يأخذنا الدكتور علي العلي في كتابه الجديد في رحلة طويلة تبدأ من التاريخ القديم، ومن «طور بيل» قبل طرابلس الفينيقية، مروراً بالمراحل التي كانت فيها المدينة عاصمة أو مركزاً سياسياً وإدارياً، وصولاً إلى نشوء دولة لبنان الكبير وما رافقه من أسئلة الهوية والانتماء، ويتوقف عند ثلاثة مشاعر يقول إنها ترسّخت في الوعي الجمعي الطرابلسي: شعور العاصمة، شعور المدينة العصية، وشعور التمرّد؛ وهذا التوصيف يستحق التعمق أكثر فأكثر في الكتاب.
فهل بقيت طرابلس أسيرة تاريخها بوصفها عاصمة سابقة؟ وهل تحوّل الاعتزاز بهذا التاريخ إلى شعور دائم بفقدان المكانة؟ وهل كان تمرّدها على السلطات المتعاقبة تعبيراً عن نزعة متجذّرة إلى الرفض، أم عن علاقة مضطربة مع سلطات لم تنجح دائماً في بناء الثقة مع المدينة؟
ثم يأتي السؤال الأكثر حساسية: ماذا حصل عام 1920 (تاريخ نشوء دولة لبنان الكبير) عندما أصبحت طرابلس جزءاً من لبنان الحالي؟
من المعروف أن قطاعات واسعة من أهل مدينة طرابلس لم تكن متحمسة للمشروع اللبناني بصيغته الأولى، وأن ارتباط طرابلس التاريخي والاجتماعي والاقتصادي ببلاد الشام جعل مسألة الانتماء إلى الكيان الجديد موضع خلاف.
لكن أكثر من قرن مرّ على قيام دولة لبنان الكبير، وأكثر من ثمانين عاماً على الاستقلال.
وهنا أعتقد أننا مدعوون إلى طرح سؤال مختلف: إلى أي حدّ لا تزال تلك اللحظة التأسيسية تفسّر علاقة طرابلس بالدولة اليوم؟ وإلى أي حدّ أصبح استدعاؤها يحجب مسؤوليات الحاضر؟
فالمدينة لم تبقَ خارج الحياة اللبنانية. لقد شاركت في استقلال لبنان، وفي بناء مؤسساته، وفي حياته السياسية والثقافية والاقتصادية. وقدّمت شخصيات وطنية تجاوز حضورها حدود المدينة والشمال.
ومع ذلك، بقي الشعور بالتهميش قائماً، بل تعمّق في مراحل مختلفة.
والإنصاف يقتضي هنا ألا نحمّل الدولة وحدها كل المسؤولية، كما لا يجوز أن نحمّل المدينة وحدها مسؤولية تعثّرها.
فثمة مسؤولية للسلطات المتعاقبة، ومسؤولية للقوى السياسية المحلية، ومسؤولية للنخب الاقتصادية والاجتماعية، وربما أيضاً مسؤولية لثقافة سياسية اعتادت الشكوى (يعني بالدارج النق) أكثر مما اعتادت بناء المشاريع.
وأعتقد أن أهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط في استعادة التاريخ، بل في محاولة فهم كيف تحوّل هذا التاريخ إلى وعي جمعي، وكيف يمكن لهذا الوعي أن يساعد على بناء المستقبل، أو أن يتحوّل إلى عبء عليه.
ولعل أكثر ما استوقفني في الرؤية التي يختم بها المؤلف عمله هو الدعوة إلى الانتقال من أسر التاريخ إلى استلهامه، ومن موقع الضحية إلى موقع الفاعل، ومن المجتمع الأهلي إلى مجتمع مدني تحكمه المؤسسات والكفاءة والمواطنة.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
طرابلس لا تستطيع أن تبني مستقبلها على انتظار إنصاف يأتيها من العاصمة وحدها. وفي المقابل، لا تستطيع الدولة اللبنانية أن تطالب المدينة بالاندماج الوطني الكامل من دون أن توفّر لها شروط المشاركة الاقتصادية والتنموية والسياسية المتكافئة.
فالمطلوب ليس أن تتخلّى طرابلس عن خصوصيتها، ولا أن تنغلق داخل هذه الخصوصية، بل أن تحوّلها إلى مصدر قوة وإضافة للمشروع الوطني اللبناني.
ولعل السؤال الذي أود أن يحكم نقاشنا اليوم هو:
هل نريد أن نبقى نبحث في أسباب تراجع طرابلس، أم آن الأوان لأن نبحث في شروط نهوضها؟
فالتاريخ مهم لفهم الحاضر، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلاً عن صناعة المستقبل.
والمدينة التي كانت يوماً مركزاً تجارياً وثقافياً وإدارياً، تمتلك اليوم من الموقع الجغرافي والمرفأ والتراث والجامعات والطاقات البشرية ما يسمح لها باستعادة دورها، إذا توافرت الرؤية والإدارة والإرادة السياسية.
وهذا، في رأيي، هو التحدي الحقيقي: أن ننتقل من المطالبة بمكانة طرابلس إلى العمل على إنتاج هذه المكانة.
وربما يمكن اختصار الفكرة كلها بالقول إن طرابلس ليست مدينة تبحث عن وطن بديل، بل مدينة تبحث عن موقعها ودورها داخل وطنها.
أخلص إلى القول أنني عندما انتهيت من مراجعة كتاب «رسالة الذي لا بدّ منه»، ثمة سؤال طرحته على نفسي وأنا بدوري أطرحه على كل المهتمين والمعنيين بطرابلس ودورها هو الآتي:
هل التهميش الذي تعانيه طرابلس نتيجة علاقة تاريخية متوترة مع الدولة، أم أنه جزء من أزمة الدولة اللبنانية نفسها، التي طاولت مناطق أخرى أيضاً؟ هذا السؤال يسمح بفتح نقاش يتجاوز السردية الطرابلسية من دون أن ينتقص من خصوصيتها.
(*) مداخلة الدكتور خلدون الشريف في الندوة الحوارية التي نظمها مركز البحوث والتنمية المستدامة في كلية الفنون الجميلة والعمارة، الفرع الثالث، طرابلس، حول كتاب “رسالة الذي لا بد منه.. طرابلس لبنان في كنف الوطن” لمؤلفه الدكتور علي العلي.
