الماركسية الغربية في قراءتَي بيري أندرسون ودومينيكو لوزوردو

سنعرض هنا نظرتين مختلفتين إلى الماركسية الغربية، من خلال كتابين هما: «حول الماركسية الغربية» للفيلسوف والمؤرخ البريطاني بيري أندرسون (Perry Anderson)، و«الماركسية الغربية» للمفكر الإيطالي دومينيكو لوزوردو (Domenico Losurdo). سنتناول الاختلافات بين وجهتَي نظر أندرسون ولوزوردو، بهدف القاء الضوء على هذا التيار الذي لعب دورًا كبيرًا في تشكيل وعي الكثير من الماركسيين، ليس في أوروبا وحدها، بل على مستوى العالم كله، مع الإشارة إلى أن الماركسية الغربية ليست مدرسة فكرية موحّدة، لكن ثمة إطارًا نظريًا عامًا مشتركًا بين هؤلاء المفكرين، يتيح لنا الحديث عن ماركسية غربية.

بدايةً، كيف يعرّف هذان المفكران ما سمّياه الماركسية الغربية، وما الظروف التاريخية والسياسية التي أدّت، بحسب كلٍّ منهما، إلى نشوئها؟

يقول أندرسون، الذي شغل رئاسة تحرير مجلة «نيو ليفت ريفيو» (New Left Review) البريطانية لسنوات عديدة، وعُرف بميوله التروتسكية من دون أن ينتمي رسميًا إلى أي تنظيم سياسي، إن الماركسية الغربية تيار فكري نشأ في أوروبا الغربية بعد هزيمة الثورات في الدول الأوروبية المتطورة، في حين نجحت الثورة البلشفية في روسيا، وهو ما دفع الدول الغربية الاستعمارية إلى محاصرتها وفرض العزلة عليها.

هذه الهزيمة، معطوفةً على ضعف الأحزاب والنقابات في الغرب، وبسبب القمع الشديد الذي تعرّضت له بعد صعود الفاشية والنازية، دفعت العديد من ماركسيّي الدول الغربية إلى التفرّغ للعمل الأكاديمي والاهتمام بالشؤون الثقافية، بعيدًا عن العمل السياسي المباشر. ولا ينسى أندرسون الستالينية التي ساهمت، في نظره، في عزلة المثقفين وعزوفهم عن العمل السياسي المباشر.

يجزم أندرسون بأن ما يميّز هذه الماركسية بصورة أساسية هو الانفصال بين النظرية والممارسة السياسية، وهو انفصال تجلّى في انتقالها من التركيز على الاقتصاد السياسي، والبحث في إشكاليات الصراع الطبقي وعملية التغيير والثورة، كما كانت الحال عند الماركسيين الكلاسيكيين (ماركس، إنغلز، لينين، تروتسكي، ماو، روزا لوكسمبورغ وغيرهم)، إلى الأبحاث الفلسفية والثقافية والجمالية. ثم إن التحول الذي طرأ على الرأسمالية والمجتمعات الأوروبية، وما نتج منه من إشكاليات ثقافية وفكرية، ساهم في هذا الانتقال.

الاختلاف والاتفاق بين اندرسون ولوزوردو

من جهته، يتفق لوزوردو مع أندرسون حول العديد من الأسباب التي اعتبرها مسؤولة عن نشوء هذه الماركسية، ومنها هزيمة الثورات الأوروبية، وصعود الفاشية، والانفصال عن العمل السياسي، وعزلة الثورة الروسية. لكنه يتهم الماركسية الغربية بالمركزية الأوروبية، كونها انطلقت في تفكيرها من التاريخ الأوروبي حصرًا، وبنت إشكالياتها النظرية حول ما عاشته مجتمعات أوروبا من صراعات، متجاهلةً واقع الإمبريالية والاستعمار ودورهما في نشوء الرأسمالية.

وتجاهلت هذه الماركسية أيضًا قضايا التحرر الوطني والنضال ضد الإمبريالية والاستعمار في دول الأطراف، وهو ما أدّى إلى عدم فهمها لطبيعة الرأسمالية ذاتها، وللصراع الطبقي في القرن العشرين. كما يتهمها بمعاداة التجربة الاشتراكية في روسيا ودول الاتحاد السوفياتي، بسبب عدم فهمها لطبيعة النظام العالمي وتناقضاته. وقد ساهمت هذه المواقف، في نظر لوزوردو، في خدمة الأنظمة الرأسمالية والطبقات الحاكمة.

ويوافق لوزوردو أندرسون على انفصال النظرية عن الممارسة في هذه الماركسية، وعلى تحوّلها نحو الثقافوية، وإن كان يعزو هذا الانفصال إلى أسباب تختلف عن تلك التي أشار إليها أندرسون.

الطلاق بين النظرية والتطبيق

يقول أندرسون: «إن أولى خصائص هذه الماركسية وأكثرها جوهرية هو هذا الطلاق البنيوي بين النظرية والممارسة السياسية» (ص. 45). وهذا ما يميّزها كليًا عن ماركسيّي ما قبل الحرب العالمية الأولى، الذين كانوا منخرطين عضويًا في الممارسة السياسية وفي أحزابهم.

لم يكن هذا الطلاق نتيجة خيارات ذاتية، أو بسبب كسل بعض المثقفين الماركسيين، بقدر ما كان نتيجة ضغوط تاريخية كثيفة. وقد بدأ تدريجيًا منذ عام 1918، إلى أن انتهى إلى قطيعة تامة في ثلاثينيات القرن العشرين.

يشير أندرسون إلى أن لوكاش وكورش وغرامشي، الذين شكّلوا في رأيه النواة الأولى للماركسية الغربية، كانوا في البداية يشغلون مواقع قيادية في أحزابهم، إلى أن انتهى الأمر باستبعاد الأول والثاني وعزلتهما، فيما كان مصير غرامشي السجن، وهو ما جعلهم يحصرون نشاطهم في العمل النظري، بعيدًا عن الممارسة السياسية.

ويذكّر أندرسون بالمنبت الطبقي البرجوازي لجميع مفكّري الماركسية الغربية، باستثناء غرامشي الذي عانى الفقر، ليس بسبب أصوله، بل بسبب عمليات فساد قام بها والده. وهذه إشارة إلى دور هذا المنبت في ابتعاد هؤلاء المفكّرين عن الممارسة السياسية المباشرة، وإن لم يكن السبب الرئيس لهذا الابتعاد.

وشكّل معهد البحث الاجتماعي في فرانكفورت، في بداياته، نقطة التقاء بين ماركسيّي «الشرق» وماركسيّي «الغرب»، إلى أن تولّى رئاسته هوركهايمر، الذي لم ينتمِ يومًا إلى حزب عمالي، فحوّل اهتماماته إلى «الفلسفة الاجتماعية»، بعيدًا عن «المادية التاريخية». وقد تحوّل هوركهايمر، في سنوات تقاعده، إلى مدافع متحمّس عن الرأسمالية، كما يقول أندرسون.

ولا ينكر لوزوردو الانفصال بين النظرية والممارسة، لكنه يمنحه بُعدًا تاريخيًا وسياسيًا أوسع مما فعل أندرسون. صحيح أن الثورة هُزمت في أوروبا الغربية، لكن الخلل البنيوي في هذه النظرة سببه المركزية الغربية التي تنظر إلى القرن العشرين وصراعاته انطلاقًا من أوروبا وحدها.

إنها نظرة جهوية محدودة (Provincialist)، جعلت الماركسية الغربية تنفصل أيضًا عن الثورات الاشتراكية في الصين وفيتنام وكوبا وغيرها. وكذلك فعلت إزاء حركات التحرر الوطني المناهضة للإمبريالية، التي استطاعت طرد المستعمرين من كثير من الدول.

لقد عجز مفكّرو الماركسية الغربية عن النظر إلى العالم وتناقضاته بعين الشعوب المستعمَرة، ومن هنا جاء عدم فهم هذه الماركسية لما يجري في العالم، وعدم تعلّمها من التجارب النضالية الفعلية.

ثم إن الستالينية ليست هي المسؤولة عن انفصال النظرية عن الممارسة في الماركسية الغربية، فهذا الانفصال بدأ قبل صعود ستالين وتسلّمه السلطة. وأندرسون نفسه يقول، كما ذكرنا، إنه بدأ منذ عام 1918، واستمر تدريجيًا إلى أن أصبح انقطاعًا تامًا في ثلاثينيات القرن الماضي.

الثقافة والثقافوية

يرى أندرسون أن الماركسية الغربية صمتت تمامًا عن الحقول النظرية الأكثر أهمية بالنسبة إلى الماركسية الكلاسيكية، أي عن «دراسة القوانين الاقتصادية وأنماط الإنتاج التي ولدتها، وعن تحليل الآلة السياسية للدولة البرجوازية، وعن الاستراتيجية الضرورية للصراع الطبقي من أجل إزالة هذه الآلة والتخلص منها» (ص. 66).

وبقيت النقاشات حول هذه الموضوعات، يضيف أندرسون، محصورة بين أيدي قيادات الأحزاب الشيوعية الغربية، الخاضعة تمامًا للمواقف السوفياتية.

ما الذي حلّ محل هذه الموضوعات إذًا؟

يخصّص أندرسون فصلًا كاملًا لتحوّل مفكّري الماركسية الغربية نحو الفلسفة، وهم أصلًا، في معظمهم، فلاسفة وأكاديميون. والمثير في ما يقوله أندرسون أن هؤلاء استقوا جلّ آرائهم من فلسفات سابقة على ماركس، الذي لم يترك، في نظره، أثرًا فلسفيًا واحدًا. فكان هيغل، وباشلار، وفرويد، وسبينوزا، وشيلنغ، وحتى نيتشه عند بعضهم، من بين المرجعيات الفلسفية لمفكّري هذه الماركسية الغربية.

وقد عزّز هذا التوجّه نحو الفلسفة اكتشاف مخطوطات عام 1844 لماركس الشاب، ونشرها للمرة الأولى عام 1932.

على أن الحقول الثقافية ودراساتها هي التي استهلكت القسم الأكبر من طاقات فلاسفة الماركسية الغربية. فالقسم الأكبر من كتابات لوكاش، مثلًا، يتناول الأدب، وألّف أدورنو اثني عشر كتابًا عن الموسيقى وثلاثة عن الأدب، فيما أنجز غولدمان دراسات عن راسين. وكذلك الأمر بالنسبة إلى ديلا فولبي وماركوز وبقية المفكّرين، وصولًا إلى سارتر.

أما غرامشي، فعلى الرغم من اختلافه قليلًا عن الآخرين، فإنه لم يكتب سطرًا واحدًا عن الاقتصاد، كما يقول أندرسون، وبقيت أبحاثه منصبّة على بنية الثقافة ودورها في خدمة النظم السياسية، أي على البنى الفوقية. وأما ألتوسير، فقد شكّلت الأيديولوجيا والتربية محور اهتماماته النظرية.

وقد هيمنت على هذه الأبحاث الثقافية، التي تناولت الإبستمولوجيا والاغتراب والتشيؤ والهيمنة والفن والجماليات واللغة وبنية الأيديولوجيا والذات والحرية، نظرة تشاؤمية، وجرى التعبير عنها بخطابات باطنية معقّدة، تشير إلى انفصال هؤلاء المفكّرين عن الجماهير وعن الممارسة السياسية، كما أسلفنا.

الاقتصاد السياسي

على أن أندرسون يرى، برغم ما تقدّم، أن هؤلاء المفكّرين قدّموا تجارب فكرية تُعدّ من أكثر التجارب تقدمًا في العالم، وعالجوا موضوعات لم تعالجها الماركسية الكلاسيكية. ويقول إنه يجب الاعتراف بقيمة هذه الماركسية والقطع معها في الوقت نفسه: «الماركسية الغربية كانت حتمًا أقلّ من الماركسية، لكونها غريبة عن المادية التاريخية، وهي لا يمكنها أن تمارس سلطتها إلا إذا تحررت من طابعها المحلي وفكرها المغلق، كائنًا ما كان» (ص. 131).

من جانبه، قارب لوزوردو مسألة هذا الانتقال بطريقة مختلفة عن مقاربة أندرسون. فهو لا يرى المسألة مجرد انتقال من حقل إلى آخر ضمن البنية الفكرية الماركسية، بل يعتقد أن التخلي عن إشكاليات الاقتصاد السياسي، وحصر الممارسة النظرية في البحث في شؤون الفلسفة والثقافة والفن، أدّيا إلى تحوّل في بنية الماركسية نفسها.

لنكن واضحين: لوزوردو لا يقلّل من أهمية الثقافة والفنون، لكنه يرفض اعتبارها منفصلة عن الشروط المادية التي أنتجتها، كما يرفض تهميشها التام لموضوعات الاقتصاد والدولة وبناء التنظيم السياسي والصراع الطبقي ومقارعة الإمبريالية.

إقرأ على موقع 180  لحظة إستثنائية وتنتهي.. هذه أميركا

حتى إنه يلاحظ أن هناك نفورًا صريحًا ومتزايدًا من الاقتصاد السياسي يميّز هذه الماركسية. ويستدلّ على ذلك بكلام لأرنست بلوخ (ص. 53)، يقول فيه إن تجاوز الرأسمالية يجب أن يتضمّن «التحرر من مادية المصالح الطبقية، ومن مقولة محو الفقر.. ومن كل المسائل الاقتصادية».

هذه المقاربة هي التي جعلته يوجّه نقدًا حادًا إلى مفكّري الماركسية الغربية، أمثال أدورنو وهوركهايمر وماركوز ونيغري وبورديو وألتوسير وغيرهم الكثير.

وفي المحصلة، يمكن اختصار موقف لوزوردو من هذه المسألة بالقول إنه يعتبر أن الثقافة في الماركسية الغربية لم تعد حقلًا من حقول تحليل الرأسمالية، بل أصبحت البديل من تحليل بناها المادية والسياسية والاقتصادية. وقد أسهم إهمال هذه البنى ودورها في إنتاج الثقافة في عدم فهم الماركسية الغربية لموضوعاتها ذاتها، فضلًا عن ابتعادها عن كل نشاط وممارسة سياسية.

ويرى لوزوردو أن هذا التحوّل، إضافة إلى تقارب أطروحات الكثيرين من فلاسفة الماركسية الغربية ومنظّريها مع أطروحات الليبرالية، قدّم خدمة لا يُستهان بها للأنظمة الرأسمالية الغربية.

الإمبريالية والاستعمار

يمكن القول إن الانفصال عن الممارسة السياسية، والتخلي عن دراسة الاقتصاد السياسي وإشكالياته، وحصر النشاط النظري لهذه الماركسية في الحقول الثقافية والفنية، والانطلاق من المعطيات الأوروبية حصرًا في هذه الدراسات، كان لا بدّ أن يؤدّي إلى تجاهل علاقة الرأسمالية الغربية بالاستعمار والإمبريالية، وكذلك إلى عدم الاهتمام بالدور الذي لعبته حركات التحرر الوطني.

وفي هذا المجال، يتبدّى الفرق الأكبر بين مقاربتَي أندرسون ولوزوردو للماركسية الغربية.

فبينما خصّص أندرسون جلّ جهده في هذا الكتاب لرصد التحولات الفكرية داخل الماركسية الغربية وانفصالها عن الممارسة السياسية، فإنه لم يتعرّض لإشكالية الإمبريالية وحركات التحرر الوطني إلا عرضًا، خلافًا للوزوردو الذي شكّلت هذه الإشكالية أحد أهم محاور كتابه.

يقول لوزوردو ساخرًا من طوباوية التفكير الماركسي الغربي: «حين كان الجيش الألماني على أبواب موسكو، كان هوركهايمر يهاجم الحكومة السوفياتية لأنها لا تعير انتباهًا كافيًا لمسألة إلغاء الدولة» (ص. 87).

ثم يتساءل: كيف لأندرسون أن يتجاهل أحداثًا بأهمية انتصار الثورة الصينية، وانتصار فيتنام على أعتى قوة إمبريالية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى كوبا، وهي انتصارات تحققت بقيادة أحزاب ماركسية وشيوعية؟ وكيف يتجاهل ثورات العديد من الشعوب التي أزاحت عن كاهلها سيطرة استعمارية امتدت أكثر من قرن، كما في الجزائر مثلًا، وفي مصر، مستوحيةً في نضالاتها ليس تراثها الثقافي فحسب، بل أفكار الثورة البلشفية أيضًا؟

إنها المركزية الأوروبية، كما يرى لوزوردو، التي تشكّل أساس النظرة الماركسية الغربية إلى العالم. هذه النظرة، التي اقتصرت على نقد التناقضات الداخلية في المجتمعات الغربية، أدّت إلى تهميش دور الاستعمار والإمبريالية، وبرهنت بذلك على قصورها في فهم هذا العالم وتناقضاته.

وإذا كانت الرأسمالية الغربية وقوتها مرتبطتين تاريخيًا بما نهبته من المستعمرات والأطراف، فإن تحليل هذه الرأسمالية ذاتها يصبح ناقصًا وخاطئًا، كونه لم يأخذ في الاعتبار الدور الذي لعبه الاستعمار في نشوئها وسيطرتها.

بكلام آخر، كيف يمكن فهم الرأسمالية الغربية ذاتها وثقافاتها، وكيف يمكن التخلص منها كنظام، إذا أهملنا العلاقة بينها وبين الاستعمار والإمبريالية؟ ثم كيف يمكن أن نتجاهل الدور الذي لعبته حركات التحرر الوطني وانعكاساته على طبيعة الرأسمالية، ليس في الغرب وحده، بل على المستوى العالمي؟

وهنا لا بدّ من بعض الملاحظات:

أولاً؛ وحتى لا نظلم أندرسون كثيرًا، أن هذه الإشكالية لم تكن موضوعه الأساس، لكن ذلك لا يعفيه من الخطأ في تجاهلها.

ثانيًا؛ إن المركزية الغربية ليست بالضرورة نتيجة موقف واعٍ ومؤيد للاستعمار الغربي، وإن كانت هناك بعض الاستثناءات التي اعتبرت أن الاستعمار ساهم في تقدم الشعوب «المتخلّفة».

ثالثًا؛ ينبغي الانتباه إلى أن هناك فروقات كبيرة بين الماركسيين الغربيين، ليس حول هذه المسألة وحدها، وإن كانت هناك بنية فكرية عامة تشكّل أساس نظرتهم إلى العالم وتناقضاته.

الاتحاد السوفياتي والتجارب الاشتراكية

يمكن القول إن الموقف من الاتحاد السوفياتي ومن التجارب الاشتراكية في القرن العشرين شكّل أحد الأسس التي قام عليها التمييز بين «ماركسية غربية» تتصدّى لدراسة الصراع بين البرجوازية والبروليتاريا في المجتمعات الصناعية المتقدمة، وأخرى «شرقية».

والماركسية السوفياتية، بهذا المعنى، شرقية، ارتبطت نضالاتها بمسألة التحرر الوطني وبناء الدولة ومقارعة الإمبريالية.

كانت أكثرية منظّري الماركسية الغربية معادية للنظام السوفياتي ولطبيعة الدولة التي أنشأها، وكذلك للأنظمة الاشتراكية الأخرى. فكيف يمكن تفسير هذا العداء؟

رأينا مع أندرسون أن ما ميّز الماركسية الغربية هو القطيعة بين النظرية والممارسة، وهذه القطيعة أنتجت تفكيرًا مسيانيًا طوباويًا، يرى في الدولة «الهدية المسمومة للنضال الوطني»، كما يقول نيغري وهاردت في كتابهما «الإمبراطورية» (ص. 202)، أو كما يقول هوركهايمر في النص الذي ورد أعلاه.

هذه الطوباوية والعزلة عن الممارسة السياسية الفعلية منعتا مفكّري الماركسية الغربية من رؤية الظروف التاريخية والواقعية، وكذلك الصعوبات التي مرّت بها الثورة السوفياتية، وخصوصًا العداء الذي قوبلت به من الدول الاستعمارية، والحرب التي شنّتها هذه الدول ضدها.

وقد حكمت مقاربة هؤلاء لمسألة الدولة نظرتُهم الحقوقية، الليبرالية أساسًا، إلى ممارسة العمل السياسي والدفاع عن حقوق المواطنين.

إنها المركزية الغربية مرة أخرى، إذ تحكم نظرة أكثرية مثقفي الماركسية الغربية، وتمنعهم من فهم الصعوبات التي تعترض بناء الدولة في بلاد متخلّفة اقتصاديًا، أو لنقل في بلاد ذات بنى اقتصادية واجتماعية ما قبل رأسمالية. وهذه، كما نعلم، كانت حال روسيا السوفياتية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي.

لم يأخذ هؤلاء في الاعتبار الظرف التاريخي، ولا الحصار الذي فرضه الغرب الرأسمالي على الثورة السوفياتية، ولا كون هذا الحصار وضرورة الدفاع عن الثورة في مواجهة أعدائها في الداخل والخارج فرضا على النظام اتخاذ إجراءات لم يرَ الغربيون فيها إلا مجرد ديكتاتورية وشمولية.

حتى حنّة آرندت، التي تناولت في الجزأين الأول والثاني من كتابها «أصول الشمولية» معاداة السامية والإمبريالية، عادت في الجزء الثالث لتقارن بين النازية والستالينية بوصفهما نموذجين للحكم الشمولي (لوزوردو، ص. 149–150). ومثلها فعل نيغري وهاردت في «الإمبراطورية» (لوزوردو، ص. 259).

هكذا، لم يرَ الكثيرون من مفكّري الماركسية الغربية في التجربة السوفياتية إلا ديكتاتورية ستالين والستالينية، وأصبح العداء له ولها يُعتبر واجبًا أخلاقيًا، ليس بالنسبة إلى هؤلاء المفكّرين وحدهم، بل لغالبية مفكّري الغرب عمومًا.

خلاصة

تعكس الفروقات بين نظرتَي أندرسون ولوزوردو للماركسية الغربية توجهاتهما الفكرية المختلفة ضمن الفكر الماركسي. فأندرسون ذو ميول تروتسكية، ولوزوردو ذو ميول ماوية. وقد رأينا أن هناك بعض النقاط المشتركة بين نظرتَي الكاتبين إلى الماركسية الغربية، فضلًا عن الكثير من الاختلافات.

كانت هزيمة الثورات في دول الغرب المتطورة هي التي أدّت إلى عزلة مثقفي الماركسية الغربية وانقطاعهم عن الممارسة السياسية المباشرة. وقد عزّز هذا الانقطاعَ المنبتُ الطبقي البرجوازي لهؤلاء المثقفين، وطبيعةُ عملهم في المجال الأكاديمي، والفلسفي عمومًا، كما يرى أندرسون.

أضحت الثقافة مجال عملهم ومحور اهتماماتهم الفكرية، بدلًا من إشكاليات الاقتصاد السياسي والصراع الطبقي وقضايا الثورة، كما كانت الحال بالنسبة إلى زعماء الماركسية الكلاسيكية ومفكّريها، وماركسيّي العالم الثالث وحركات التحرر الوطني في صراعهم مع الإمبريالية.

أما لوزوردو، فيعزو مواقف الماركسيين الغربيين إلى المركزية الأوروبية التي طبعت تحليلاتهم، ما أفقدها الكثير من قيمتها النظرية، فضلًا عن كونها تماهت، في الكثير من مواقفها، مع الأنظمة الغربية الرأسمالية.

وقد ساهمت كل هذه العوامل، بحسب لوزوردو، منطقيًا في اتخاذ مواقف معادية للدولة السوفياتية واتهامها بالشمولية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأنظمة التي بناها زعماء حركات التحرر الوطني في العالم.

المراجع:

  1. Perry Anderson, Sur le marxisme occidental, Petite Collection Maspero, Paris, 1977.
  2. Domenico Losurdo, Western Marxism: How It Was Born, How It Died, How It Can Be Reborn, edited by Gabriel Rockhill, Monthly Review Press, New York, 2024. [صدرت الطبعة الإيطالية الأصلية عام 2017].
Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  لحظة إستثنائية وتنتهي.. هذه أميركا