من يملك الكهرباء.. الطاقة التشاركية واختبار العدالة في لبنان

لطالما جرى التعامل مع أزمة الكهرباء في لبنان بوصفها أزمة تقنية: معامل لا تنتج بما يكفي، شبكة متهالكة، نقص في التمويل، وتعرفة تحتاج إلى إصلاح. لكن أزمة الكهرباء، في واقعها السياسي، أعمق من ذلك بكثير. فهي تكشف طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ومن يملك القرار والموارد، ومن يستطيع الحصول على الخدمة، ومن يُترك خارجها.

تأتي دراسة «نحو طاقة تشاركية في لبنان: نماذج عالمية من أجل رؤى محلية لقطاع الكهرباء»، الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في أيلول/سبتمبر 2026، لتقترح زاوية مختلفة للنظر إلى هذه الأزمة. فبدلاً من حصر النقاش في استعادة الدولة لقطاع الكهرباء أو تسليمه للقطاع الخاص، تفتح الدراسة مجالاً ثالثاً يقوم على الطاقة التشاركية والمجتمعية، حيث يصبح السكان والبلديات والتعاونيات والجهات المحلية جزءاً من إنتاج الطاقة وتمويلها وامتلاكها وإدارتها.

دولة غائبة

المفارقة اللبنانية أن غياب الدولة عن تأمين الكهرباء لم يؤدِّ إلى فراغ كامل، بل دفع المجتمع إلى إنتاج ترتيبات بديلة. فمنذ سنوات، يعيش اللبنانيون ضمن منظومة هجينة تجمع مؤسسة كهرباء لبنان والمولدات الخاصة والطاقة الشمسية والمبادرات المحلية. ومع تفاقم الأزمة، بدأت تظهر مبادرات جماعية على مستوى البلديات والأحياء والمباني.

هنا تكمن الأهمية السياسية لهذه التجارب. فالمجتمع لا ينتظر الدولة دائماً لكي توفر الخدمة، وإنما يعيد تنظيم نفسه عندما تعجز المؤسسات العامة عن القيام بدورها. وفي هذه العملية تتشكل قواعد جديدة للتفاوض والتعاون وتقاسم الموارد واتخاذ القرار.

لكن الدراسة تحذر من النظر إلى هذه المبادرات بوصفها نجاحات تلقائية. فاللامركزية التي تنشأ بفعل انهيار المركز قد تنتج حلولاً محلية، لكنها لا تنتج بالضرورة عدالة اجتماعية أو ديموقراطية. المشاركة في مشروع للطاقة لا تعني بالضرورة امتلاك القرار فيه. وقد يساهم المواطن في تمويل مشروع أو يستفيد من خدماته من دون أن يكون له أي تأثير حقيقي في إدارته.

وهنا يصبح السؤال السياسي أكثر أهمية من السؤال التقني: من يملك الطاقة؟ ومن يقرر بشأنها؟ ومن يستفيد منها؟

مجتمع يتقدم

تقدم التجارب اللبنانية أمثلة واضحة على هذا التحول. ففي عدد من البلديات، مثل قبريخا وبعلول وحاصبيا وبنت جبيل، إضافة إلى شراكات في النبطية، نشأت ترتيبات تجمع البلديات والجهات المانحة والمغتربين والمجتمعات المحلية. لكنها بقيت في معظمها هجينة وغير رسمية، تعتمد بدرجات مختلفة على التمويل الخارجي أو مساهمات أبناء الاغتراب.

في قبريخا (قضاء مرجعيون) مثلاً، اقتصرت المشاركة على الأسر القادرة على تحمل تكلفة تركيب العدادات، بينما أدى التمويل القادم من المغتربين والمنح الخارجية في بعلول (البقاع الغربي) إلى فتح المجال أمام المشاركة، لكنه أبقى تفاوتاً بين القادرين على الاستثمار وغير القادرين عليه. وهذا يكشف مشكلة سياسية أساسية: الطاقة اللامركزية قد تقلل اعتماد الناس على الدولة، لكنها قد تزيد اعتمادهم على قدرتهم المالية.

في منطقة الميناء في طرابلس تبدو الصورة مختلفة. هناك تعاون وتكافل ومساعدة متبادلة بين السكان، وتفاوض جماعي حول تركيب الأنظمة الشمسية وتقاسم الأسطح، وشكلت نحو 90 أسرة تجمعات صغيرة تتشارك تجهيزات الطاقة. إلا أن الحوكمة بقيت غير رسمية، تقودها شخصيات محلية وكنيسة وفنيون ومجموعات تواصل، من دون بنية تشاركية مؤسسية واضحة.

وفي المقابل، يقدم مبنى في شارع الحمرا (رأس بيروت) نموذجاً أكثر تنظيماً: لجنة منتخبة، تصويت، محاضر اجتماعات، تقاسم للتكاليف، قواعد للخدمات المشتركة وآليات لحل النزاعات. غير أن هذا النموذج نفسه يبقى محصوراً في مجتمع صغير ومتجانس نسبياً.

هذه الأمثلة تكشف أن المجتمع اللبناني قادر على إنتاج أشكال من التنظيم حين تتراجع الدولة، لكنها تكشف أيضاً حدود هذه القدرة. فالتعاون الاجتماعي وحده لا يكفي لبناء نظام عادل للطاقة.

معركة المُلكية

المسألة الأكثر حساسية هنا هي الملكية. فانتقال لبنان إلى الطاقة الشمسية، مثلاً، قد يبدو للوهلة الأولى انتقالاً نحو اللامركزية والاستقلال عن المولدات والدولة. لكنه قد يتحول إلى سوق جديدة يملكها القادرون على الاستثمار، بينما يبقى الفقراء أسرى كلفة الطاقة أو خارج التحول نفسه.

لذلك، تُميّز الدراسة بين المشاركة المالية والمشاركة السياسية. فحين يساهم المواطن بالمال ويحصل في المقابل على حصة من الإيرادات، من دون امتلاك حق فعلي في صنع القرار، تصبح المشاركة أقرب إلى الاستثمار منها إلى الديموقراطية. أما حين ترتبط الملكية بالتصويت والحوكمة وتحديد الأولويات، فإن الطاقة تتحول إلى مجال للمشاركة السياسية والاجتماعية.

وهذا هو الدرس الأهم للبنان: لا يمكن بناء طاقة تشاركية بمجرد توزيع الألواح الشمسية. المطلوب بناء قواعد جديدة للملكية والقرار والتمويل.

فرصة الدولة

قد يبدو الحديث عن الطاقة التشاركية وكأنه دعوة إلى دولة أقل حضوراً. لكن الدراسة تقترح العكس. فالمبادرات المحلية لا تستطيع أن تتحول إلى نموذج مستدام من دون دولة تضع القواعد القانونية والتنظيمية التي تحميها وتمنع احتكارها.

القوانين اللبنانية الحالية لا تزال غير مهيأة بالكامل للتعامل مع تعاونيات الطاقة، فيما تحتاج القواعد الخاصة بالملكية المشتركة ولجان الأبنية إلى مراجعة تسمح بملكية أنظمة الطاقة الجماعية واستخدام المساحات المشتركة لتركيبها. كما تحتاج أطر إنتاج الطاقة المتجددة الموزعة إلى تطبيق أكثر فاعلية، مع تطوير آليات تمويل تشجع الطاقة المجتمعية من دون إعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي.

إقرأ على موقع 180  محمود درويش.. "الزمن في غزة شيء آخر"

من هنا، لا ينبغي أن يكون الخيار بين دولة مركزية فاشلة وقطاع خاص يبحث عن الربح. ثمة مساحة ثالثة يمكن للدولة أن تنظمها: البلديات، التعاونيات، لجان الأحياء والمباني، والمجتمعات المحلية، ضمن قواعد واضحة للملكية والتمويل والمساءلة.

في هذا السياق، توصي الدراسة بضرورة تحديث الأطر القانونية للجان المباني بما يخدم الملكية المشتركة لأنظمة الطاقة، وتحسين اللوائح التنفيذية لقانون الطاقة المتجددة الموزّعة، إلى جانب اعتماد نماذج شراكة تجمع بين القطاع الخاص والبلديات والمجتمعات المحلية. وبذلك تلتقي خلاصات الدراسة مع واقع التجربة الميدانية في لبنان، لتفتح الباب أمام سؤال أوسع: هل يمكن للطاقة الشمسية أن تتحول من حل فردي يتحمل كلفته المواطن وحده، إلى مدخل لإصلاح شامل يعيد رسم العلاقة بين الدولة والمجتمعات المحلية في إدارة قطاع الكهرباء؟

والأهم أن أزمة الكهرباء أنتجت، من دون تخطيط مركزي، تجربة اجتماعية وسياسية جديدة. فاللبنانيون يتعلمون، تحت ضغط الحاجة، كيف يتقاسمون مورداً أساسياً، وكيف يتفاوضون على استخدام الأسطح، وكيف يديرون الخلافات، وكيف يمولون مشاريعهم، وكيف يتعاملون مع سلطة الدولة وسلطة السوق والسلطات المحلية في آن واحد. وتؤكد الدراسة أن التحول في قطاع الطاقة يتعلق بالحوكمة والمشاركة والملكية والتنظيم الاجتماعي بقدر تعلقه بالتوليد والتوزيع.

قد تكون هذه إحدى المفارقات القليلة التي أنتجتها الأزمة اللبنانية: الدولة التي عجزت عن تأمين الكهرباء دفعت المجتمع إلى اكتشاف قدرته على التنظيم. لكن التحدي الآن هو ألا يتحول هذا التنظيم إلى بديل دائم عن الدولة، ولا إلى سوق جديدة لغير القادرين، بل إلى قاعدة لإعادة بناء علاقة مختلفة بين الدولة والمجتمع.

فالمسألة في النهاية ليست فقط كيف ينتج لبنان كهرباء أكثر، بل أي نظام سياسي واجتماعي يريد أن يبني حولها.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  إسرائيل وإيران بلا إتفاق نووي.. ما هي البدائل؟