أدونيس في «هجرة الشمس»: حين تُصبح اللغة سؤالًا

ليس هيّنًا أن يتصدّى المرء لقراءة أدونيس؛ فالاقتراب من شعره ملامسةٌ لصفحة واسعة من تاريخ الحداثة الشعرية العربية، بما انطوت عليه من مغامرات جمالية وفكرية غيّرت علاقتنا بالقصيدة واللغة والتراث. فعلى امتداد أكثر من نصف قرن، تشكّل لأدونيس مشروع شعري ونقدي تتداخل فيه رؤيا الشاعر مع أسئلة المفكّر، وتتجاور فيه مغامرة الخلق مع جرأة مساءلة الموروث، حتى غدا الاقتراب منه امتحانًا لقدرة الناقد على التمييز بين المكانة التاريخية للشاعر والقيمة الفنية للعمل الذي يضعه بين يديه.

غير أن عظمة التجربة لا تعني عصمة نصوصها، كما أن مساءلة النص لا تعني الانتقاص من صاحبه. ومن حق أدونيس علينا، وهو الذي جعل السؤال والاختلاف والتجاوز من مرتكزات مشروعه، ألّا نقرأه بعين المريد الذي يكتفي بالإعجاب، ولا بعين الخصم الذي يفتّش عن مواطن الإخفاق، بل بعين القارئ الذي يتعلّم من التجربة ويختبرها في الوقت نفسه. فالنقد الذي يليق بقامة أدبية كبيرة ليس ذلك الذي يتنازل عن أحكامه إجلالًا لها، وإنما الذي يرتفع بمعرفته وحجّته إلى مستوى محاورتها.

ومن هذا المنطلق نقترب من «هجرة الشمس» (دار الساقي، 2026)، لا لنبحث عن شاهد جديد على مكانة أدونيس، فقد استقرّت هذه المكانة في تاريخ الشعر العربي، ولا لنطلب من ديوانه أن يعيد إنتاج التحوّلات التي صنعت اسمه، بل لنتأمّل ما يفعله الشاعر اليوم باللغة التي أمضى عمره في تجديدها. ما الذي بقي من أسئلته القديمة، وما الذي تغيّر في طرائق التعبير عنها؟ وكيف يستطيع شاعر اعتاد أن يعيد تشكيل العالم بالكلمات أن يجعل الكلمات نفسها موضع شكّ ومساءلة؟ هنا تبدأ قراءتنا: عند العلاقة الدقيقة بين سلطة اللغة وحرية الأشياء، وبين خبرة العمر ودهشة الاكتشاف، وبين ما تستطيع القصيدة قوله وما يظلّ، برغم كل ما تقوله، عصيًّا على الامتلاك.

هجرتي.. منفاي

يمنحنا الاستهلال مدخلًا إلى هذه المفارقة: «لستُ نهجًا، ولستُ دليلًا، لستُ إلّا سؤالًا» (ص 6). يتقدّم النفي مرّتين ليفسح مكانًا لتعريف لا يُغلق هوية المتكلّم، بل يفتحها. غير أن الديوان لا يكتفي بإعلان الشك؛ ففي موضع يقول: «حكمتي أنّني ليس لي حكمةٌ» (ص 78)، ثم يقول في موضع آخر: «حكمتي ليَ، وحدي: لا علوَّ لمن لا جذورَ له» (ص 140). وما بين العبارتين توتّر بين الارتياب في سلطة الحكمة والرغبة في إنتاج حكمة خاصة. هنا تبدأ القراءة النقدية حقًّا: لا بتبرئة الصوت من تناقضاته، بل بالسؤال عمّا يخلقه هذا التوتّر شعريًّا.

والشمس التي تحمل عنوان الديوان لا تهاجر وحدها. يقول أدونيس: «هكذا نتآخى – نحنُ والشمسُ، نورًا وظِلًّا، ونهاجرُ في أفقٍ واحدٍ» (ص 6). إنها هجرة مشتركة، لا استعارة جاهزة لغياب الضوء أو انقضاء العمر. ثم تعود الهجرة في قسم النون لتقع «في فتنةِ الكلام وفي طبقاتِ الغواية» (ص 244)، فتغدو شأنًا لغويًّا أيضًا. وفي الصفحة 43، يشكو المتكلّم إلى الشمس ثلاثة أحرف تنتظم في كلمتين: «إلَه» و«آلة»، ويسأل: «كيف أمنعُ هذا الانفجار؟». تكاد المادة الصوتية تتطابق بين الكلمتين، بينما يتباعد معناهما إلى حدّ التضاد؛ كأن اللغة التي تسمّي المقدّس والتقنية تكشف، في تقارب حروفها، عن صراع لم تصنعه الحروف وحدها. وحين تصرّح الشمس: «لا شروقي جوابٌ، وليس غروبي جوابًا» (ص 79)، لا تعود رمزًا يملكه الشاعر، بل صوتًا يرفض أن يُختزل العالم في تفسير.

ليس هذا المناخ منفصلًا عن تاريخ أدونيس. فمن مجلة «شعر» التي شارك في تأسيسها سنة 1957، إلى «مواقف» سنة 1968، وصولًا إلى أسئلة «الثابت والمتحوّل»، اتّصلت مغامرته الجمالية بمساءلة طرائق التفكير وتلقّي التراث. وفي «أغاني مهيار الدمشقي» (1961)، يظهر مهيار «غازيًا أرضَ الحروف»: صورة اقتحامية لشخصية شعرية تصنع موقعها في مواجهة اللغة والمألوف. وفي «كتاب التحوّلات والهجرة في أقاليم النهار والليل» (1965)، كانت الهجرة تمرّ عبر قناع «الصقر»، عبد الرحمن الداخل، الخارج من دمشق إلى الأندلس ليؤسّس مُلكًا جديدًا. أما في «هجرة الشمس»، فيقول المتكلّم: «لن أعودَ، – يوشوشني كلُّ شيءٍ: “أنا هِجرتي”» (ص 133)، ويكتب: «في برجٍ في طرفٍ أقصى من باريس، أعيش (…) كلَّ يومٍ، أقول لمنفايَ: شكرًا» (ص 230). لا يعني ذلك أن القناع القديم زال تمامًا، أو أن الذات المكتوبة تطابق السيرة الواقعية، لكنه يكشف انتقالًا ملحوظًا من الهجرة بوصفها حركة بطولية في المكان والتاريخ، إلى الهجرة بوصفها طريقة في الوجود والنظر إلى النفس.

انشطار الزمن

ويتّضح الفرق حين يعترف المتكلّم: «لم أعرفْ حتى الآن كيف أقلّد الوردة» (ص 33)، ثم يقرّر: «إذًا سأبدأُ بمحاكاةِ عطرِها». ليس الشاعر عاجزًا عن وصف زهرة؛ إنه يختبر ما يُفلت من الوصف. ينتقل من المرئي إلى الرائحة، لكنه لا يزعم أنه أمسك بماهيّتها. وهنا مفارقة تستحق الوقوف عندها: يكتشف أدونيس محدودية اللغة بواسطة استعارة لغوية جديدة؛ فالعجز عن امتلاك الشيء لا يؤدّي إلى الصمت، بل إلى ابتكار طريق آخر إليه. والوردة لا تتحدّث حرفيًّا، لكنها، بما يستعصي من حضورها، تعدّل طريقة الشاعر في الكلام.

ويتّسع السؤال: «أصحيحٌ، لا تُقال الحقيقة، لكنّها تُذاق: الكلامُ حجابٌ عليها؟» (ص 141). إن «تُذاق» تستحضر إمكان المعرفة الحسّية، وتلامس تراث «الذوق» الصوفي من غير أن تُختزل فيه. والعبارة استفهام لا تقرير: قد يحجب الكلام ما يريد كشفه، لكن الشعر لا يمتلك أداة غير الكلام ليختبر ذلك. لذلك تبدو عبارة «جسدي معجَمٌ، ودمي تُرجمان» (ص 22) أكثر من صورة موفّقة؛ إنها تنقل وظائف اللغة إلى التجربة الحيّة، وتجعل الجسد مصدرًا للدلالة، لا مادة صامتة تنتظر الشرح. وحتى الحب، حين يقول عنه: «إنّه الحبُّ كالشِّعر، خَرْق» (ص 119)، يصير فعلًا يفتح ثغرة في نظام المألوف، ويمنح المعرفة حرارة لا يوفّرها التجريد.

والجسد نفسه يحمل الزمن من دون أن يُختزل الإنسان فيه. يقول أدونيس: «زمني، وحيدًا، يقاتلُ الزمنَ كلَّه» (ص 48)، فينشطر الزمن إلى خاصّ يواجه عامًّا، ويصير الصراع إيقاعًا بين اللفظة وتكرارها. وحين يقول: «شاخَ جسمي، لكنّ رأسي ما زال طفلًا» (ص 27)، لا يجمّل الشيخوخة ولا ينكرها، بل يضع إلى جانبها يقظة الخيال. وفي «الحزن، بيتًا»، يستعيد الأب الذي «مات مسافرًا في نهاياتِ الصيف» (ص 32)، ويمنح النار ما لا نتوقّعه منها: «وحدَها النارُ عرفتْ كيف تمسحُ عن جبينه عرقَ السفر»، حتى «أعطتْه نفسَها». لا يلزم أن نجزم بسبب الرحيل أو نحسم رمز النار؛ فالقيمة تكمن في اجتماع الحرارة والرعاية والحزن، من غير أن تستنفد إحداها الأخرى. أما الموت الذي «يجيءُ ويجلسُ قُربي، صامتًا، ضاحكًا» (ص 16)، فلا يُخفي الديوان بُعده الشخصي، وهو القائل: «يكاد عمري أن يقول وداعًا للضوء، ولم أُتقنْ بعدُ فنَّ الاستضاءة» (ص 47). لكن الصورة ترفع هذا الانتظار إلى حوار إنساني مع غموض الوجود، حين يصير الموت زائرًا له هيئة وحركة، ويبقى الصمت والضحك فيه مفتوحَين على التأويل.

إقرأ على موقع 180  عن مبارك "الساداتي" ـ الإداري.. وناحر النظام!

الشمس.. تكراراً

وإذا كانت العلاقة بين القول والحقيقة مشكلة الديوان الفلسفية، فإن التكرار أحد امتحاناته الفنية. فعبارة الشمس: «كلّا، لم أكنْ مرّةً جوابًا» تأتي في الصفحة 79 داخل كلام يرويه «الذين تداوَوا» بقولها، ثم تعود في الصفحة 163 مستقلة، أشبه بنداء بلا وسيط. لم تتغيّر الكلمات، لكن مقامها تغيّر. ويعلن أدونيس: «وأنا لا أجدّد في القول، لكنّني أتذكّر ما قلتُه مرّةً وأُنوّع» (ص 235)، ثم يستعيد سطرًا من «المسرح والمرايا» مؤرّخًا بسنة 1967: «بكتِ المئذنه / حين جاء الغريبُ اشتراها / وبنى فوقها مدخنه». وفي الصيغة الجديدة «تتذكّر» المئذنة «كيف أتاها “الفرنجُ”، وكيف اشتروها، وبنَوا حولها / آلةً – مِدخنه». انتقل الفعل من البكاء إلى التذكّر، والغريب المجهول صار «الفرنج» بذاكرتهم التاريخية، وتغيّر الموضع من «فوقها» إلى «حولها»: لم تعد الصورة إحلالًا مباشرًا فحسب، بل محاصرة تحيط بالرمز. وتلتقي «الآلة» هنا بمفارقة «إله / آلة» التي أثارها الديوان في الصفحة 43. هكذا يُرينا سطر واحد ما حافظ عليه أدونيس من مشروعه وما أعاد تشكيله: الصدام بين المقدّس والآلة باقٍ، أما النبرة فانتقلت من الرثاء إلى الذاكرة؛ ويصير التكرار إعادة نظر في عمل الشعر نفسه، لا عجزًا آليًّا عن الابتكار.

لكن ذلك لا يعني أن كل عودة تكتسب المعنى نفسه؛ فالياسمينة التي «تهمس للشمس أن تتمهّلَ في سيرها» (ص 79) تتكرّر حركتها حرفيًّا تقريبًا مع شجر الجوز (ص 165)، من غير تحوّل دلالي يوازي مثال المئذنة. وتشير التواريخ المثبتة في الديوان (نيسان 2021، وسانتياغو دي كومبوستيلا 2022، وتونس 2024) إلى كتاب جُمعت مقاطعه من أزمنة وأمكنة متباعدة، وهو ما يفسّر مثل هذه العودات ولا يبرّرها؛ فقد كان تحرير أشدّ صرامة كفيلًا بأن يحفظ للتكرار الناجح قوّته. ويدعونا هذا إلى التمييز بين تنويع يعيد توزيع العلاقات، وترديد يكتفي بتبديل الاسم. وللشاعر نفسه سؤال دقيق يخاطب به الريح: «كيف أكرّرُ مثلَكِ نفسي، وأبقى جديدًا؟» (ص 173–174). وليس علينا أن نجعل كل تكرار تجديدًا احترامًا لتاريخه، وإنما علينا أن نسأل عمّا أضافته العودة إلى النص، وما إذا كانت هذه الإضافة محسوسة في الصورة والإيقاع، لا في النيّة المفترضة.

مساءلة العالم

ضمن هذا المنظور، لا تبدو أقسام الديوان الثمانية والعشرون، المنتظمة من الألف إلى الياء، ثمانيًا وعشرين فكرة منفصلة؛ إنها مجال تتقاطع فيه الأسئلة وتتبدّل هيئة صوتها، بين شذرة وحوار وتأمّل وصورة. وتتولّد الموسيقى في كثير من المواضع من التوازي والتضاد والوقف والاستفهام، على أرضية من التفعيلة تتخلّلها كتل نثرية تحلّ فيها الفجوات البيضاء محلّ الترقيم. ويعود البيت العمودي في ثلاثة مواضع على بحر البسيط، وفي كلّها يرسم الشاعر صورة لذاته: «تخذتُ لي الشمسَ أمًّا والثرى نسبًا» (ص 107)، و«مزمَّلًا بأساطيري ولؤلؤها / أسيرُ في حاضري مستسلمًا لغدي» (ص 205)، و«هجرتُ، واستسلمتْ نفسي لغربتها» (ص 252)؛ كأن الوزن القديم يعود حين يقف الشاعر أمام نفسه ليعرّفها. ولا يجوز ردّ الشذرة إلى مرتبة أدنى من الشعر لأنها تشبه الحكمة؛ لكن ليس كل قول حكيم قادرًا تلقائيًّا على إحداث الأثر الجمالي نفسه. ففي عبارة «الخضوع للطبيعة» و«العلوّ والسيادة» (ص 39) مفارقة عقلية تُقنع، بينما تجعل صورة الموت الجالس المفارقة ملموسة. كلا الأسلوبين حاضر في الكتاب، والفرق بينهما يُثري وصفه أكثر مما يسمح بإصدار حكم واحد على جميع مقاطعه.

وفي الخاتمة يسأل أدونيس: «هل في كلِّ عملٍ أملٌ حقًّا؟ زِدْنا علمًا أيّها الجسد» (ص 263). تنعقد الصلات صوتيًّا بين العمل والأمل والعلم، ثم يتّجه الطلب إلى الجسد، لا إلى سلطة تمنح معرفة نهائية. ويمكن سماع صدى «ربِّ زِدني علمًا» في الصيغة، من دون الجزم بأن التناصّ ينفي سائر سبل المعرفة. هكذا يلتقي آخر الديوان بأوّله: من «لستُ إلّا سؤالًا» إلى طلب علم جديد. وليس ما بينهما تأكيدًا لفكرة واحدة، بل اختبار لها في الشمس والوردة والحب والذاكرة والعنف وتكرار الصور القديمة.

ليست «هجرة الشمس»، إذن، بيانًا بانطفاء الضوء، ولا شهادة بأن تجربة أدونيس استنفدت طاقتها. إنه نصّ يواصل فيه شاعر كبير مساءلة العالم والأداة التي يراه بها معًا؛ قد يصيب حين يجعل الفكرة حدثًا شعريًّا، وقد يقترب من التقرير حين تتقدّم حجّته على صورتها. والقيمة الأعمق ليست أن الشاعر امتلك الحقيقة بعد أكثر من تسعين عامًا من الحياة، بل أنه ما زال يمنح الأشياء حقّ مقاومة أسمائها: للشمس ألّا تكون جوابًا، وللوردة أن تُفلت من الوصف، وللجسد أن يعلّم اللغة ما لم تنتهِ من تعلّمه. وفي هذه المسافة بين الرغبة في القول وما يتعذّر امتلاكه، تواصل قصيدته حياتها، وتواصل قراءتنا حقّها في السؤال.

Print Friendly, PDF & Email
محمد توفيق صعابنة

كاتب وشاعر أردني مقيم في جدة

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  عن مبارك "الساداتي" ـ الإداري.. وناحر النظام!