النيوترينو: الشبح الذي يعبر أجسادنا ويكشف أسرار الشمس والكون

هناك، في هذه اللحظة بالذات، سيل هائل من الجسيمات يعبر جسدك من دون أن تشعر به. لا يحرق خلاياك، ولا يصطدم بعظامك، ولا توقفه جدران بيتك أو صخور الأرض، بل إن جزءاً كبيراً منه يستطيع أن يخترق الكوكب كله تقريباً ثم يخرج من الجهة الأخرى كما لو أن الأرض لم تكن سوى ضباب خفيف، فما هي هذه الجسيمات؟

هذه الجسيمات هي النيوترينوات (neutrinos)، وهي من أكثر جسيمات الكون وفرة ومن أشدها مراوغة في الوقت نفسه. في كل ثانية يمر عبر جسم الإنسان نحو مئة تريليون نيوترينو، يأتي معظمها من الشمس، حتى إن قرابة مئة مليار نيوترينو شمسي تعبر كل سنتيمتر مربع عند سطح الأرض في الثانية الواحدة؛ ومع ذلك لا نشعر بها لأنها لا تحمل شحنة كهربائية، ولأن كتلتها صغيرة للغاية، ولأنها لا تتفاعل مع المادة إلا عبر التفاعل النووي الضعيف (weak nuclear interaction) والجاذبية. واحتمال التفاعل ضئيل إلى حد أن ذرات جسم الإنسان لا تلتقط، في المتوسط، سوى نحو نيوترينو شمسي واحد خلال حياة تقارب سبعين عاماً. وهذه المفارقة هي مفتاح قصتها كلها: جسيمات تغمر الكون لكنها تكاد تكون غير قابلة للإمساك، تعبر أجسادنا والكواكب والنجوم بلا مقاومة تُذكر، ثم تتحول، عندما ننجح في كشف القليل منها، إلى رسل تحمل إلينا أخباراً من أماكن لا يستطيع الضوء نفسه أن يخبرنا عنها.

تأتي بعض النيوترينوات من الاندماج النووي في قلب الشمس، وبعضها من التحللات الإشعاعية في باطن الأرض، وبعضها من المفاعلات النووية، وبعضها يتولد عندما تضرب الأشعة الكونية (cosmic rays) الغلاف الجوي. وهناك أيضاً نيوترينوات ذات طاقات هائلة تنشأ في أكثر البيئات عنفاً في الكون، مثل المناطق المحيطة بالثقوب السوداء والنوى المجرّية النشطة (Active Galactic Nuclei, AGN)، وهي المراكز شديدة السطوع في بعض المجرات حيث يسقط الغاز والغبار نحو ثقب أسود فائق الكتلة، فيسخن ويتسارع ويطلق كميات هائلة من الطاقة والجسيمات. ومن هنا تأتي القيمة الاستثنائية للنيوترينو في علم الفلك: فالجسيمات المشحونة تنحرف تحت تأثير المجالات المغناطيسية الكونية وتفقد إلى حد بعيد ذاكرة الاتجاه الذي جاءت منه، بينما يستطيع النيوترينو أن يسافر عبر الفضاء في خط شبه مستقيم، فيحمل معه خيطاً يدلنا على المصدر الذي صنعه. لكنه، قبل أن يصبح أداة لرؤية الكون، بدأ حياته النظرية بوصفه مخرجاً اضطرارياً من أزمة صغيرة ظاهرياً وكبيرة في معناها: طاقة بدت كأنها تختفي.

جسيم وُلد لإنقاذ قانون فيزيائي

في عشرينيات القرن العشرين كان الفيزيائيون يدرسون تحلّل بيتا (beta decay)، وهو أحد أشكال النشاط الإشعاعي التي ينبعث فيها إلكترون من النواة. كان المتوقع، وفق الصورة البسيطة آنذاك، أن يحمل الإلكترون مقداراً محدداً من الطاقة، لكن التجارب أظهرت توزيعاً مستمراً لطاقاته، وكأن جزءاً من الطاقة يضيع في مكان مجهول. لم تكن المشكلة مجرد خطأ تجريبي محتمل، لأن ما كان على المحك هو قانون حفظ الطاقة (conservation of energy) نفسه، أحد أكثر مبادئ الفيزياء رسوخاً.

في العام 1930 اقترح الفيزيائي النمساوي فولفغانغ باولي (Wolfgang Pauli) حلاً جريئاً: الطاقة لا تختفي، بل يحملها جسيم غير مرئي، متعادل كهربائياً وشديد الخفة، يغادر النواة مع الإلكترون من دون أن تلتقطه أجهزة القياس. كان باولي نفسه مدركاً لغرابة اقتراحه، ولذلك وصف فكرته بأنها نوع من «العلاج اليائس». وقد سمى الجسيم بدايةً «النيوترون»، لكن اكتشاف النيوترون المعروف اليوم سنة 1932 جعل الاسم غير صالح، فجاء الفيزيائي الإيطالي إنريكو فيرمي (Enrico Fermi) وبنى أول نظرية متماسكة لتحلّل بيتا، وأطلق على الجسيم الاسم الإيطالي neutrino، أي «النيوترون الصغير».

وقبل طرح فرضية باولي، كان نيلز بور (Niels Bohr) قد أبدى استعداداً للتخلي عن الصيغة الصارمة لقوانين الحفظ في الحدث الذري المفرد. ففي عام 1924 اقترح، مع هندريك كرامرز (Hendrik A. Kramers) وجون سي. سلاتر (John C. Slater)، نظرية بور–كرامرز–سلاتر (Bohr–Kramers–Slater theory, BKS)، التي افترضت أن الطاقة والزخم قد يُحفَظان إحصائياً عبر أعداد كبيرة من عمليات التفاعل بين المادة والإشعاع من دون أن يلزم حفظهما في كل عملية منفردة. لم تكن (BKS) تفسيراً مخصوصاً لتحلّل بيتا، وقد أسقطتها تجارب التزامن في تشتت كومبتون (Compton scattering) عام 1925، لكنها تكشف إلى أي حد كان بعض كبار الفيزيائيين مستعدين لإعادة النظر في قوانين الحفظ قبل أن يقدّم باولي حله القائم على جسيم جديد.

لكن اقتراح جسيم لا يكاد يتفاعل مع المادة يخلق مشكلة بديهية: كيف نثبت وجوده؟ كان باولي متشائماً إلى درجة أنه راهن على أن أحداً لن يستطيع كشف هذا الجسيم، غير أن المفاعلات النووية غيّرت قواعد اللعبة لأنها تنتج أعداداً هائلة من مضادات النيوترينو (antineutrinos). أدرك الفيزيائيان فريدريك راينس (Frederick Reines) وكلايد كوان (Clyde Cowan) أن الحل ليس جعل النيوترينو أكثر قابلية للرصد، فهذا مستحيل، بل جعل عدد النيوترينوات التي تعبر الكاشف ضخماً جداً بحيث يصبح وقوع تفاعل نادر أمراً محتملاً إحصائياً. وهكذا بحثا قرب مفاعل سافانا ريفر عن عملية تحلّل بيتا العكسي (inverse beta decay)، التي يصطدم فيها مضاد النيوترينو ببروتون فينتج بوزيتروناً (positron) ونيوتروناً. لم يكن بالإمكان «رؤية» مضاد النيوترينو نفسه، لكن أمكن التعرف إليه من توقيع مميز: إشارة ضوئية أولى ناتجة من فناء البوزيترون، ثم إشارة ثانية بعد زمن قصير نتيجة التقاط النيوترون. وفي عام 1956 أعلنا الكشف المباشر عن مضاد النيوترينو الإلكتروني، وهو ما ثبّت تجريبياً وجود الجسيم الذي افترضه باولي. وأرسل راينس وكوان إلى باولي برقية يعلنان فيها نجاحهما في رصد تحلّل بيتا العكسي الناتج من نيوترينوات الانشطار. وكان باولي قد راهن الفلكي فالتر باده (Walter Baade) بصندوق من الشمبانيا على أن الجسيم شديد المراوغة إلى حد يصعب معه كشفه. وبعد وصول الخبر احتفل ودفع الرهان. وفي عام 1995 مُنح راينس نصف جائزة نوبل في الفيزياء «لكشف النيوترينو»، أما كوان فكان قد توفي قبل منح الجائزة. غير أن المفارقة أن النيوترينو، بعد أن أنقذ قانوناً من قوانين الفيزياء، سرعان ما بدأ يهز نظرية أخرى من أساسها.

من قلب الشمس إلى لغز النيوترينو المفقود

تنتج الشمس طاقتها عبر الاندماج النووي (nuclear fusion)، حيث تتحد نوى الهيدروجين تدريجياً لتكوين الهيليوم، وتنتج هذه التفاعلات أعداداً هائلة من النيوترينوات. وهنا تظهر ميزة تجعل النيوترينو أداة فريدة لفهم باطن الشمس: الفوتونات التي تتولد في قلب الشمس لا تصل إلى السطح مباشرة، بل تتفاعل مع المادة وتُمتص وتُعاد إشعاعها مرات لا تحصى قبل أن تخرج إلى الفضاء، بينما تكاد النيوترينوات تنطلق من القلب إلى الخارج من دون عائق وتصل إلى الأرض بعد نحو ثماني دقائق. ولهذا فإن رصد النيوترينو الشمسي لا يعني ببساطة رؤية الشمس بطريقة مختلفة، بل يعني النظر مباشرة تقريباً إلى تفاعلات الاندماج الجارية في مركزها.

على هذا الأساس بنى الفيزيائي الأميركي ريموند ديفيس الابن (Raymond Davis Jr) واحدة من أكثر التجارب غرابة وجمالاً في تاريخ الفيزياء. ففي منجم هومستيك للذهب (Homestake Gold Mine) في داكوتا الجنوبية، على عمق نحو 1.5 كيلومتر، وضع خزّاناً ضخماً يحوي نحو مئة ألف غالون من رباعي كلورو الإيثيلين، وهو سائل استُخدم على نطاق واسع في التنظيف الجاف. ولم يكن اختيار هذه المادة غريباً من وجهة نظر الكيمياء النووية، لأنها غنية بالكلور-37؛ فعندما يلتقط نيوترينو إلكتروني شمسي نواةً من الكلور-37 تتحول إلى أرجون-37 مشع (argon-37)، ويمكن بعد ذلك استخلاص بضع ذرات منه وقياسها. كان ديفيس ينتظر أسابيع، ثم يستخلص من كمية هائلة من السائل بضع ذرات فقط من الأرجون، في تجربة تكاد تشبه البحث عن حبات رمل محددة في صحراء كاملة. غير أن المفاجأة لم تكن في نجاح الطريقة، بل في النتيجة: عدد النيوترينوات المسجل كان أقل بكثير من العدد الذي تنبأت به النماذج الشمسية، وقريباً في بعض القياسات من ثلث المتوقع. هكذا وُلدت مشكلة النيوترينو الشمسي (solar neutrino problem)، وتحول سؤال كان يبدو تقنياً إلى أزمة استمرت عقوداً: هل نماذج الشمس خاطئة، أم أن شيئاً يحدث للنيوترينو أثناء رحلته من قلب الشمس إلى الأرض؟ وقد تقاسم ديفيس مع الفيزيائي الياباني ماساتوشي كوشيبا (Masatoshi Koshiba) نصف جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2002 «لإسهاماتهما الرائدة في الفيزياء الفلكية، ولا سيما كشف النيوترينوات الكونية».

جاء الحل من واحدة من أكثر أفكار ميكانيكا الكم غرابة. نعرف اليوم ثلاثة أنواع من النيوترينو، ويُطلق على النوع اسم النكهة (flavor): نيوترينو الإلكترون، ونيوترينو الميون، ونيوترينو التاو. لكن هذه النكهات ليست حالات كتلة مستقلة، بل إن كل نكهة هي تراكب كمي من حالات الكتلة (mass eigenstates)؛ فالنكهة تحدد كيفية إنتاج النيوترينو أو كشفه في التفاعلات الضعيفة، بينما تصف حالة الكتلة كيفية انتشاره كمياً عبر الفضاء أثناء الحركة. وقد أدرك الفيزيائي برونو بونتيكورفو (Bruno Pontecorvo) وآخرون أن اختلاف الكتل، ولو كان ضئيلاً جداً، يجعل الأطوار الكمومية لهذه الحالات تتغير أثناء الحركة، وبالتالي يتغير احتمال ظهور النيوترينو عند القياس في نكهة معينة. وهكذا يمكن لنيوترينو وُلد في الشمس كنيوترينو إلكتروني أن يصل إلى الأرض ويُقاس كنيوترينو ميوني أو تاوي، في ظاهرة سميت اهتزاز النيوترينو (neutrino oscillation). وفي حالة النيوترينوات الشمسية لا يجري التحول كما لو كانت الجسيمات تنتشر في الفراغ وحده؛ فالإلكترونات الكثيفة في باطن الشمس تعدّل الخلط بين الحالات عبر تأثير ميخييف–سميرنوف–وولفنشتاين (Mikheyev–Smirnov–Wolfenstein effect, MSW)، المرتبط بأعمال لينكولن وولفنشتاين (Lincoln Wolfenstein) وستانيسلاف ميخييف (Stanislav Mikheyev) وأليكسي سميرنوف (Alexei Smirnov)، وهو عنصر أساسي في الوصف الحديث لتحول النيوترينوات الشمسية. وقد قدّم مرصد سوبر-كاميوكاندي (Super-Kamiokande) في اليابان دليلاً قوياً على هذه الظاهرة من دراسة النيوترينوات الجوية، ثم جاء مرصد سودبري للنيوترينو (Sudbury Neutrino Observatory, SNO) في كندا ليحسم لغز الشمس. وباستخدام الماء الثقيل (heavy water) استطاع المرصد أن يميّز بين تفاعل التيار المشحون (charged-current interaction)، الحساس أساساً لنيوترينوات الإلكترون، وتفاعل التيار المتعادل (neutral-current interaction)، الحساس للنكهات النشطة الثلاث معاً؛ وبذلك قاس نيوترينوات الإلكترون من جهة والمجموع الكلي للنيوترينوات النشطة من جهة أخرى. فتبين أن عدد نيوترينوات الإلكترون وحدها منخفض بالفعل، لكن العدد الكلي للنيوترينوات يطابق تقريباً ما تتنبأ به الفيزياء الشمسية. لم تكن الشمس هي المخطئة، بل كانت النيوترينوات تغيّر هويتها في الطريق.

إقرأ على موقع 180  الشيوعية والرأسمالية في الميزان.. وبينهما الإسلام

وكان لهذه النتيجة معنى أعمق بكثير من حل لغز شمسي. فالاهتزاز لا يكشف الكتل المطلقة مباشرة، بل يكشف فروق مربعات الكتل بين حالات النيوترينو؛ وهذه الفروق غير الصفرية تعني أن اثنتين على الأقل من حالات الكتلة تمتلكان كتلة غير صفرية. وهذا يتجاوز الصيغة الأصلية من النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات (Standard Model of particle physics)، التي عاملت النيوترينوات على أنها عديمة الكتلة. وهكذا عاد النيوترينو، للمرة الثانية، ليؤدي دوراً تاريخياً غريباً: ظهر أولاً لينقذ قانون حفظ الطاقة، ثم أثبت لاحقاً أن النموذج المعياري نفسه، على نجاحه الهائل، ليس الوصف النهائي للطبيعة. وقد تُوِّج هذا التحول بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2015، التي مُنحت مناصفةً للياباني تاكاكي كاجيتا (Takaaki Kajita) والكندي آرثر ب. ماكدونالد (Arthur B. McDonald) «لاكتشاف اهتزازات النيوترينو، مما يبيّن أن للنيوترينوات كتلة». كرّمت الجائزة نتيجتين متكاملتين: دليل سوبر-كاميوكاندي على تحوّل النيوترينوات الجوية، ونتيجة (SNO) التي بيّنت أن نيوترينوات الشمس لم تختفِ، بل وصلت بنكهات أخرى.

عندما يصبح الجليد تلسكوباً للكون

وقبل (IceCube) بسنوات طويلة، أعطى المستعر الأعظم (Supernova 1987A) لمحة مبكرة عن قوة هذا النوع من الرصد. ففي 23 شباط/فبراير 1987 التقطت كواشف كاميؤكاندي الثاني (Kamiokande-II)، وآي إم بي (IMB)، وباكسان (Baksan) دفعة قصيرة من نحو عشرين حدثاً نيوترينياً قادماً من سحابة ماجلان الكبرى، على مسافة تقارب 170 ألف سنة ضوئية. وصلت النيوترينوات قبل أول رصد بصري للمستعر بساعات، لا لأنها تجاوزت سرعة الضوء، بل لأنها هربت من قلب النجم المنهار فوراً، بينما احتاجت موجة الصدمة إلى وقت كي تبلغ الطبقات التي يبدأ منها الضوء المرئي. كانت تلك أول نافذة نيوترينية مؤكدة على حدث فلكي خارج النظام الشمسي، ومقدمة طبيعية لفكرة أن السماء يمكن أن تُرصَد بجسيمات غير الضوء.

إذا كانت النيوترينوات الشمسية تسمح لنا بالنظر إلى قلب نجمنا، فإن النيوترينوات الكونية العالية الطاقة تفتح نافذة على بيئات أكثر عنفاً بكثير. الفوتونات ليست دائماً رسلاً مثالية، فقد يمتصها الغاز والغبار، وقد تعجز عن الهروب من مناطق شديدة الكثافة، بينما تنحرف البروتونات والجسيمات المشحونة الأخرى تحت تأثير الحقول المغناطيسية فتصل إلى الأرض بعد أن تكون قد فقدت إلى حد بعيد معلومة الاتجاه الذي جاءت منه. أما النيوترينو، فمتوازن في خصائصه بطريقة استثنائية: لا تحرفه المجالات المغناطيسية لأنه عديم الشحنة، ويستطيع الهروب من البيئات الكثيفة لأنه ضعيف التفاعل. لكن الخاصية التي تجعله رسولاً ممتازاً هي نفسها التي تجعل كشفه صعباً للغاية، ولهذا كان الحل في بناء كواشف ضخمة إلى حد غير مألوف.

أبرز هذه الكواشف هو مرصد آيس كيوب للنيوترينو (IceCube Neutrino Observatory) في القطب الجنوبي، الذي يحوّل نحو كيلومتر مكعب من الجليد إلى كاشف هائل: ففي القسم المدفون منه تنتشر 5,160 وحدة ضوئية رقمية (Digital Optical Modules, DOMs) على 86 سلسلة، بين أعماق تقارب 1,450 و2,450 متراً تحت السطح. لا يرى المرصد النيوترينو مباشرة، بل ينتظر اللحظة النادرة التي يتفاعل فيها نيوترينو عالي الطاقة مع المادة، مولداً جسيماً مشحوناً يتحرك في الجليد بسرعة تفوق سرعة الضوء في الجليد، مع بقائها أقل من سرعة الضوء في الفراغ. عندئذ يظهر وهج أزرق يسمى إشعاع تشيرينكوف (Cherenkov radiation)، وهو النظير الضوئي تقريباً للدوي الصوتي: كما تنشأ صدمة حين تتجاوز طائرة سرعة الصوت، ينشأ مخروط ضوئي حين يتحرك جسيم مشحون بسرعة تفوق سرعة انتشار الضوء في وسط مادي معين. ومن توقيت وصول هذا الضوء إلى المجسات وشدته واتجاهه يمكن إعادة بناء مسار الجسيم واستنتاج طاقة النيوترينو والجهة التي أتى منها. وهكذا تحوّل الجليد نفسه إلى تلسكوب، ونشأ مجال علم فلك النيوترينو (neutrino astronomy)، الذي أصبح جزءاً من علم الفلك متعدد الرسل (multi-messenger astronomy) إلى جانب الضوء وموجات الجاذبية والأشعة الكونية. لقد انتقل النيوترينو، في أقل من قرن، من جسيم اعتُبر كشفه شبه مستحيل إلى رسول كوني نستخدمه لفهم البيئات الأكثر تطرفاً في السماء.

وجاء الاعتراف الأبرز بهذا التحول في 6 تشرين الأول/أكتوبر 2026، حين مُنحت جائزة نوبل في الفيزياء منفردةً للفيزيائي فرانسيس هالزن (Francis Halzen)، من جامعة ويسكونسن–ماديسون، «لإسهامات حاسمة في مرصد آيس كيوب للنيوترينو واكتشاف النيوترينوات عالية الطاقة ذات المنشأ الفيزيائي الفلكي (high-energy neutrinos of astrophysical origin)». ويعود أحد الجذور المباشرة للفكرة إلى عام 1988، حين اقترح هالزن مع الفيزيائي جون ج. ليرند (John G. Learned) استخدام الجليد القطبي العميق للكشف عن النيوترينوات العالية الطاقة. اكتمل بناء (IceCube) في كانون الأول/ديسمبر 2010 وبدأ تشغيله الكامل في أيار 2011، ثم أعلن التعاون عام 2013 أدلة مقنعة على تدفق من نيوترينوات عالية الطاقة ذات أصل فيزيائي فلكي. وفي السنوات اللاحقة بدأت مصادر بعينها تظهر في الخريطة، من بينها المجرة النشطة (NGC 1068) والدليل متعدد الرسل المرتبط بالبلازار (blazar) TXS 0506+056. وهكذا لم تكن نوبل 2026 تكريماً لكاشف ضخم فحسب، بل اعترافاً بأن النيوترينو أصبح أداة رصد فلكية مستقلة، تحمل من أعماق الكون معلومات لا يستطيع الضوء وحده أن ينقلها.

لكن علاقة النيوترينو بالكون لا تقف عند حدود الرصد. ففي قلب الشمس، تبدأ سلسلة البروتون–البروتون (proton–proton chain) بخطوة يتحول فيها أحد البروتونات، عبر التفاعل الضعيف، إلى نيوترون، وينتج ديوتيريوم (deuterium) وبوزيترون ونيوترينو إلكتروني. والنيوترينو هنا ليس وسيط القوة الضعيفة؛ ففي هذه الخطوة تحديداً يجري التحول عبر تفاعل ضعيف مشحون يتوسطه بوزون (W boson)، بينما تتوسط بوزونات W وZ التفاعلات الضعيفة عموماً. أما النيوترينو فهو أحد نواتج هذه الخطوة، وبطؤها الشديد هو أحد الأسباب الأساسية التي تجعل الشمس تحرق وقودها على مدى مليارات السنين بدلاً من أن تستهلكه بسرعة هائلة. ومن هذه النقطة الصغيرة يصل بنا النيوترينو إلى واحد من أعمق أسئلة الفيزياء: لماذا بقيت المادة في الكون أصلاً؟ فالصورة البسيطة للكون المبكر توحي بأن المادة والمادة المضادة (antimatter) كان ينبغي أن تتولدا بكميات متقاربة، ومع ذلك نرى اليوم كوناً تهيمن عليه المادة. إحدى الفرضيات المهمة لشرح هذا اللاتناظر هي توليد عدم تناظر اللبتونات (leptogenesis). وفي أكثر صيغها شيوعاً تفترض هذه الفكرة وجود نيوترينوات يمينية فائقة الكتلة وافتراضية (heavy right-handed neutrinos) في الكون المبكر، اضمحلت بطرق لا تعامل المادة والمادة المضادة تماثلياً، فأنشأت لاتناظراً في قطاع اللبتونات أمكن للتفاعلات الكهرضعيفة (electroweak) اللاحقة تحويل جزء منه إلى فائض في المادة العادية. إنها فرضية مهمة، لكنها ليست حقيقة تجريبية مثبتة، ولذلك لا يزال النيوترينو في قلب سؤال مفتوح عن سبب وجودنا ذاته.

وتتواصل الأسئلة. نعرف أن للنيوترينو كتلة، لكن المقياس المطلق لكتلة النيوترينو (absolute neutrino mass scale) ما زال غير محسوم تماماً، كما أن تحديد ترتيب كتل النيوترينو (neutrino mass ordering) وقياس خرق تناظر الشحنة والتكافؤ (CP violation) في قطاع النيوترينو قد يكشفان فيزياء جديدة تتجاوز النموذج المعياري. وهناك أيضاً احتمال أكثر غرابة: أن يكون النيوترينو هو نفسه جسيمه المضاد، فيما يعرف بـ نيوترينو ماجورانا (Majorana neutrino)، نسبة إلى الفيزيائي الإيطالي إيتوري ماجورانا (Ettore Majorana). وإذا ثبت ذلك، فسيتغير فهمنا لأصل كتلة النيوترينو ولعدد من السيناريوهات التي تحاول تفسير عدم تناظر المادة والمادة المضادة. ولهذا تبحث تجارب شديدة الحساسية عن تحلّل بيتا المزدوج عديم النيوترينو (neutrinoless double-beta decay)، لأن رصده سيكون مؤشراً قوياً إلى طبيعة ماجورانا للنيوترينو.

خاتمة

وهكذا تبدو قصة النيوترينو، بعد نحو قرن من بدايتها، أشبه بتاريخ مصغر للفيزياء الحديثة نفسها. بدأ كفكرة جريئة لإنقاذ قانون حفظ الطاقة، ثم أصبح جسيمًا حقيقياً بفضل المفاعلات النووية، ثم قادنا إلى أزمة في فهم الشمس، قبل أن يكشف أن النيوترينوات تغير نكهتها وأن لها كتلة، ثم تحول إلى أداة فلكية تستطيع أن تأتينا بأخبار من أكثر مناطق الكون عنفاً. وربما تكمن جاذبية هذه القصة في أن النيوترينو لم يتوقف قط عن قلب الأدوار: كان في البداية مشكلة، ثم صار حلاً، ثم كشف مشكلة أعمق، ثم تحول إلى تلسكوب. وفي هذه اللحظة، فيما نقرأ هذه الكلمات، تعبر أجسادنا أعداد لا تُحصى منه قادمة من قلب الشمس ومن الغلاف الجوي ومن باطن الأرض ومن أعماق الكون. لا نراها ولا نشعر بها، لكنها تحمل معها معلومات عن ولادة النجوم وموتها، وعن المادة في أبعد حالاتها، وربما عن السبب الذي جعل الكون يترك وراءه مادة تكفي لوجود النجوم والكواكب والحياة. لهذا لا يبدو وصف النيوترينو بـ«الجسيم الشبحي» مبالغة أدبية، بل وصفاً مناسباً لجسيم يكاد يكون غير مرئي، ومع ذلك قد يكون واحداً من أكثر رسل الكون قدرة على كشف ما لا نراه.

Print Friendly, PDF & Email
مازن الغول

كاتب وباحث لبناني

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  إيران تفتح باب التفاوض مع أمريكا.. ولكن!