ارتدّت بي الذاكرة على الفور إلى نهاية الشهر المنصرم، حين بلغني نبأ تعرضه لحادث سير مروّع، وأن حالته الصحية حرجة ولا تبعث على الطمأنينة. تذكرت كيف حاولت يومها الاتصال به مراراً، غير أن رنين هاتفه كان يرتدّ إليّ صامتاً بلا مجيب.
وكان الأكثر إيلاماً أن شاشة هاتفي سجلت، يوم الأحد السابع من يونيو/حزيران 2026، مكالمتين فائتتين من رقم الراحل. لم أعد الاتصال يومها، مبرراً ذلك بانشغالي بالفحوصات الطبية الدقيقة التي سبقت خضوعي للجراحة. وظللت أؤجل مهاتفته والاطمئنان عليه، إلى أن وصلني نعيه مكتوباً بالسواد، معلناً أن وقت الكلام قد انقضى.
استحضرت فجأة أن التغزري كان، قبل أيام معدودات، محور حديث ذي شجون جمعني بأخي المناضل والمحامي الحسن القرني، ونحن نرتشف القهوة المرة في مقهى «الشانزليزيه» بمدار مرس السلطان الشهير بالدار البيضاء. واكتشفت يومها أن القرني يملك مخزوناً وافراً من الحكايات عن التغزري؛ عن أسرته، وشبابه الأول، ودراسته الثانوية والجامعية، وانتمائه المبكر إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ثم مساراته اللاحقة داخل الاتحاد الاشتراكي.
راودتني يومها فكرة دافئة بأن أنسق مع القرني للقيام معاً بزيارة مواساة للتغزري في فراش مرضه، لكن الموت كان أسرع من خطانا المؤجلة.
***
عاد بي الزمن إلى المرة الأولى التي وقعت فيها عيناي على عبد الله التغزري. كان ذلك سنة 1974، بقاعة عبد الصمد الكنفاوي بحديقة الجامعة العربية في الدار البيضاء، خلال نشاط إشعاعي للجمعية المغربية لتربية الشبيبة (لاميج)، تلك الجمعية العتيدة التي كان من أبرز مؤسسيها الزعيم الشهيد المهدي بنبركة. كان الراحل يومها من أنشط وجوه فرعها البيضاوي، شاباً حديث التخرج، متقد الحماس، يلج سلك تدريس الفلسفة بإحدى ثانويات العاصمة الاقتصادية.
ولا تزال الصورة الأولى التي رأيته بها حية أمام ناظريّ كأنها التُقطت بالأمس: قامة فارعة، ولحية سوداء كثيفة ترسم ملامحه الصارمة، ومعطف يلقيه بإهمال مقصود فوق كتفيه، تتدلى أكمامه بين جانبيه في ما يشبه إعلاناً صامتاً عن طبع ثائر. وطوال ذلك النشاط الإشعاعي كان يتحرك كالمكوك في كل الاتجاهات، ولم أره جالساً لبرهة واحدة.
وكان صديقي وابن حيّنا الراحل العايدي الحنبلي، أستاذ الرياضيات بكلية العلوم بالرباط، والأمين العام للنقابة الوطنية للتعليم العالي في ثمانينيات القرن الماضي، هو من انتبه إلى شغفي الشبابي المتطلع، فوشوش لي في أذني باسم التغزري، منوهاً بمساره وذكائه.
بعد أشهر قليلة، رأيتُ عبدالله جالساً بملامحه الواثقة تحت منصة المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في يناير/كانون الثاني 1975، حيث كان يعمل بهمة ضمن لجنة التغطية الصحافية لأشغال ذلك المؤتمر التاريخي، الذي شاركت فيه، وأنا شاب يافع، ضمن وفد شبيبة الدار البيضاء.
***
لطالما كان التغزري حاضراً في جلساتنا، إذ كان الصديق القاص والروائي الراحل محمد زفزاف يحدثني بكثير من المحبة والدعابة عن زمالته له في شعبة الفلسفة بكلية الآداب بالرباط، في أواخر ستينيات القرن الماضي.
كان زفزاف، حين يروق له مناخ السخرية المبطنة، يروي لي كيف أن الأستاذ المصري الشهير الدكتور نجيب بلدي، الذي كان يدرّس بجامعة محمد الخامس بالرباط، التفت يوماً إلى الطالب عبدالله التغزري، بملامحه الإفريقية السمراء الصارمة، وقال له مازحاً:
«أنا عمري ما شفت في التاريخ فيلسوفاً أسود! ما الذي أتى بك إلى دراسة الفلسفة؟».
ولم يكن زفزاف يفوّت فرصة للمقارنة الساخرة، بروح رفاقية لا تخلو من مرارة. فذات مرة، حين ترقّت صديقتنا المشتركة الأستاذة فرتات التيجانية، قال لي وهو يحدّق في الأفق:
«انظر إلى صاحبنا التغزري.. كيف بقي في مكانه، بينما جاءت التيجانية، وهي أصغر منه ومن جيل تالٍ لتخرجه، لتصبح مفتشة لمادة الفلسفة في وزارة التعليم!».
لكن التغزري بدا وكأنه مصرّ على نحت مساره الخاص، بصمت وعناد يليقان بأهل الفلسفة. ولم تمض سنوات قليلة حتى ارتقى، بكفاءته وجدارته، إلى هيئة التفتيش، ملتحقاً بركب الطليعة التوجيهية للمادة التي عشقها وأفنى فيها عمره.
***
دارت عجلة الأيام، لأجد نفسي إلى جانب عبدالله التغزري في هيئة تحرير يومية «المحرر» العتيدة، حيث كان واحداً من أبرز المتعاونين مع الجريدة وأكثرهم عطاءً. كان يخط بقلمه الرصين مقالات نقدية وازنة في المسرح، ويتابع بكثير من الدقة قضايا الثقافة والمجتمع.
ولا تزال الذاكرة تحتفظ بتحقيقاته الثقافية وحواراته التي أجراها مع عدد من أبرز مثقفي المشرق العربي، عندما شدّ الرحال برفقة صديقه الحميم الراحل محمد مؤيد، في رحلة استكشافية إلى سوريا والعراق ولبنان ومصر، في صيف عام 1978، إن لم تخنّي الذاكرة. رحلة امتدت لأشهر طويلة، موّلاها بالكامل من مالهما الخاص، بدافع الشغف بالمعرفة والفكر.
في سنواته الأولى، كان التغزري صارماً في مواقفه، ومشاكساً إلى حد ما، لذلك لا أزعم اليوم، من باب الوفاء المتأخر، أننا كنا صديقين منذ البداية. لقد احتاج الأمر إلى توالي الأيام وتراكم السنوات حتى تنحسر مسافة التوجس الأولى، وتنسج بيننا علاقة مودة متينة.
وكان، بشهادة كثيرين ممن عاصروه، ذا طبع حاد، ولم يكن من قبيل المصادفة أن يختار لركنه الشهير في جريدة «المحرر» عنواناً بالغ الدلالة: «زاوية حادة». كان يطل منها بمبضع نقدي صريح، لا يعرف المهادنة ولا المواءمة.
ومن أشهر الوقائع التي ارتبطت بتلك الزاوية، نقده اللاذع لمسرحية «القربة في الميزان» للمخرج الراحل عبد القادر البدوي. فقد أثار المقال غضب البدوي، الذي اعتبر ما كتبه التغزري تحاملاً شخصياً لا يمت بصلة إلى النقد المسرحي.
توجه البدوي يومها إلى مدير الجريدة، الشهيد عمر بنجلون، الذي استمع إليه بحكمة، قبل أن يطلب من التغزري التوقف عن تناول أعمال البدوي، فلا يكتب عنها سلباً ولا إيجاباً.
غير أن تقلبات العمر جعلت من التغزري، مع مرور الوقت، إنساناً أكثر هدوءاً وصفاءً، وإن ظل محتفظاً بابتسامته الساخرة التي كانت تتهكم بمرارة من مفارقات الواقع وعثراته.
***
في سنواته الأخيرة، توّج التغزري مساره الفكري بعدد من المؤلفات المهمة في الفلسفة والسياسة والسوسيولوجيا والنقد المسرحي والترجمة. وكان متعففاً عن طلب الدعم، حريصاً على إصدار كتبه على نفقته الخاصة.
ولا أنسى أنني صادفته ذات مرة في بيت صديقنا المشترك المخرج والممثل شفيق السحيمي، وهو يحمل بعضاً من مؤلفاته الجديدة ليهديها إليه، ويتولى بنفسه توزيع كتبه بين الأصدقاء والمحبين، في محاولة عصامية لاستعادة جزء من تكاليف طباعتها الباهظة.
تذكرت بأسى آخر لقاء مباشر جمعني به، أمام الكشك المجاور لمقهى «لاكونكورد» بقلب الدار البيضاء. كان الوهن قد بدأ يتسلل إلى جسده النحيل، وصار لا يغادر البيت إلا متكئاً على مساعد، وفي رعاية ابن أخيه البار مصطفى.
هناك، عند مدخل المقهى، أخذ ينبش في دفاتر الذكريات، ليعيدني إلى واقعة تعود إلى مطلع الثمانينيات، حين طلب مني أن أشاهد عرضاً مسرحياً لمخرج مغربي شاب، مقتبساً عن نص للكاتب الفلسطيني وليد رباح. كتبت يومها مقالة نقدية في «المحرر»، ضمن ركن «وجه من الهواة»، لكن مقالتي أثارت غضبه، فعاد هو نفسه ليكتب مقالاً مشيداً بالمسرحية، برغم أنه لم يكن قد شاهد العرض أصلاً.
ولم أفهم خلفية الأمر إلا لاحقاً، حين تبين لي أن المخرج الشاب كان يتابع دراسته في فرنسا، وكان بحاجة إلى ملف صحافي يعزز به ملف تخرجه.
وذلك المخرج لم يكن سوى عبد الواحد عوزري، الذي سيصير لاحقاً أحد أبرز صناع المسرح المغربي، وشريك الراحلة ثريا جبران في تجربة «مسرح اليوم».
وحين انتهى التغزري من استعادة هذه الواقعة، أطلق ضحكة صافية من أعماق روحه المتعبة، ثم التفت إليّ قائلاً، بنبرته الساخرة المعهودة:
«قولبناك»!
خلال حفل تكريم الأستاذ محمد رونق، أحد قيدومي تدريس الفلسفة في المغرب، في إحدى قاعات درب السلطان، لمحتُ عبدالله من بعيد. غادرت القاعة يومها على عجل، قبل إسدال الستار على الحفل، ففاتتني فرصة الاقتراب منه، ومصافحته، واحتضانه الأخير الذي لا لقاء بعده.
ويضاف إلى هذا الفوات المؤلم ضياع فرصة الاعتذار عن مكالمتين هاتفيتين ظلتا معلقتين في ذمتي، كدين من شجن لا يملك النسيان له سداداً، ولا تجود الأقدار بفرصة ثانية لقضائه.
هكذا ينصرف الكبار في صمت، تاركين وراءهم إرثاً باذخاً، ووطناً ساهياً عن أبنائه الحقيقيين.
رحل عبد الله التغزري وفي حلقه غصة الجحود، وترك لنا مكالمتين فائتتين، ودَيْناً مقيماً من شجن.
نم هادئاً أيها الرفيق.
لقد تركت «زاويتك الحادة» مشرعة على الحقيقة، أما الذكرى، فلن يطالها الغياب.
