“عقيدة دونرو”: إعادة تأطير الهيمنة الأميركية في لحظة اختلال عالمي

منى فرحمنى فرح09/01/2026
في مؤتمره الصحفي الذي أعقب اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو (السبت)، لم يكتفِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتبرير العملية من زاوية أمنية أو سياسية، بل لجأ إلى استدعاء التاريخ، معلناً ما وصفه بـتحديث ما يُعرف بــ"عقيدة مونرو"، ومطلقاً عليه تسميته الخاصة "عقيدة دونرو"(*). هذا الاستخدام للغة لم يكن تفصيلاً عابراً، بل شكّل إطاراً سياسياً واستراتيجياً لعملية غير مسبوقة، أعادت طرح أسئلة قديمة-جديدة حول حدود النفوذ والهيمنة الأميركية في أميركا اللاتينية (وفي العالم أجمع)، والفارق بين النجاح التكتيكي السريع والكلفة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ليست هذه المرة الأولى التي يُثار فيها مصطلح “عقيدة دونرو”. فقد ظهر كعنوان رئيسي على الصفحة الأولى لصحيفة “نيويورك بوست“، في أوائل كانون الثاني/يناير 2025، حيث تم وضع العبارة بأحرف كبيرة. كما أن استراتيجية الأمن القومي الأميركية، التي نشرت قبل أسابيع قليلة، أشارت بشكل صريح إلى نية “تعزيز وإنفاذ مبادئ مونرو” بما يتناسب مع سياسة ترامب، ولخّصت الإدارة الأميركية موقفها بالقول: “سنفرض وننفّذ ‘ملحق ترامب’ لمبدأ مونرو”. وبحسب الوثيقة، يعني ذلك أن واشنطن ستضمن بقاء نصف الكرة الغربي “مستقراً نسبياً ويتمتع بحكم رشيد بما يكفي لمنع الهجرة الجماعية إلى الولايات المتحدة وردعها”، وأن على الحكومات الواقعة ضمن نطاق النفوذ الأميركي أن تتعاون معها- بما في ذلك تأييد حملة الضربات المثيرة للجدل التي تشنُّها القوات الأميركية على سفن يُشتبه في تورطها بتهريب المخدرات في جنوب البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ. وقالت الإدارة الأميركية أيضاً: “نريد نصف كرة أرضية أن يبقى خالياً من التوغل الأجنبي العدائي، أو سيطرة أي جهات أجنبية على أصول رئيسية، ويدعم سلاسل الإمداد الحيوية.. نريد ضمان استمرار وصولنا إلى المواقع الاستراتيجية الرئيسية”.

ويوم السبت الماضي، أعلن ترامب بوضوح أن الولايات المتحدة قد “تجاوزت” سياستها الخارجية التي تعود إلى قرون مضت، قائلاً: “لقد نسينا ‘مبدأ مونرو‘ الذي كان مهماً للغاية، لكننا لن ننساه بعد الآن. ولن يُشكك أحد في الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي مرة أخرى”.

من منع التدخل إلى شرعنة التدخل

بعد استقلال معظم دول أميركا اللاتينية، خشيت الولايات المتحدة من محاولة الحكومات الأوروبية إعادة استعمار تلك الدول، وأرادت السيطرة على الأنظمة الجديدة ومنع عودة النفوذ الأوروبي. فسعى الرئيس الأميركي جيمس مونرو، عام 1823، إلى بلورة رؤية جديدة للسياسة الخارجية، تقوم على وجوب أن تترك أوروبا أميركا اللاتينية وشأنها، واعتبار نصف الكرة الغربي منطقة نفوذ أميركية خاصة، مقابل تعهّد واشنطن بعدم التدخل في شؤون أوروبا أو مستعمراتها القائمة آنذاك- بمعنى آخر “الأميركيتان (الشمالية والجنوبية) للأميركيين وأوربا خارجها”.

في بدايته، كان “مبدأ مونرو” سياسياً أكثر منه عسكرياً. لكن تحوَّل لاحقاً إلى أداة لتبرير التدخلات الأميركية في دول أخرى، حتى أصبح حجر أساس في السياسة الخارجية الأميركية. ففي عام 1904، وسّع الرئيس ثيودور روزفلت نطاقه فيما عُرف لاحقاً باسم “ملحق روزفلت”، الذي منح واشنطن حق التدخل في دول المنطقة إذا عجزت حكوماتها عن إدارة شؤونها الداخلية.

ما جرى في فنزويلا يُعدّ أكبر تدخل عسكري مباشر ضدَّ دولة ذات سيادة في أميركا اللاتينية منذ عقود. ولتبرير فعلته، استدعى ترامب “مبدأ مونرو” كمرجعية تاريخية، ثم أعلن إعادة صياغته تحت مسمى “عقيدة دونرو”، في محاولة لمنح غطاء سياسي وقانوني لما أقدم عليه، وربما لتكريس سابقة تُشرّعن التدخل في دول أخرى مستقبلاً. فما جرى يُمثّل، من زاوية استراتيجية بحتة، إعادة إنتاج للرؤية الأميركية التقليدية للهيمنة في المنطقة. وهو ما يثير تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت عملية اختطاف مادورو وزوجته تمثل خطوة محسوبة لإعادة ترتيب المشهد الفنزويلي (كما تقول الإدارة الأميركية)، أم مقامرة قد تُفضي إلى وضع أكثر هشاشة وتحديات أكثر تعقيداً في لحظة اختلال عالمي. فأولاً وليس أخيراً اختطاف رئيس دولة داخل بلده ونقله قسراً إلى دولة أخرى يُشكّل انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية، ومخالفة واضحة للقانون الدولي، ولا سيما المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر التهديد أو استخدام القوة ضدَّ سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي، وتفتح الباب أمام المساءلة القانونية الدولية.

استراتيجية تاريخية

لطالما تدخلت الولايات المتحدة في الشؤون الدولية منذ نشأتها، من صداماتها البحرية مع فرنسا في الكاريبي، إلى مواجهتها قراصنة البربر، مروراً بتوسعها الإقليمي في القرن التاسع عشر، ثم صعودها كقوة عُظمى في القرن العشرين. ورغم محاولاتها تبنّي العزلة في فترات معينة، أثبت التاريخ أن النزعة التدخلية بقيت السمة الغالبة لسياستها الخارجية حتى يومنا هذا.

فمنذ تأسيسها، اتسمت الاستراتيجية الأميركية بالحزم والتوسع، لا بالانعزال. فعلى مدى القرن الأول من عمر الجمهورية، حوّلت الولايات المتحدة نفسها من شريط ساحلي ضيّق على الأطلسي إلى قوة قارية، عبر مزيج من التوسع الإقليمي، والحروب المحدودة، واستخدام قوة عسكرية صغيرة نسبياً لكنها شديدة الفاعلية. وقد تجلّى هذا المسار في محطات مفصلية، من شراء إقليم لويزيانا، إلى خوض حرب عام 1812 ضدَّ بريطانيا، ثم التوسع غرباً على حساب السكان الأصليين، وصولاً إلى الحرب الأميركية- المكسيكية (1846–1848) التي انتهت باستيلاء الولايات المتحدة على مساحات شاسعة من أراضي الجنوب الغربي الحالي. ولم يكن في هذه الوقائع ما يشير إلى نزعة انعزالية، بل إلى عقيدة توسع واضحة، غُلّفت أحياناً بمفاهيم مثل “القدر المحتوم”.

وفي هذا السياق التاريخي، جاء “مبدأ مونرو” (1823) تعبيراً مبكراً عن طموح أميركي للهيمنة الجيوسياسية على نصف الكرة الغربي، قبل أن يُعاد تفسيره وتوسيعه عبر “ملحق روزفلت” (1904)، الذي استُخدم لتبرير سلسلة طويلة من التدخلات، من الكاريبي إلى بنما، وصولاً إلى فرض السيطرة على الممرات الاستراتيجية.

وبالتالي، ليس ما يطرحه ترامب اليوم خروجاً جذرياً عن هذا المسار التاريخي للسياسة الخارجية الأميركية، بل امتدادٌ له بصيغة أكثر صراحة وحدّة. فهو سار على النهج ذاته، وقدّم نفسه منذ عودته إلى السلطة في كانون الثاني/يناير 2025 بوصفه سياسياً دولياً حازماً لا زعيماً انعزالياً، معلناً انخراطه في ملفات عالمية متعددة- من أوكرانيا إلى حلف “الناتو”، ومن إيران إلى فنزويلا. وبرغم الخطاب الذي روّج له ترامب خلال ولايته الأولى حول تقليص الالتزامات الخارجية وإيلاء أولوية أكبر للقضايا القريبة من الوطن، لا سيما على طول الحدود الأميركية المكسيكية (كانت قضايا الحدود والهجرة محوراً أساسياً في سياسته الداخلية والخارجية)، فإن ولايته الثانية كشفت عن نهج أكثر تشدداً، لا أقل. فقد عزَّز الإنفاق الدفاعي، وأعاد تأكيد الالتزام بالتحالفات، واستخدم القوة في أكثر من ساحة. وبهذا، جعل من تعزيز النفوذ الأميركي حجر الزاوية في سياساته الأمنية، في امتداد واضح للإستراتيجية التاريخية التي تعود إلى القرن التاسع عشر.

إقرأ على موقع 180  أميركا عدوة نفسها.. إقتصادياً!

لكن تحويل عقيدة تاريخية إلى ممارسة تنفيذية مباشرة يفتح الباب أمام سؤال أكثر تعقيداً: ليس ما إذا كانت واشنطن قادرة على التدخل، بل ما إذا كانت مستعدة لتحمّل تبعات ما بعد التدخل. فوجود سوابق تاريخية لا يضمن بالضرورة نجاح هذه السياسات. وما كان فعّالاً في القرن التاسع عشر قد لا يكون قابلاً للتطبيق في القرن الحادي والعشرين، ولا سيما في عالم أكثر تعقيداً وتشابكاً. كما أن سجل صانعي القرار الأميركيين، على الرغم من إنجازاتهم، حافل بالأخطاء الاستراتيجية. وحتى اليوم، تبقى السياسات القومية لترامب، بما فيها الاقتصادية والأمنية، موضع تساؤل بشأن قدرتها على الحفاظ على التوازن الدولي ومنع انزلاق النظام العالمي نحو صراعات أوسع نطاقاً.

ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى “عقيدة دونرو” بوصفها حلقة جديدة في سلسلة واحدة: إعادة إنتاج لعقيدة قديمة بلغة أكثر صراحة، تنتقل من الإيحاء بالهيمنة إلى إعلانها، ومن إدارتها ضمنياً إلى ممارستها كسياسة رسمية مُعلنة.

“دونرو” كإطار ذهني للقرار

من زاوية استراتيجية، يمكن النظر إلى اعتقال مادورو بوصفه قراراً قائماً على حسابات كلفة- منفعة قصيرة الأمد، أكثر مما يستند إلى تصور متكامل لإدارة ما بعد العملية. فنجاح تحييد رأس السلطة يمنح واشنطن مكاسب تكتيكية فورية على مستوى الردع وإعادة تشكيل ميزان القوى، لكنه لا يجيب عن سؤال إدارة النظام السياسي أو تفكيك شبكة المصالح التي تشكّلت حوله. وتُظهر التجارب المقارنة أن الأنظمة الأمنية- الريعية غالباً ما تمتلك قدرة عالية على امتصاص الصدمات القيادية، لا سيما عندما تبقى مؤسسات الدولة الأساسية متماسكة- الجيش والأمن وغيرها، كما هو الحال في فنزويلا- أقله حتى الآن. وفي هذا السياق، فإن الرهان على أن إزاحة رأس القيادة في فنزويلا ستقود تلقائياً إلى انتقال سلس للسلطة يبدو رهاناً محفوفاً بالمخاطر، لأنه يفترض درجة من الانسجام الداخلي والاستعداد السياسي لا تؤكدها المؤشرات المُتاحة. كما أن الانتقال من الضغط غير المباشر إلى الانخراط التنفيذي يضع الولايات المتحدة أمام معضلة مألوفة: كلما تعاظم نفوذها، ارتفعت مسؤوليتها وتقلص هامش المناورة.

“عقيدة دونرو” لا تهدف إلى احتلال طويل الأمد، بل إلى فرض معادلة جديدة بسرعة، تُجبر الفاعلين المحليين على التكيّف مع واقع تعتبره الإدارة الأميركية أقل كلفة من استمرار الأزمة

وعليه، فإن العملية التي نفذتها “دالتا فورس”، فجر السبت الماضي، وإن حققت مكاسب تكتيكية واضحة، قد تكون قد أعادت تعريف الدور الأميركي في فنزويلا من فاعل خارجي ضاغط إلى طرف مُمسك بخيوط الاستقرار (بالمفهوم الذي يحمي المصالح الأميركية)، بما يحمله ذلك من أعباء سياسية وأمنية يصعب ضبطها على المدى المتوسط.

في هذا السياق، يمكن فهم ما سمّاه ترامب “دونرو” لا كعقيدة مكتملة الأركان، بل كإطار ذهني أعاد من خلاله تعريف فنزويلا من دولة ذات أزمة داخلية إلى ساحة مرتبطة مباشرة بالأمن القومي الأميركي ومصالحه الحيوية. فاستدعاء “مبدأ مونرو”، ولو بصيغة لغوية معدّلة، يوحي بأن التدخل لم يعد خياراً استثنائياً، بل امتداداً طبيعياً لدور تعتبره واشنطن تاريخياً في نصف الكرة الغربي. غير أن هذا الإطار يميل إلى اختزال الأزمة في بُعدها القيادي، ويقلّل من وزن العوامل المؤسسية والاجتماعية التي تحدّد الاستقرار على المدى المتوسط.

كذلك، يمكن توقّع أن تدافع إدارة ترامب عن خيارها بالقول إن السياق الفنزويلي مختلف، وأن سنوات الانهيار الاقتصادي والعزلة الدولية أضعفت قدرة هذا البلد على المقاومة. ومن هذا المنطلق، قد ترى واشنطن أن التدخل الحاسم يقلّص كلفة الانتظار ويمنع تحوّل الأزمة إلى تهديد مزمن للأمن الإقليمي، سواء عبر الهجرة أو عدم الاستقرار أو تمدّد نفوذ الخصوم. كما قد تجادل بأن السيطرة على مفاتيح الاقتصاد، ولا سيما قطاع النفط، توفر أداة عملية لدفع النُخب المحلية نحو تسوية. ووفق هذا المنطق، لا تهدف “عقيدة دونرو” إلى احتلال طويل الأمد، بل إلى فرض معادلة جديدة بسرعة، تُجبر الفاعلين المحليين على التكيّف مع واقع تعتبره الإدارة أقل كلفة من استمرار الأزمة.

في المحصلة، لا يمكن فهم اعتقال مادورو ولا استدعاء ترامب لما سمّاه “عقيدة دونرو” بمعزل عن لحظة دولية مأزومة يتقاطع فيها استدعاء التاريخ مع واقع جيوسياسي بالغ الاضطراب. فالعالم يشهد تصعيداً متواصلاً مع إيران، وصراعاً طويل الأمد في أوكرانيا، وتوتراً متصاعداً بين الولايات المتحدة والصين، فضلاً عن أن إسرائيل تواصل عدوانها في غزة والضفة ولبنان وتتسبب في زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط بأكمله. في هذا السياق، لا تبدو “عقيدة دونرو” مجرد إعادة تسمية لعقيدة أميركية قديمة، بل تعبيراً عن نزعة أوسع لتكريس منطق القوة كأداة لإدارة نظام دولي تتآكل فيه أدوات الردع التقليدية وتضعف قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على الاحتواء.

غير أن التاريخ، الذي يُستدعى اليوم لتبرير هذا النهج، يقدّم تحذيراته بقدر ما يقدّم سوابقه. فالقوة قادرة على فرض الوقائع، لكنها أقل قدرة على ضبط تفاعلاتها المتسلسلة عبر ساحات مترابطة. وفي عالم تتقاطع فيه الأزمات- من الكاريبي إلى شرق أوروبا، ومن الخليج إلى شرق آسيا- يصبح أي تدخل أحادي- مهما بدا محدوداً- عاملاً مُضاعِفاً للاختلال وعدم اليقين. وبينما قد تمنح “عقيدة دونرو” واشنطن هامش حركة أوسع على المدى القصير، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في سرعة التنفيذ أو رمزيته السياسية، بل في قدرة الولايات المتحدة على إدارة تبعاته ضمن نظام دولي يكاد يصبح عصياً على الضبط وأكثر عرضة للانزلاق نحو أزمات متزامنة ومتشابكة.

(*) (Don‑roe Doctrine) (دمج بين اسم دونالد ترامب ودلالة على تغيير “مبدأ مونرو” المستمد من اسم سلفه الرئيس جيمس مونرو).

Print Friendly, PDF & Email
منى فرح

صحافية لبنانية

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  بوتين في مؤتمره السنوي: الأحادية القطبية انتهت بالفعل