سقوط بابل ودمشق.. قراءة تاريخية 

منذ فجر التاريخ، شكّل سقوط العواصم المهمة محطات مفصلية غيّرت موازين القوى وأعادت رسم الخرائط السياسية والدينية في العالم.

لعل سقوط بابل المدينة التي كانت مركز العالم القديم على يد الملك الفارسي قوروش سنة 539 ق م، وسقوط دمشق في سياق الحرب الأهلية السورية والصراع الإقليمي والدولي المستمر على سوريا، هما من أبرز الأمثلة التي تُسلّط الضوء على الدور الفاصل للقوى الأجنبية في تبدل أحوال الدول، وهو الأمر الذي تتناوله هذه الدراسة التي تعتمد المنهج التاريخي التحليلي والمقارن.

في حالة بابل، شكّل انسحاب الملك نبونئيد وغياب المقاومة الواقعية أرضية مثالية لتسليم المدينة إلى الفرس. بالمقابل، شهدت دمشق بوصفها إحدى أقدم العواصم في العالم، مساراً مشابهاً يختلط فيه التأزم الداخلي بالتآمر الخارجي فكانت النتيجة سقوط دمشق، كما بابل قبل آلاف السنين.

احتدم الصراع المسلح في سوريا وعلى سوريا، فانفتح الباب أمام لعبة التدخلات الإقليمية والدولية، ولا يجوز الاستهانة بمفاعيل “قانون قيصر” الأميركي الذي فرض عقوبات اقتصادية قاسية لا بل مُدمّرة زادت من تدهور الوضع الاقتصادي والمالي والنقدي وأرهقت مؤسسات الدولة وأفقرت غالبية الشعب السوري ولا سيما الشريحة التي تنتظم اجتماعياً في مؤسسات القطاع العام.

أولاً؛ السياق التاريخي لسقوط بابل:

كانت بابل في ذروة قوتها خلال فترة حكم الملك نبوخذ نصر الثاني (605-562) ق م لكنها بدأت بالضعف تدريجياً في عهد خلفائه. وكان آخر ملوكها نبونئيد (556-539) ق م الشخصية المثيرة للجدل كونه أتى إلى الحكم من خلفية دينية، إذ عُرِفَ عنه انشغاله بالمسائل الدينية أكثر من شؤون الحكم. وطبيعي أن يؤدي ذلك إلى اهمال الإدارة العسكرية والسياسية للإمبراطورية، مما ترك آثارًا سيئة على المستوى الداخلي بين النخبة السياسية والدينية في بابل.

هنا ظهر قوروش الثاني ملك فارس، كقوة إقليمية صاعدة ونجح في توحيد الإمبراطورية الإخمينية وبالتالي إقامة تحالفات أبرزها مع اليهود، الجماعة التي كانت تعيش في بابل من جراء السبي المعروف.

انسحاب نبونئيد وسقوط بابل:

 بناءً على الأصول التاريخية، انسحب نبونئيد من بابل قبل غزوها بفترة صغيرة وذهب إلى منطقة تيماء، ما ساهم في انهيارها وانهيار الروح المعنوية للشعب والجيش. دخل قوروش إلى مدينة بابل من دون مقاومة تذكر في سنة 539 ق م بعد معركة قصيرة عند أسوارها، وقدّم قوروش نفسه كمحرر للشعب البابلي.

يُذكر أن أحد أبرز العوامل التي سهّلت سقوط بابل كان التحالف الضمني ما بين الجيش والتجار والجماعات اليهودية، فقد رأى اليهود في قوروش أداة لتحقيق نبوءاتهم الدينية. وتشير بعض المصادر إلى أن اليهود كانوا على استعداد لدعم الفرس، سواء عبر تقديم المعلومات أو اثارة الفتن داخل المدينة بهدف الإطاحة بسلطة بابل.

التحليل الاقتصادي والاجتماعي لسقوط بابل:

على الرغم من أن سقوط بابل يُنظر إليه غالبًا من زاوية التحالفات السياسية والدينية، إلا أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية لعبت أيضًا دورًا محوريًا في انهيار الإمبراطورية البابلية. فقد شهدت بابل أزمات مالية حادة في عهد نبونئيد، حيث فرضت الدولة ضرائب ثقيلة على الطبقة الوسطى وطبقة التجار لدعم المشاريع الدينية التي انشغل بها الملك، ما أدى إلى حصول استياء اقتصادي واسع.

إضافة إلى ذلك، كانت البنية التحتية الزراعية والتجارية متدهورة بسبب الاعتماد المفرط على استيراد المواد الغذائية من المناطق المجاورة، وبخاصة بعد انخفاض إنتاج المحاصيل نتيجة الجفاف في بعض الفترات. ساهمت الأعباء العسكرية في إنهاك الاقتصاد، وبالتالي ضعفت القدرة الدفاعية للإمبراطورية.

أما من الناحية الاجتماعية، فقد كانت الفجوة بين الطبقات تتزايد، بينما عانى عامة الشعب من الفقر والضرائب المرتفعة، مما سهّل على الفرس استمالة بعض الفئات داخل مدينة بابل.

التحليل السياسي لسقوط بابل:

على المستوى الداخلي؛ ضعف الدولة في عهد نبونئيد، إضافة إلى عدم رضا الشعب ورجال الكهنة عن سياسته الدينية وتخليه عن إله البابليين مردوخ وتحوله إلى عبادة سيين؛ كل ذلك جعل الكهنة يتكاتفون بالتآمر عليه.

أما على المستوى الخارجي؛ فقد استغلت بلاد فارس ضعف بابل، وسط غياب الحلفاء وحدوث توترات داخلية سهّلت سقوط المدينة.

يُمكن الاستنتاج أن سقوط بابل لم يكن مجرد حدث عسكري عابر، بل نتاج عوامل داخلية وخارجية، أبرزها ضعف القيادة وتحالف قوروش مع اليهود.

ثانياً؛ السياق العام لسقوط دمشق:

شهدت سوريا منذ العام 2011 اندلاع واحدة من أعنف الازمات في تاريخها المعاصر، بدأت باحتجاجات سلمية كان يُمكن استيعابها بطريقة مختلفة، قبل أن تتحول إلى حرب مسلحة بكل معنى الكلمة. وباعتبار دمشق العاصمة السياسية والرمزية للدولة السورية، لطالما كانت تُشكّل السيطرة عليها هدفاً استراتيجياً للقوى المتحاربة سواء على المستوى الداخلي أو الإقليمي أو الدولي.

ومع تصاعد الصراع، لعبت مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية دوراً حاسماً في تقويض سلطة الدولة واضعاف قدرتها على الصمود، مما جعل دمشق عرضة للسقوط:

1-العوامل الداخلية لسقوط دمشق:

لعبت العوامل الاقتصادية والاجتماعية دورًا أساسيًا في تفاقم الأزمة السورية وسقوط دمشق في قبضة الاضطرابات السياسية. فمع اندلاع الأزمة السورية، تأثرت القطاعات الحيوية مثل الزراعة والصناعة، بين عامي 2011 و2015 كما تضررت شبكات الري بسبب القتال حيث انخفض إنتاج القمح بنسبة 60%، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي بشكل غير مسبوق.

وتسببت العقوبات الاقتصادية (قانون قيصر) في شلل كامل للصناعات الثقيلة ولا سيما تلك المتعلقة بإنتاج النفط والغاز، حيث انخفض إنتاج النفط من 385 ألف برميل يومياً إلى 25 ألف برميل يوميًا بحلول 2020 ما أدى إلى انهيار الإيرادات الحكومية وتفاقم أزمة العملة الوطنية.

إقرأ على موقع 180  مجدداً سوريا في عين العاصفة.. ومعها لبنان

وأدى النزوح الجماعي للسكان إلى تفكيك البنية الاجتماعية، حيث اضطر أكثر من 5 مليون شخص لمغادرة البلاد، بينما نزح أكثر من 6.6 مليون شخص داخل البلاد، مما تسبب في ضغط هائل على البنى التحتية والخدمات في دمشق. وأثرت الأزمة بشكل دراماتيكي على الطبقات الفقيرة والمتوسطة، بينما استطاع بعض رجال الأعمال المرتبطين بالنظام الاستفادة من الحرب عبر تجارة السوق السوداء، وكانت النتيجة ازدياد ثروات هؤلاء مقابل وقوع أكثر من 80% من الشعب السوري تحت خط الفقر، حسب إحصاءات الأمم المتحدة.

2- العوامل الخارجية المؤثرة:

أ – قانون قيصر الأميركي (2020) 

أقرت الولايات المتحدة الأميركية “قانون قيصر” لمعاقبة الشعب والدولة من خلال فرض عقوبات اقتصادية شاملة استهدفت القطاعات الحيوية. هذا القانون أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية وزيادة معاناة الشعب السوري. وقد مثّل هذا القانون أداة ضغط دولية نجحت في تقويض قدرة الدولة على الصمود.

ب – الدور التركي:

التدخل العسكري التركي المباشر في الشمال السوري جاء تحت حجة حماية أمن تركيا القومي، لكنه شكّل غطاء لدعم فصائل مسلحة تأتمر بأوامر تركيا، وهذا ما أضعف سيطرة الدولة السورية على أجزاء كبيرة وموارد كثيرة من خيرات البلاد.

ج – الدور الإسرائيلي:

استفادت إسرائيل من ضعف الدولة المركزية السورية وذلك لتحقيق أهدافها الأمنية والاستراتيجية وتمثل ذلك بشن ضربات جوية على مواقع حيوية داخل الأراضي السورية (بموافقة روسية) طوال سنوات الأزمة السورية، وكانت النتيجة المزيد من اضعاف الجيش السوري وفقدانه القدرة على الصمود. ومن منظور سياسي طويل المدى يمكن فهم التدخل الإسرائيلي في سياق مشروع (إسرائيل الكبرى) الذي يسعى لأضعاف الدول المحيطة وتفتيتها مقابل تعزيز نفوذ إسرائيل الشرق أوسطي.

ثالثاً؛ مقارنة تحليلية بين سقوط بابل وسقوط دمشق:

أ – ضعف النظام الحاكم في بابل ودمشق

مما لا شك فيه أن النظام في بابل قد عانى من انقسامات داخلية حادة وسوء إدارة، ما أدى إلى تفاقم الأزمات السياسية والاجتماعية. وأدى هروب الملك نبونئيد الذي كان قد أعطى معظم وقته للمسائل الدينية إلى فراغ سياسي كبير وبخاصة بعد أن ترك الحكم لولده القاصر، الأمر الذي ساعد قوروش باحكام سيطرته على بابل بسهولة مطلقة.

ضعف النظام السوري في مواجهة الاحتجاجات الشعبية إلى جانب التحديات الاقتصادية (ولا سيما قانون قيصر)، إضافة إلى الانقسامات الداخلية، كُلُّ ذلك أدى إلى انهيار الهيكل السياسي والاجتماعي الداخلي من جهة وتحفيز أطراف إقليمية ودولية لتزخيم تدخلها واحكام سيطرتها بسهولة مطلقة أيضاً، من جهة ثانية.

ب – التدخلات الخارجية في بابل ودمشق 

تحالف اليهود وضباط الجيش والتجار مع قوروش ساعد الفرس في دخول بابل من دون مقاومة تُذكر، حيث استفادوا من الدعم الداخلي والخارجي لتنفيذ خططهم.

بالمقابل، وبرغم التدخل الروسي والإيراني لمصلحة النظام، أدت التدخلات الإسرائيلية والتركية والأميركية إلى إضعاف النظام السوري. وتجدر الإشارة إلى أن هذه التدخلات كانت بمثابة استراتيجية متعددة الأطراف بهدف النيل من النظام السوري.

ج – العاملان الديني والسياسي في بابل ودمشق

كان من الطبيعي خلال العصور القديمة أن يكون للعامل الديني دوره الكبير والمهم في سقوط الامبراطوريات ولعل بابل نموذجاً حيث استغل قوروش التوترات الدينية بين اليهود والبابليين لكسب دعم الجماعات اليهودية، وبخاصة بعد أن تخلى الملك نبونئيد عن عبادة مردوخ، حيث استخدم قوروش العامل الديني وسيلة لتعزيز سيطرته وبالتالي حكمه على بابل.

كذلك الأمر في دمشق، عندما أدى استخدام الطائفية والمذهبية إلى اضعاف الدولة السورية المركزية. هنا استغلت اسرائيل هذا الوضع لتحقيق مصالحها الجيوسياسية في إطار مشروعها الأم وهو “إسرائيل الكبرى”، بدليل ما تقوم به منذ سقوط نظام آل الأسد من تدمير لما تبقى من مقدرات سورية حتى يومنا هذا.

وتكشف المقارنة بين سقوط بابل ودمشق عن أوجه تشابه كبيرة أدت إلى الإطاحة بالعاصمتين، برغم الفارق الزمني في كلتا الحالتين. وتجدر الإشارة إلى أن الدور اليهودي كان عنصراً فاعلاً في تحريك الأحداث، سواء عبر تحالفات سياسية أو دينية أو من خلال التدخلات المباشرة وغير المباشرة، وهذا يأخذنا إلى استنتاج مفاده أن الأحداث تُعبّر عن وجود إرادة إقليمية ودولية بإعادة رسم خريطة المنطقة وفقاً لمصالح القوى الكبرى والمؤثرة.

في الخلاصة؛ مشروع “إسرائيل الكبرى” ليس مجرد رؤية توراتية دينية، بل هو استراتيجية تهدف الى إعادة تشكيل الشرق الأوسط لمصلحة إسرائيل، وبرغم المخاطر، فإن الوعي الجماعي قد يكون أداة من أدوات المواجهة، وهذا يعني أن تستمر المسألة الفلسطينية في صلب أولويات المفكرين والباحثين والمهتمين. إن التجارب التاريخية تظهر لنا كيف أن الشعوب التي تُدرك بوعيها الأخطار المحدقة بها يمكنها الصمود والتصدي وبالتالي النهوض مجدداً.

Print Friendly, PDF & Email
نجا حمادة

باحث في علم التاريخ، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  «أوبنهايمر» الشيوعي المعذب.. أبو القنبلة النووية!