ماذا ينفع الدولة اللبنانية الاستثمار بالشرعية “العالمية”.. وتجاهل الشرعية الوطنية؟

لم يعد أمراً خافياً أن لبنان يعيش انقسامات حادة شتى، تعبّر عن تاريخ من التراكمات والصراعات والحروب والعصبيات والمصالح والفئات. لكنها أيضاً تعبّر عن غياب الإطار الانتمائي الذي عُرف بالدولة الحديثة أو الدولة الوطنية، والذي تطور توصيف دوره وأدواته إلى أن أصبح دولة المؤسسات والقانون ذات الطبيعة الرعائية، قبل ولوجنا انفجارات المرحلة الحالية – في العالم ولبنان ضمناً – التي تعكس تحوّلات جذرية في كل هذه الأطر والأبعاد.

بما أن ممثلي الدولة اللبنانية والمناضلين في سبيل حماية وجودها يتبنون أدبيات دولة المؤسسات والقانون، أو ما تلاها من مفهوم “حكم القانون”، يتجلى لنا أن أركان هذه الأدبيات قد تداخلت، لنتساءل: هل نحن أمام دولة المؤسسات كإطار رسمي بعيداً عن القانون؟ أم أن القانون في الدولة هو الذي يحدد أدوار المؤسسات الفاعلة في ظله وتحت حكمه؟

انطلاقاً من ذلك، تتبلور المسألة الحالية التي يعيشها البلد في الانقسام الواضح بين المؤسسات والقانون، وكيف تسعى المؤسسات، من خلال ممثليها الرسميين، إلى المناورة على القانون وتطويعه لغايات تختلف عن غايته الأساسية، وبالتالي عن غاية وجودها كمؤسسات، ألا وهي حماية المجتمع ووحدته، باعتبار أن القانون يشكل نواة العقد الاجتماعي.

***

تظهر الإشكالية الحالية في النقاش المستجد حول العلاقة بين المؤسسات – التي تمثل الدولة – والمجتمع أو الشعب، باعتباره وحدة متكاملة تعكس مختلف مكوناته وتشكل أحد أركان الدولة. وناهيك عن الإقليم، نلتفت إلى الركن المتمثل بالسلطة، وأكثر تحديداً سلطة القانون، التي تتفعّل من خلال السلطات الدستورية وما يرتبط بها من مؤسسات.

تصبح الأزمة الجديدة المعلنة – العائمة – والمتمثلة بهذا الانقسام الحاد، ليست بين مكونات المجتمع اللبناني فحسب، وإنما أيضاً بين السلطة التنفيذية وفئة وازنة من المجتمع؛ فئة تعكس موقفاً سياسياً يجد جذوته في تاريخ ممتد وثقافة محلية متجذرة، تراكمت عناصرها مع مواجهة كل مستعمر أو ظالم أو محتل.

يعكس هذا الواقع أزمة قانونية أخرى تميّز التحولات التي تعيشها دول العالم ومجتمعاتها قاطبة، وهي أزمة الشرعية، التي بدورها تُحدّد دور القانون ضمنها. فهل القانون في هذا السياق إطار شكلي تتمسك به السلطة، ليكون بذلك أداة للحكم باستخدام القوة؟ لتصبح المسألة الشائكة مرتبطة بمعنى الشرعية وأبعادها، وتتحول إلى أداة شكلية وفق ما عُرف بالحكم بالقانون؟ (وفي ذلك انعكاس للنظرية الماركسية بأدواتها الأمنية بعيداً عن غاياتها الاجتماعية).

أم أن القانون هو أداة انتظام وتناغم اجتماعيين، ينضوي ضمنه كل مكونات الدولة، جماعاتٍ وأفراداً ومؤسساتٍ ومسؤولين، ويرتضون الخضوع له؟ وهو بذلك يشكل أساساً للشرعية القانونية وفقاً لأدبيات الليبرالية المعلن تبنيها.

وبناءً على هذه الشرعية، تنبثق شرعية تمثيل السلطات للدولة في المجتمع الدولي، ليتم الاعتراف بها والتفاوض مع ممثليها، بما أنها تعكس رغبة داخلية في تمثيل هذا الداخل وقدرة لاحقة على تنفيذ الالتزامات وتفعيلها. ووفق هذا الإطار، يتحقق نظرياً الاستقرار في العلاقات الداخلية والخارجية بما يضمن الأمن والسلم والتناغم والاستدامة بين الأطراف المختلفين في الداخل والخارج وعلاقاتهم المتشابكة.

هذه الشروط بالتحديد هي التي تعطي السلطات صفة الشرعية في تمثيل الدولة بوصفها أحد أشخاص القانون الدولي العام.

***

في هذا السياق، تظهر أهمية الشعار المستخدم حالياً من قِبَل السلطة التنفيذية، ممثلة برئيسي الجمهورية والحكومة، بأن مصدر القوة التي تتمتع بها هذه السلطة في مفاوضاتها مع العدو الإسرائيلي – بمخالفة واضحة للقوانين المحلية – هو معيار الشرعية، الذي يشكل سبب الاعتراف بها من “المجتمع الدولي”.

هذه القوة المتبناة تواجه الأطراف اللادولتية – أي الفئة المقاومة – في بعدها العسكري، والتي تحتضن توجهاً سياسياً وفكرياً وثقافياً ينادي بالتحرر الوطني من كل هيمنة.

وربما أغفلت السلطة أن تقول، أو ربما أضمرت، أن معيار الشرعية يتيح لها استخدام القوة في وجه شعبها، من خلال حصرية القوة التي تنادي بها، باعتبار القانون المحلي أداة بيدها تحمي بواسطته قراراتها. وتلوّح بالقوة الدولية لحمايتها من شعبها نفسه، وهي بذلك تعترف أن قراراتها “الشرعية” لا تعكس تناغماً اجتماعياً يمثل وحدة المكوّن الاجتماعي في الدولة.

أن تستخدم السلطة عنصر الشرعية الدولية الذي بموجبه تسير في مفاوضاتها لا يكفي لتثبت أنها تعكس دولة قادرة، أو لتصدق أنها دولة مكتملة الأوصاف. وربما هذا ما يفسر تكرار الجملة نفسها في كل تصريح، وكأن التكرار يثبت حقيقة غائبة.

***

لقد غاب عن بالِ السلطة اللبنانية – وقانونييها – أنها، لكي تعكس تمثيلها للدولة، عليها أن تنبثق من القانون المحلي قبل أن تسعى إلى تعديله وفق الآلية الدستورية، ثم تسير على أسسه، وبالتالي يُصبح احترام هذا الإطار القانوني، الذي كان أساساً لحقبة من التوافق اللبناني في حدّه الأدنى، هو الضامن الوحيد لكي يؤمن شعبها بأنها تمارس دورها في بناء دولة القانون، وهو ما تعهدت به وأقسمت عليه في “العهد” عند الالتزام بتحقيقه.

ولا تنفي مسؤولية الدولة ومؤسساتها الرسمية عن تجاوزها للقوانين حجةُ أن أحد المكونات خالف القانون. فهذا المبرر ينفي عن السلطة صفتها الضامنة لحكم القانون والحريصة على تفعيله، كما ينتقص من خصائص القانون البديهية باعتباره قواعد عامة وملزمة للجميع.

إقرأ على موقع 180  نتنياهو خاسر.. ولكن اليمين أقوى

وإلا فلتعلن صراحة أنها تنقلب على الدستور والقانون، وتبطل الأسس القانونية المتوافق عليها، وتصارح ناسها بأنها تفرض نظاماً أمنياً جديداً، يصبح القانون بموجبه أحكاماً عرفية تخدم غاية السلطة ومصالحها وأدوارها في الداخل والخارج، بعيداً عن شعار تمثيل المجتمع وحماية الدولة.

***

يُقدّم سلوك السلطة الأمني والقضائي والإعلامي والمؤسساتي خلال هذا العهد نموذجاً مهدِّداً لحقيقة الشعارات المعلنة حالياً أو تلك التي سادت المراحل السابقة من حياة هذا البلد؛ فالمخالفات القضائية المتعددة، وأداء النيابات العامة تحديداً، وقرارات بعض الوزراء، استدعت حملات إعلامية وتبريرات وتفسيرات تغيب عنها مبادئ الأداء المؤسساتي، وتنحو منحى الأحكام العرفية. كما أن التطبيقات المزدوجة المعنى للنصوص نفسها، واستخدام الإعلام المحلي – ومرجعياته الخارجية – جزءاً من بروباغندا تخدم رموز السلطة، كلها نماذج لأداء سلطة لا تشعر بحقيقة شرعيتها، والأمثلة على ذلك كثيرة.

ولا تحتاج السلطة إلى تبرير مواقفها، سواء التنفيذية أو القضائية، طالما أنها مبررة بالقانون. فالقرارات الإدارية والقضائية يجب أن تكون معللة بشكل كافٍ، لأنها لا تمثل أشخاصاً بل تمثل الدولة بقانونها.

وما استخدام الإعلام أداةً للتبرير والتعليل وتفسير القرارات سوى دليل على غياب ركائز الشرعية المحلية. وهو أمر يشي بإبهام المعنى والمناورة في استخدامه، بما يمكّن من تحوير أبعاده وفق السياق المتقلب، وهو ما يناقض أسس القانون.

فإن اتخاذ القرارات الواضحة المسندة إلى القانون، والساعية إلى تحقيق غاياته الاجتماعية، هو الذي يؤسس لمعنى الشرعية بين الشكل والمضمون.

أمام ذلك، ندرك أن الأمر لا يرتبط بمدى اعتراف الخارج – بمعاييره المزدوجة – بصفتنا دولة، ولا باعترافه بشرعية تلك السلطة، وإنما بمدى تصديقنا نحن أيضاً بأننا كذلك، وبمدى تصديق السلطة نفسها بأنها تمارس الشرعية.

فماذا ينفع السلطة أن تربح الشرعية العالمية – ولا نقول الدولية، وفي ذلك نقاش آخر – وتخسر شرعيتها المحلية؟

وماذا يبقى من الدولة – التي تنادي بالليبرالية نموذجاً للحكم – إذا تحولت إلى دولة أمنية لتنفيذ قرارات مشكوك في أخلاقياتها الدولية والوطنية؟

وفي ذلك أيضاً نقاش أوسع.

Print Friendly, PDF & Email
عزة الحاج سليمان

أستاذة في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية، بيروت

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  اللبنانيون أموات يُرزقون.. قهراً وخيبةً وعجزاً