إدلب: الاستراتيجية التركية تنهار… والجيش السوري يتحرك

بعد مضيّ سنتين ونيّف على إدراج إدلب ومحيطها ضمن مناطق خفض التصعيد، وما تلا ذلك من تطورات متشابكة ومعقدة، يمكن القول أن المشهد في هذه المنطقة قد انقلب رأساً على عقب، حتّى أن "التصعيد" الذي التقت إرادة ترويكا استانا (روسيا وإيران وتركيا) على تخفيضه، أصبح هو العنوان الطاغي الذي يخيم فوق إدلب ويلعب الدور الرئيس في تقرير مصيرها.

هذا الانقلاب الدراماتيكي لا يؤشر على صعوبة معالجة ملف إدلب فحسب، بل يؤشر أيضاً على انهيار الاستراتيجية التركية وفشل سياسات أنقرة في فرض رؤيتها لطريقة التعاطي معه.

وتتلخّص الاستراتيجية التي اتّبعتها أنقرة حول إدارة ملف إدلب في نقطتين أساسيتين: الأولى العمل على استدامة وقف إطلاق النار ومنع الجيش السوري وحلفائه من اللجوء إلى “الحل العسكري”، مع ما يستتبعه ذلك من بقاء منطقة إدلب خارج سيطرة الحكومة السورية وربط مصيرها بمحادثات الحل السياسي النهائية. وتتمثّل الثانية في سعي أنقرة إلى إعادة ترتيب أوراق منطقة إدلب بما يتيح لها التحكم بجميع خيوطها، وإبقاء زمام المبادرة في يدها وحدها. وفي سبيل ذلك بذلت الاستخبارات التركية عدة محاولات من أجل إعادة هيكلة الفصائل المسلحة بغية التوصل إلى فرض جسم عسكريّ موحد تنبثق عنه إدارة مدنيّة قادرة على إدارة شؤون المحافظة بعيداً عن الجماعات المصنفة على قوائم الارهاب.

وكانت هذه الاستراتيجية في حد ذاتها، إحدى تجليات الانعطافة السياسية التي اضطرت أنقرة للقيام بها في أعقاب الهزيمة المدوية التي لحقت بمشروعها في أحياء حلب الشرقية نهاية العام 2016. وللحدّ من خسائرها قدر الإمكان في تلك المرحلة، أقدمت تركيا على خطوتين مفصليتين هما توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار مع روسيا بذريعة تنفيذ متطلبات القرار الأممي 2254، والانخراط في مسار أستانا الذي ابتدعته الدبلوماسية الروسيّة لتفكيك الجبهات الساخنة وتخفيض مسارات العنف.

هذه الانعطافة أتاحت لأنقرة تحقيق مكاسب في سوريا لم تكن تحلم بها على خلفية الهزيمة التي أصابتها، لكن الرؤية الروسية بعيدة المدى كانت تنطلق من تفكير استراتيجي أبعد من سوريا يرى في استقطاب تركيا وإبعادها عن حلف الناتو ما يستحق لأجله تقديم بعض الإغراءات لها في الميدان السوري. هذا ناهيك عن إدراك موسكو لمدى حاجتها إلى أنقرة من أجل إنجاح سياسة “خفض التصعيد” وتقليل العنف تمهيداً لفتح مسار للحل السياسي برؤية ونكهة روسيتين بعيداً أو بالالتفاف على مسار جنيف ذي النكهة الأميركية الخالصة.

المسعى الروسي لاستقطاب تركيا تطلَّب تقديم بعض الإغراءات لها في الميدان السوري

لكنّ مسار آستانا لم يكن يخلو من الألغام والأفخاخ التي زُرعت لغايات محددة هي اختبار وتهديد الطرف المنهزم الذي قرر الانعطاف وركوب قطار المنتصرين في اللحظة الأخيرة. ومن أخطر هذه الألغام بالنسبة للسياسة التركية كان البند الخاص بعدم شمول الارهابيين في مسار آستانا، وذاك الذي يتحدث عن السيادة ووحدة وسلامة  الأراضي السورية. وكانت الترجمة المباشرة لهذه الألغام أن مسارات الحل العسكري لم تُغلق جميعها، وأن بإمكان الجيش السوري أن يسلكها جزئياً أو كلياً طالما توافرت واحدة من الذريعتين: محاربة الارهاب أو الحفاظ على السيادة السورية.

في المقابل لم تكن أنقرة تعتبر هذه الاستراتيجية المُهادِنة التي اضطرت للجوء إليها نتيجة تغيّر موازين القوى وانقلاب معادلات الميدان العسكري، نهاية الحرب أو بمثابة الاستسلام النهائي. بل كان من الواضح من خلال الأداء التركي وأسلوب تعاطيه مع بعض الملفات السورية أن القيادة التركية لديها تصور استراتيجي للقفز فوق مفهوم الهزيمة والانطلاق نحو خلق واقع جديد تستأثر فيه بمناطق نفوذ قوية.

وفي سبيل ذلك، انخرطت أنقرة في لعبة توازن معقدة بين الحاجة الروسية لدورها في إنهاء الصراع العسكري، والتضارب بين مصالح كل من روسيا والولايات المتحدة ورغبة كل طرف منهما في استقطابها لجهته، بالإضافة إلى الضرب على وتر مخاوف الأوروبيين من موجات اللجوء وعودة المقاتلين الأجانب. وقد كانت عمليات “درع الفرات” و”غضن الزيتون” ثم نشر نقاط مراقبة في محيط منطقة إدلب، وأخيراً “نبع السلام” من ثمار هذه اللعبة التي أتقنتها الدبلوماسية التركية، وهو ما سجّل لمصلحتها نقاط نفوذ لا يستهان بها فوق الأراضي السورية، كما أعطاها أوراق قوة لاستخدامها على طاولة المفاوضات السياسية لإنهاء الأزمة السورية.

ولعلّ الطمأنينة الروسية إزاء مسار آستانا وفاعلية حقول الألغام التي تزنّره لحماية الخطوط الحمراء للاستراتيجية الروسية في سوريا، جعلت موسكو في بعض المنعطفات أقلّ حساسيةً تجاه عامل الوقت، وهو ما استغلّته أنقرة أحسن استغلال في اجتراح سياسة المماطلة والتسويف مدفوعةً بحاجتها القصوى لصب مزيد من الوقت في ساعة سياسة التوازن المعقدة التي أدمنت اللعب على حبالها.

بيد أن الرهان التركي على معادلة الزمن سرعان ما انقلب ضدها خاصة بعد تسارع التطورات في شرق الفرات وانعكاسها بشكل أو بآخر على منطقة إدلب. وأصبحت السياسة التركية عاجزة عن إحداث التوازن في ظل اهتزاز حبال مصالح الدول الأخرى تحت أقدامها، الأمر الذي انعكس نوعاً من التخبط وارتجال القرارات والفشل في شراء مزيد من الوقت.

رهان تركيا على معادلة الزمن سرعان ما انقلب ضدها خاصة بعد تسارع التطورات في شرق الفرات

ويمكن المقارنة بين حادثتين تعاملت معهما السياسة التركية، ومن شأن اختلاف رد فعلها على كل منهما أن يثبت مدى المأزق الذي وصلت إليه هذه السياسة. ففي يوم 9 من شهر كانون الثاني/يناير عام 2018 استدعت وزارة الخارجية التركية سفيري روسيا وإيران للاحتجاج على التصعيد الذي يقوم به الجيش السوري في محافظة إدلب وخرقه لاتفاق خفض التصعيد. آنذاك كانت أنقرة قد أضافت جرعة جديدة من الوقت في ساعتها بعد إبرام اتفاق سوتشي مع موسكو الذي نص على إقامة منطقة منزوعة السلاح في محيط إدلب. لكن هذا الموقف تغير كلياً في شهر آب/اغسطس من العام التالي 2019 عندما قام الجيش السوري بعملية واسعة سيطر من خلالها على مدن وبلدات ريف حماة الشمالي وصولاً إلى خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي. نتائج هذه العملية لم تقتصر على الناحية الميدانية وتغيير خريطة السيطرة على الأرض، بل سجّلت في حينه أول تقهقر عملي للاستراتيجية التركية الجديدة. وكان حصار نقطة المراقبة التركية في بلدة مورك من قبل قوات الجيش السوري، ولاحقاً بحماية الشرطة العسكرية الروسية، أوضح مثال على هذا التقهقر الذي اضطرت القيادة التركية على ابتلاع إهانته من دون أي رد فعل يذكر.

ومن أهمّ الأسباب التي أدّت إلى هذا التراجع في الدور التركي، هو إخفاق أنقرة في إعادة ترتيب البيت الإدلبي وعدم قدرتها على تطويع فصائل أساسية في ذلك البيت على رأسها “هيئة تحرير الشام” وغيرها من الفصائل المبايعة لتنظيم “القاعدة” العالمي. بل أن ما أقدمت عليه “هيئة تحرير الشام” في مطلع العام 2019 من قتال فصائل مدعومة تركياً وتوسيع هيمنتها على منطقة إدلب، كان بمثابة الصفعة الموجهة إلى السياسة التركية في المقام الأول، لأنه أظهر أنقرة بصورة العاجزة عن منع فصيل إرهابي من التمدد في مناطق يفترض أنها تحت “نفوذها” وضمانتها.

ولم يقتصر الأمر على ذلك بل تعددت أوجه الاخفاق التركي حتى صار بالإمكان القول أن استراتيجية أنقرة في إدلب قد انهارت بالكامل. ومن أبرز وجوه الاخفاق هذه يذكر: مقتل أبي بكر البغدادي زعيم تنظيم “داعش” في إدلب، وفي منطقة قريبة جداً من الحدود التركية. وكذلك اتّساع حركة الفصائل المبايعة لتنظيم القاعدة كفصيل “حراس الدين” حتى أن الولايات المتحدة استهدفت مقار هذا الفصيل بغارتين خلال الأشهر المنصرمة. والأهم هو عدم قدرة أنقرة على الفصل بين التنظيمات الارهابية وتلك “المعتدلة”، بل على العكس أصبح التحالف العسكري بين هذه التنظيمات معلناً على نحو يناقض الادعاء التركي بأنها تسعى لإنهاء هيمنة “هيئة تحرير الشام”. وجاء ذلك في ظل اتّساع حالة التمرد داخل فصائل محسوبة على أنقرة ضد سياسة الأخيرة ولا سيما بعد تشكيل اللجنة الدستورية. واستكمالاً لذلك، جاء الإعلان، الأسبوع الماضي، عن تشكيل حكومة إنقاذ جديدة في إدلب برئاسة علي كدة، بمثابة نعي لجهود أنقرة الساعية إلى حلّ هيئة تحرير الشام وإعادة هيكلة الفصائل من أجل فرض جسم عسكري موحد تنبثق عنه إدارة مدنية لمنطقة إدلب.

هذا الانهيار الذي أصاب السياسة التركية وضع المشهد الإدلبي تحت وطأة كبيرة من الفراغ والجمود، وهو الأمر الذي استغلّه الجيش السوري مدفوعاً باستراتيجية روسية متضمَّنة في مخرجات آستانا، ليكون الهدف هو تحريك عجلة العمليات العسكرية من أجل منع الجماعات الجهادية “الارهابية” من استغلال الفراغ للانقلاب على آستانا أولاً، واتفاق سوتشي ثانياً. فهل تصبح العمليات العسكرية التي استشرس التركي لوقفها ومنعِ الجيش السوري من القيام بها، هي الحل الوحيد لتنفيذ اتفاقاته مع الروسي؟ يبدو أن العملية العسكرية التي يخطط الجيش السوري لإطلاقها في أية لحظة ستكون الجواب على هذا التساؤل.

عبدالله سليمان علي

كاتب وصحافي سوري، وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free