجع سياسيّ و/أو عسكريّ إلى تهديد وجوديّ، فمن الخطأ المقابل أيضًا أن ننظر إلى المشهد بعين ملائكيّة، وأن نتعامل مع الوقائع وكأن لا عوامل تاريخيّة وعقائديّة وجيوسياسيّة يمكن أن تدفع بعض القوى والدّول إلى استهداف الدّور الشيعي أو محاولة تحجيمه.. أو ربّما، ما أدراك، أبعد من ذلك على المدى البعيد لمن استطاع إليه سبيلا.
هناك، في تقديري، ثلاثة محاور أساسيّة أيضاً لا بدّ من أخذها في الاعتبار في هذا المجال:
المحور الأوّل، هو وجود تيّارات ومدارس دينيّة ومذهبيّة لا يمكن انكارها ضمن المشهد المعنيّ، من أبرز عناوينها طبعاً رفض “الآخر” (كل آخر) عموماً.. بل السّعي، حيث تسمح الظّروف، إلى تحجيم حضوره وربّما إلى انهائه سياسيًا و/أو اجتماعيًا. هذه التّيّارات ليست افتراضًا نظريًا، وهي معروفة ويمكن العودة إلى أدبيّاتها ونصوصها ومواقفها وسلوكها، لمن يريد أن يقرأ الوقائع بعيدًا عن التّعميم من جهة، ولكن بعيداً أيضاً عن التّوهّم من جهة ثانية.
وقد شهدنا، لا سيّما في بعض مناطق بلاد الشّام، حضورًا متناميًا لمثل هذه الأفكار والتيارات، وهي في بعض الحالات تحظى بأشكال مختلفة من الدّعم الماليّ والسياسيّ والعسكريّ (الاقليميّ خصوصاً). ومن ثمّ، فإنّ وجود هذا الفكر وتناميه في الإقليم مسألة لا يمكن التغاضي عنها عند محاولة الإجابة على سؤال “الخطر” الذي يتهدّد سواء الشّيعة أو غيرهم من المكونات في لبنان، وفي الشّام والمنطقة ككلّ.
المحور الثّاني، هو وجود جهات رسميّة وغير رسميّة في المنطقة ترى، محقّة أو غير محقّة، أنّ لها حسابات أو “ثأراً” سياسيّاً وربّما أمنيّاً مع أحزاب وتنظيمات وقوى ذات طابع شيعيّ، وربّما، في بعض الحالات، مع الجماعة الشيعية نفسها.
وقد تكون جذور هذه المواقف تاريخيّة في المقام الأوّل وليس فقط سياسيّة راهنة أو بحتة، ولكنّ الأهمّ أنّها ارتبطت، خلال العقود الثّلاثة الأخيرة على الأقلّ.. بصراعات وبمواجهات وبحروب أعادت انتاج العداء بين أطراف اقليميّة مختلفة. وبالتّالي، فإن التّعامل مع هذه المسألة بعقلية ملائكية أو دوغمائية، وكأنّ جميع الأطراف تتحرّك في فضاء خالٍ من الحسابات التّاريخيّة-الفئويّة، لن يقود إلّا إلى استنتاجات ناقصة و/أو غير واقعيّة.
أمّا المحور الثّالث، وربّما الأكثر حساسيّة وتأثيراً اليوم، فيتّصل بالتّأكيد بما بات يُتداول في بعض الأوساط القريبة من دوائر القرار الأميركيّة والاسرائيليّة والغربيّة عموماً، حول ضرورة اضعاف القوى والقيادات الشّيعيّة الأساسيّة في المنطقة، بوصفها، في نظر هذه الأوساط أو عدد منها، جزءاً أساسيّاً أو طاغياً من منظومة المواجهة الحاليّة مع الولايات المتّحدة و”إسرائيل”.
بعبارة أكثر تبسيطاً، هناك من يرى في بعض دوائر القرار الغربيّ والإسرائيليّ اليوم: أنّ القوى والقيادات الشّيعيّة الرّئيسيّة التي تلعب- منذ عقود- دوراً أساسيّاً ومحوريّاً في مواجهة النّفوذ الأميركيّ وفي مواجهة “إسرائيل” والاحتلال الإسرائيليّ.. ينبغي أن تدفع ثمن هذا الخيار سياسيّاً، وعسكريّاً، واقتصاديّاً، واستراتيجيّاً بشكل عامّ، ولا سيما ثمن نصرتها لفلسطين في 7 أكتوبر 2023.
مع التّبسيط الشّديد: الأرجح أنّ هناك ضمن هذه الأوساط الغربيّة والموالية للاحتلال الاسرائيليّ.. من يؤمن اليوم أنّ على “الشّيعة”- أو على ممثّليهم الأساسيّين أقلّه- أن يدفعوا الثّمن حيث أمكن، بسبب حملهم، بشكل أو بآخر، لهذه القضايا لا سيّما منذ انتصار الثّورة الاسلاميّة في إيران عام 1979، والتي واكبها طبعاً تصاعد الحالة الإسلامية الفلسطينية والحالة الصّدريّة العراقيّة والحالة الصّدريّة اللّبنانيّة.. وصولاً إلى الحالة اليمنيّة المعروفة راهناً وغيرها من تجلّيات هذه المرحلة المعنيّة والرّاهنة.
هذا وقد يكون من المبالغة طبعاً اختزال السّياسة الأميركيّة أو الاسرائيليّة كلّها في مقولة واحدة من قبيل “تأديب الشّيعة”. لكن، من الخطأ أيضاً، تجاهل وجود مقاربات وسياسات تستهدف بوضوح قوى وقيادات ومؤسّسات وأدوار ومحاور شيعيّة أساسيّة ورمزيّة.. أو التّعامل مع هذه السّياسات وكأنّها منفصلة عن الصّراع الأوسع على النّفوذ في المنطقة وفي العالم، وعن الصّراع مع الوجود الأميركيّ ومع المشروع الاسرائيليّ في المنطقة.
وهنا بالذّات، قد نكون أمام مربط الفرس.. في المسألة كلّها.
فإذا كان من الخطأ القول إنّ هناك مشروعاً واضحاً لاقتلاع الشّيعة من لبنان أو من بلاد الشام مثلاً.. فإنّه من الخطأ المقابل أن نستخفّ بإمكان أو بواقعيّة وجود مشاريع أو سياسات.. تهدف إلى اعادة صياغة موقعهم السياسيّ والاجتماعيّ والأمنيّ والاستراتيجيّ-الإقليميّ أقلّه، وتقليص نفوذ القوى التي تمثّلهم حيث أمكن، واعادة توزيع موازين القوّة التي تشكّلت خلال عقود من الزّمن بغير مصلحة أغلب الجماعة الشّيعيّة في المنطقة (وصولاً إلى أبعد من ذلك ربّما.. حيث أمكن لدى البعض.. كما ناقشنا في ما سبق وبكلّ موضوعيّة).
وبهذا المعنى، قد لا يكون الخطر المطروح، اليوم أقلّه مع التّشديد على هذه العبارة.. وخصوصًا في لبنان، خطرًا وجوديًا يهدّد ببساطة “بقاء الشّيعة” على أرضهم.. بقدر ما هو، إلى الآن إذن، خطر تحجيم دورهم السّياسيّ والاجتماعيّ، وخطر تقليص قدرتهم على التّأثير في المعادلات الدّاخليّة اللّبنانيّة.. وصولاً إلى المعادلات الشّاميّة والاقليميّة.
