في عالم الحروب المركّبة: إلى أي مدى تستطيع التحالفات صناعة الأمن؟

يشهد النظام الدولي تحوّلًا متسارعًا في مفهومَي الأمن والقوة، نتيجة التغيّر في طبيعة التهديدات التي لم تعد تقتصر على المواجهة العسكرية التقليدية، بل أصبحت تشمل الحروب غير المتماثلة والهجينة، والحرب السيبرانية، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والمعلومات، والقدرات الاستخباراتية. وقد باتت هذه العناصر مترابطة ضمن منظومة واحدة من أدوات الصراع والتأثير.

يُقصد بالحروب المركّبة (Compound Warfare) نمط من الصراع لا يعتمد على أداة واحدة، بل يجمع بين أدوات عسكرية وغير عسكرية في آنٍ واحد، مثل العمليات العسكرية، والحرب السيبرانية، والضغط الاقتصادي، والحرب المعلوماتية والإعلامية، والعمليات الاستخباراتية، وأحيانًا أدوات دبلوماسية وسياسية، بهدف إضعاف الخصم والتأثير في قدرته على اتخاذ القرار.

في ظل هذا الواقع، لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لضمان أمن الدولة. فالتحديات المعاصرة تتجاوز الحدود الوطنية، وتتطلب القدرة على الجمع بين الأدوات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية والاستخباراتية والدبلوماسية. ومن هنا، برزت التحالفات والشراكات الاستراتيجية كإحدى الآليات الأساسية لإدارة المخاطر وتعزيز القدرة على مواجهة التهديدات المركّبة.

ويأتي التقارب بين السعودية وتركيا وباكستان ضمن هذا السياق الأوسع لإعادة تشكيل أنماط الشراكة والتعاون الاستراتيجي. فلكل دولة من الدول الثلاث عناصر قوة مختلفة؛ إذ تتمتع السعودية بثقل اقتصادي وطاقوي وديني وموقع جيوسياسي مهم، فيما تمتلك تركيا قدرات عسكرية وتكنولوجية متقدمة وموقعًا استراتيجيًا داخل منظومة الأمن الأوروبية-الأطلسية، بينما تمتلك باكستان قدرات عسكرية ونووية وموقعًا جيوسياسيًا محوريًا في جنوب آسيا.

غير أن امتلاك عناصر القوة بصورة منفردة لا يلغي الحاجة إلى التنسيق وتكامل المصالح. فعندما تتقاطع الموارد والقدرات والأهداف الاستراتيجية بين مجموعة من الدول، يمكن أن تنشأ أشكال جديدة من القوة الجماعية تتجاوز التأثير الذي يمكن أن تحققه كل دولة بمفردها.

ومن هنا يمكن طرح مفهوم «القوة التضامنية»؛ أي القوة التي تنشأ من تفاعل القدرات الوطنية المختلفة ضمن شبكة من الشراكات الاستراتيجية. فالقوة في النظام الدولي المعاصر لا تتحدد فقط بما تمتلكه الدولة من موارد، وإنما أيضًا بقدرتها على توظيف هذه الموارد من خلال علاقاتها وتحالفاتها.

ولا يقتصر هذا الاتجاه على القوى الإقليمية، بل يظهر كذلك في العلاقات بين القوى الكبرى. فالشراكة الاستراتيجية بين الصين وروسيا تشمل مجالات متعددة، من التعاون الاقتصادي والطاقة إلى التنسيق السياسي والعسكري والتكنولوجي. كما تتقاطع مصالح الصين وروسيا وإيران في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة قيام تحالف ثلاثي متكامل في جميع المجالات.

ويكشف هذا الواقع عن تحوّل مهم في طبيعة العلاقات الدولية: الانتقال التدريجي من مفهوم التحالفات الجامدة إلى شبكات أكثر مرونة من الشراكات والتفاهمات، تتغير درجة تماسكها وفق طبيعة التهديد والمصلحة والظرف الجيوسياسي.

وتكتسب القدرات الاستخباراتية والسيبرانية والتكنولوجية أهمية متزايدة في هذا التحول. فالمواجهة الحديثة لم تعد تجري في ساحات القتال وحدها، بل تمتد إلى الفضاء الرقمي والمعلوماتي والتكنولوجي. وأصبحت القدرة على جمع المعلومات وتحليلها وحمايتها، إلى جانب الأمن السيبراني والتفوق التكنولوجي، مكونات أساسية في إدارة الصراع وحماية المصالح الوطنية.

وبذلك، يتجه النظام الدولي نحو نمط أكثر تعددًا في التحالفات والشراكات، بحيث تتوزع عناصر القوة بين أطراف مختلفة وتتقاطع مصالحها وفق طبيعة التهديدات والمصالح المشتركة. وفي هذا النظام، لا تُقاس قوة الدولة فقط بما تمتلكه من موارد عسكرية أو اقتصادية، بل أيضًا بقدرتها على توظيف هذه الموارد ضمن شبكة أوسع من العلاقات الاستراتيجية.

إلا أن التحالفات لا تعني بالضرورة إزالة المخاطر أو ضمان الأمن بصورة مطلقة. فهي أدوات لتعزيز الردع، وتوسيع الخيارات الاستراتيجية، وتقاسم المخاطر، ورفع القدرة على إدارة الأزمات. ومن هنا، ترتبط فاعلية أي تحالف بمدى انسجام مصالح أطرافه، وقدرتها على تنسيق أدوات القوة، وتحويل التوافق السياسي إلى قدرة فعلية على الاستجابة.

وعليه، تمثل التحالفات أحد أبرز مظاهر التحول في مفهوم القوة والسيادة في القرن الحادي والعشرين. فالسيادة لم تعد تعني الاكتفاء الذاتي أو الانعزال عن البيئة الدولية، كما أن القوة لم تعد تختزل في حجم الترسانة العسكرية. بل أصبحت قدرة الدولة على حماية مصالحها مرتبطة أيضًا بقدرتها على بناء الشراكات، وتكامل القدرات، وإدارة شبكة علاقاتها في بيئة دولية شديدة التعقيد.

وفي عالم الحروب المركّبة، قد لا تكون الدولة الأكثر قدرة هي التي تمتلك أكبر قدر من القوة منفردة، بل التي تستطيع تحويل مواردها الوطنية إلى قوة جماعية، وتحويل التحالفات من مجرد اتفاقات سياسية إلى أدوات فاعلة لصناعة الأمن والاستقرار.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  أسلحة الغرب من أوكرانيا إلى السوق السوداء!
رانيا حتّي

كاتبة وأكاديمية لبنانية

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  لبنان في قلب الصورة الكبرى