فانس يفتح معركة الوراثة.. حرب إيران تعيد ترتيب اليمين الأميركي

تكتسب مواقف نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس أهميتها من موقع صاحبها داخل السلطة، ومن توقيت صدورها عقب الخسارة الانتخابية الفادحة في الانتخابات النصفية. فنائب الرئيس يُقدّم تفسيرًا للهزيمة، ويضع بهذا التفسير شروط النهوض، ويُحدّد القوى والسياسات التي ستتحمّل كلفة المرحلة السابقة... ومن يمتلك تفسير السقوط يكتسب فرصة قيادة الصعود التالي.

أبرز ما يحمله النص هو انتقال الأزمة إلى صميم العلاقة بين الحزب وجمهوره. وفق رواية فانس، شارك قسم من ناخبي ترامب الجمهوريين في الاقتراع، ومنح أصواته للديموقراطيين. هنا تصبح الهزيمة عقوبة يصدرها جمهور يعرف الحزب، وسبق أن منحه ثقته. وتتقدّم مسألة استعادة الرضا على تقنيات الحشد الانتخابي؛ فزيادة المشاركة قد توسّع الخسارة أيضًا عندما يصل الناخب إلى الصندوق حاملًا غضبه.

تلتقي هذه القراءة مع مفهوم «التصويت بأثر رجعي» في العلوم السياسية: يقيّم المواطن حصيلة الحكم، ثم يستخدم صوته للمكافأة أو العقاب. وتوضح الدراسات أن هذه المحاسبة تتأثر بإدراك الناخب للمسؤولية وبالمعلومات التي تصل إليه. ومن هنا، تكتسب معركة تفسير الهزيمة أهمية توازي النتائج نفسها؛ إذ سيحاول كل جناح تثبيت الرواية التي تمنحه شرعية قيادة الحزب.

تُشكّل الأولويات الأربع التي يوردها فانس برنامجًا سياسيًا متكاملًا: إنهاء الحرب، معالجة تكاليف المعيشة، تقديم المصالح الأميركية، ومراجعة العلاقة بإسرائيل. ويجمع بينها سؤال توزيع الكلفة: مَن يُقرّر الالتزامات الخارجية، ومَن يدفع ثمنها داخل المجتمع الأميركي؟

بهذا المعنى، تدخل الحرب إلى المنزل عبر ميزانية الأسرة، وإحساس المواطن بأمانه، وتقديره لترتيب أولويات حكومته. وتفيد أبحاث الرأي العام والحروب بأن قبول الكلفة يرتبط بتقدير مبررات الحرب وفرص نجاحها. وكلما اتسعت المسافة بين التضحيات والعائد المقنع، تعاظمت صعوبة الحفاظ على التأييد الشعبي.

أما إدراج العلاقة بإسرائيل ضمن أسباب استعادة الناخبين، فيفتح بابًا أعمق داخل اليمين الأميركي. فالعلاقة تصبح موضوعًا للمحاسبة وفق المصالح والكلفة والنتائج. وإذا تبنّى مرشحون جمهوريون هذا المنطق، فقد تتصاعد المطالب بتحديد شروط الدعم، وضبط الالتزامات العسكرية، وتوضيح حدود المسؤولية الأميركية عن قرارات الحكومة الإسرائيلية.

وتكمن حساسية هذا التحوّل في إمكان نموّه داخل جمهور محافظ يحمل تصورًا قوميًا صارمًا للمصلحة الأميركية. عندها تستطيع مراجعة العلاقة بإسرائيل أن تجد تعبيرات متقاطعة داخل اليمين واليسار، مع احتفاظ كل اتجاه بدوافعه وأهدافه. وقد يدفع ذلك إسرائيل إلى بذل جهد أكبر لحماية تأييدها داخل الحزبين، وإعادة حساب الكلفة السياسية لخياراتها العسكرية.

على المستوى الشخصي، يصوغ فانس موقعًا يصلح لمعركة خلافة ترامب. فهو يستند إلى إقرار الرئيس الأميركي بأثر الحرب، ويمنح تحذيرات المعترضين شرعية سياسية، ثم يدعوهم إلى انتخاب جمهوريين يشاركونهم رؤيتهم. تحمل هذه الدعوة اقتراحًا عمليًا لإعادة تركيب الحزب من داخله: تحويل الغضب إلى ترشيحات وتمويل وتنظيم، وصولًا إلى تغيير توازن القوى في الانتخابات التمهيدية.

وتؤدي فقرة الهجرة وظيفة أساسية في هذا المسار. يتمسّك فانس بهوية محافظة صارمة، ويقترح تعديل أولويات السياسة الخارجية. وبذلك يرسم ملامح يمين يجمع التشدد الحدودي، والاهتمام بالمعيشة، والحذر من الحروب المكلفة. وقد تصبح هذه التركيبة أساس المنافسة على قيادة الجمهوريين خلال المرحلة المقبلة.

أمام الديموقراطيين فرصة مرتبطة بمقدرتهم على تحويل التصويت العقابي إلى ثقة مستمرة. ويتطلّب ذلك تقديم نتائج ملموسة في المعيشة، ورقابة جادة على قرارات الحرب، ومسار دبلوماسي ذي أهداف واضحة. فالأصوات التي يمنحها الغضب تظل عرضة للانتقال مجددًا عندما تتغيّر الظروف والتوقعات.

وتتوقف قوة التحوّل الذي يقترحه فانس على ثلاثة اختبارات: ظهور مرشحين يتبنّون أولوياته، انتقال المراجعة إلى قرارات تتعلق بالتمويل والالتزامات العسكرية، وقدرة هذا الاتجاه على انتزاع موارد ونفوذ داخل الحزب. عند هذه النقاط الثلاث ينتقل الكلام من تفسير الهزيمة إلى صناعة سياسة جديدة.

يفتح نص فانس، بهذا المعنى، معركة على تعريف «أميركا أولًا»: مقدار ما تخصّصه الدولة لحياة مواطنيها، والثمن الذي تقبله لتحالفاتها، والحدود التي تضعها لحروبها. وقد تصبح الإجابة عن هذه الأسئلة العامل الحاسم في تحديد وريث ترامب وشكل اليمين الأميركي المقبل.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  "فورين أفيرز": اعتقال مادورو.. اختبار القوة الأميركية وإعادة رسم الكاريبي
عبد الحليم حمود

رئيس تحرير مجلة "بوليتيكا"؛ روائي وفنان تشكيلي لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  الحرب على الضفة وغزة.. حربٌ واحدةٌ