قاسم سليماني… سيرة عادية لرجل غير عادي

بعد أكثر من 12 عاماً على إدراج أسمه في قائمة المستهدف "تحييدهم" من جانب السلطات الاميركية، لكونه مسؤولاً عن مقتل ما لا يقل عن 20% من قتلى الجيش الأميركي في العراق بحسب وثيقة قانون قدمت إلى الكونغرس في أواخر عام 2007، قررت إدارة ترامب اغتيال الجنرال قاسم سليماني، ليكون الحدث الأبرز للعام الجديد، وذلك عبر غارة استهدفت موكباً كان يقلّه مع مسؤولين عسكريين عراقيين خارج مطار بغداد.

من نافل القول أن سليماني ليس مجرد قائد عسكري إيراني تم اغتياله ليلتحق بأقرانه من القادة العسكريين الذين قتلوا في معارك سوريا والعراق، بل هو “القائد” العسكري والأمني الأبرز في تاريخ إيران الحديث؛ فبجانب قيادته لفيلق القدس والدور العسكري والأمني الذي لعبه طيلة العقدين الماضيين على الخريطة الممتدة من أفغانستان شرقاً وحتى اليمن وغزة غرباً، فإن قاسم سليماني يعد رمزاً لتنامي قوة ونفوذ إيران في السنوات الأخيرة، ومن هنا فإنّ اغتياله يأتي بمثابة تغيير في قواعد اللعبة، ويضخم من أبعاد الصراع بين واشنطن وطهران إلى حد تسقط فيه الخطوط الحمراء وفق معادلة سياسية، وتنتهي معه مرحلة التصعيد المرسوم والمحسوب سلفاً إلى مرحلة فوضى الاحتمالات التي لايمكن التنبؤ بمداها وحجمها.

أهمية سليماني العسكرية لا تأتي من لقبه ومنصبه الرسميين فحسب، بل أيضاً لكونه أول قائد عسكري على مستوى العالم أدار وخطط وقاد احياناً معارك “الحروب الهجينة” على امتداد رقعة جغرافية واسعة في توقيت حساس، وعجز دولي للتصدي لخطر “داعش”.

الشخص المناسب في المكان المناسب

من هو قاسم سليماني؟ وما هي مسؤولياته على امتداد الخريطة من افغانستان شرقا وحتى الأرجنتين غرباً؟ ولماذا تعتبره الدوائر الأمنية والإستراتيجية الغربية أحد مهندسي خريطة الشرق الأوسط منذ عام 2003 وحتى الأن؟  وما هو مقدار النفوذ الذي يمتلكه ليوصف بأنه أهم مسؤول أمني وعسكري في الشرق الأوسط، والثاني على مستوى العالم، وفق تقييم مجلة “فوربس”؟

ولد سليماني عام 1957 في مدينة قم، إلا أنه ترعرع في بلدة رابورد الجبلية في محافظة كرمان جنوب شرق إيران.

ويرجح محللون أن نشأته في هذه البلدة ساهمت في تكوين وعيه السياسي وشخصيته، فالبلدة تختلط فيها الإثنيات، ويغلب عليها الطابع العشائري والقبلي، ما ساهم بالتالي في أن يصبح سليماني بعد سنوات الشخص المناسب في المكان المناسب في أولى المهمات التي أضطلع بتنفيذها بعد انتهاء الحرب الإيرانية العراقية، وعقب توليه قيادة “فيلق القدس” في وقت ما بين أواخر عام 1997 ومنتصف عام 1998، وهي مهمة منع تمدّد نفوذ حركة “طالبان” الصاعدة في أفغانستان نحو الحدود الشرقية لإيران، وكذلك القضاء على تجارة المخدرات والتهريب.

يذكر الصحافي “ديكستر فيلكنس” في تحقيق مطوّل عن “فيلق القدس” نُشر في مجلة “نيويوركر” في أيلول عام 2013، أن “والد سليماني كان يعمل مزارعاً، وكان مهدداً بالسجن بسبب عجزه عن سداد قرض حكومي، ونتيجة لذلك انتقل سليماني إلى العيش مع أحد أقاربه، وكان حينها يبلغ من العمر ثلاثة عشر عاماً، وقد انتقلا سوياً إلى كرمان حيث عملا كعمال بناء لمدة ثمانية أشهر بأجر زهيد ليتمكنا من سداد دين والد قاسم”.

ويتابع “بعدها استكمل سليماني تعليمه في المرحلة الاعدادية، التي اكتفى بها، وعمل بشهادته كعامل في محطة مياه كرمان. وعشية الثورة الإسلامية لم ينخرط سليماني في أية انشطة سياسية، لكنه كان يتدرب في أوقات فراغه في الصالات الرياضية على رفع الأثقال، وهي الرياضة التي كانت تنتشر في المدن الإيرانية حينها. وكانت هذه الصالات لا يتوقف دورها عند ممارسة الرياضة فحسب، بل كانت تستخدم أيضاً في الخطابة الدينية والتوعية الثورية، حيث كان يتردد إلى الصالة الرياضية التي يتدرب فيها سليماني خطيب وداعية متجول يسمى “حجة الله خامياب” وكان من اتباع الخميني، ما ساهم في تشبّع عقل ووعي سليماني بحلم الثورة الشعبية الإسلامية”.

وعقب قيام الثورة الإسلامية والإطاحة بالشاه عام 1979، تطوّع سليماني في وحدات الحرس الثوري الذي أنشئ حديثاً وقتها، وكان يبلغ من العمر أثنين وعشرين عاماً، وقد حصل على تدريب عسكري محدود، أُرسل بعده إلى مهاباد في شمال غرب إيران ضمن قوات الحرس الثوري، للقضاء على تمرد كردي فشلت قوات الجيش في احتوائه. وبالفعل شهد ربيع عام 1980 نجاح الحرس الثوري في قمع التمرد الكردي واستعادة السيطرة على المدن ذات الغالبية الكردية التي خرجت لأشهر عن سيطرة النظام الجديد في طهران.

وكان لسليماني دور بارز في هذه العملية، كوفئ عليه بترقيته إلى رتبة ملازم، وسرعان ما تم استدعاؤه إلى الجبهة الجنوبية بعد اندلاع حرب الخليج الأولى في شهر أيلول من العام ذاته.

والطريف أن مهمة سليماني الاساسية في الجبهة الجنوبية كانت توفير امدادات المياه إلى تشكيلات الحرس الثوري، وذلك لمدة خمسة عشر يوماً فقط، لكنه لم يغادر الجبهة إلا بعد عشر سنوات، فتولى قيادة سرية استطلاع، ثم قيادة الكتيبة 41 في لواء “ثأر الله”، وكان عناصر هذه الكتيبة من أوائل الناشطين في فرع فيلق القدس – “بكرمان”، حيث عمد سليماني إلى تجنيد شباب المدينة، خصوصا الذين نشأ معهم وخبرهم.

شهدت هذه الفترة بداية شهرة سليماني داخل إيران، والتي امتدت إلى العراق أيضاً، لما كان لأعمال كتيبة الاستطلاع التي تولى قيادتها من دور مهم في اعادة تحرير بعض المدن التي استولى عليها الجيش العراقي، مثل مدينة المحمرة، حيث ساهمت كتيبة سليماني في تنظيم ونجاح عملية الالتفاف حول القوات العراقية التي كانت تحتل المدينة، وحاصرتها والحقت بها الهزيمة.

فيلق القدس والدور الخارجي

 

بعد انتهاء حرب الخليج الأولى عاد سليماني إلى كرمان حيث تولى قيادة الحرس الثوري هناك، ونشط في جهود مكافحة تهريب الأفيون من أفغانستان إلى تركيا عبر إيران، وعمل على انشاء وكلاء للنفوذ الإيراني داخل افغانستان، فكان له دور كبير في توحيد الاحزاب الشيعية الافغانية تحت مظلة حزب “وحدت” وتنصيب عبد العلي مزاري رئيساً له. وسرعان ما اوعز إلى الحزب الانضمام إلى “التحالف الشمالي” في سبيل التصدي لنفوذ حركة “طالبان” الصاعدة، وهو ما وطد علاقته بقادة التحالف التاريخيين أمثال عبد الرشيد دوستم وأحمد شاه مسعود وبرهان الدين رباني، وقد حصد ثمار هذه العلاقة بعد توليه قيادة فيلق القدس، والتصدي لخطر طالبان من دون اللجوء إلى الحرب، وهو ما استمر بعد الغزو الأميركي لأفغانستان، عن طريق شركائه في التحالف وعلاقاته مع قبائل عرقية الهزارة والطاجيك.

وبالتوازي مع ذلك، ادار سليماني الجبهة العراقية، وعمل على تدريب ودعم الانفصاليين الاكراد في العراق ضد نظام صدام حسين، وخاصة الذين ينتمون إلى حزب الاتحاد الكردستاني، حيث عمد إلى انشاء توازن يقطع على الاستخبارات الاسرائيلية فرصة الانفراد بكردستان العراق عن طريق العلاقات الوثيقة بآل بارزاني، وهو ما يعتبر جذراً للعلاقات الوثيقة بين سليماني وجزء كبير من أكراد سوريا والعراق إبان معارك العام 2015 ضد تنظيم “داعش”.

ويصف محللون علاقة سليماني بالأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بـ”الخاصة جداً”، وكذلك العلاقة بينه وبين القائد العسكري السابق للحزب عماد مُغنية، الذي يعد سليماني بمثابة “عرابه”، وفقاً لتعبير الكاتب الأميركي ديفيد اغناطيوس، وهو نمط العلاقات الذي تكرر مع مختلف قادة وعناصر التنظيمات والفصائل المدعومة من إيران في مختلف البلدان التي شهدت نشاطاً لسليماني سواء في العراق أو سوريا أو اليمن أو حتى قطاع غزة؛ وهو ما جعله بمثابة الرمز بالنسبة إليهم أكثر من كونه مسؤولاً رسمياً إيرانياً، خاصة وأنه في السنوات الأخيرة كان يعمد إلى الخروج من نطاق اللقب الرسمي ومحدداته إلى رحابة القيادة والرمزية المتجاوزة لحدود الجنسية والوظيفة.

يدلَّل على قوة ونفوذ سليماني في العراق بمراحله المختلفة منذ الغزو الأميركي وحتى هزيمة “داعش”، بعشرات المواقف والأفعال التي لا تقف عند حدود العمل العسكري والتنظيمي، و أبرزها في هذا السياق دوره الرئيسي في تنظيم الأطر شبه العسكرية الموالية لإيران التي كوَّنت نواة الحشد الشعبي ودوره المركزي في دحر وهزيمة تنظيم “داعش” واستعادة المدن التي سيطر عليها، وهي الفترة التي شهدت ازدياد وتيرة ظهوره وتردّد اسمه في الإعلام، وارتفاع شعبيته داخل إيران وخارجها إلى مستوى غير مسبوق ستضح بعض معالمه من رد الفعل على اغتياله.

خصوصية سليماني وخطورة اغتياله تتجاوز بطبيعة الحال لقبه الرسمي ومنصبه، فمواقف الرجل وفاعليته على اختلاف مواقعه التنفيذية والمهام الموكلة إليه طيلة 40 عاماً داخل إيران وخارجها، جعلت منه مركز قوة في تركيبة السلطة الإيرانية، ويتميز بها عن سواه في شعبيته في الأوساط المدنية والعسكرية المستمدة من رمزية استمرارية الثورة والحفاظ على مبدأ تصديرها للخارج، وليس السعي لمناصب سياسية، وهو الأمر الذي جعله على مستويات مختلفة وبمرور الوقت  يصبح على تماس مع حدود “الرجل الثاني”، بعد المرشد الأعلى في إيران، علي خامنئي، وبالتالي فإن مقتل شخص على هذه الدرجة من الأهمية لن يكون من المبالغ اعتباره إعلان حرب قائمة بالفعل!

إسلام أبو العز

كاتب صحافي ومحلل مختص بالشؤون الإقليمية والعلاقات الدولية - مصر

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course