إسلام أبو العز, Author at 180Post

pal.jpg

من يستمع إلى كلمة أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، يستشعر لوهلة أن قطر أضحت عاصمة الممانعة العربية، التي تضع فلسطين وقضيتها كبوصلة وحيدة لسياساتها وتحالفاتها الخارجية، وليس أن الدوحة وفي موازاة موجة التطبيع الخليجي الإسرائيلي الأخيرة قد اسدت لتل أبيب خدمات مهمة ترقى إلى مستوى الخدمات الاستراتيجية، سواء في ما يخص قطاع غزة أو العلاقات الثنائية، وتتفوق في بعض أوجهها على نظيرتيها الإماراتية والبحرينية، والتي أتت في المقام الأول، وفي التوقيت الراهن، كخدمة دعائية وانتخابية لكل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، أكثر من كونها ضرورة حيوية وأمنية لإسرائيل، كما فعلت وتفعل قطر.

1080449046_0-0-2734-1537_1200x0_80_0_1_4628a0c4a44dc1070c444cf07b02acff.jpg

"إذا عض كلب رجلًا، فهذا ليس خبراً، أمّا إذا عض رجل كلباً، فهذا هو الخبر"... النظر إلى مجريات الأحداث في المنطقة العربية مؤخراً، وفي دول الخليج تحديداً طبقاً لهذه البديهية الإعلامية، يجعل من فورة التطبيع الأخيرة بالنسبة إلى الناخب الأميركي تحديداً، الخبر الهامشي، بينما الاتفاق بين واشنطن وطالبان باستضافة قطرية هو الخبر الرئيسي، فهذا التطور يتفوق دعائياً وانتخابياً على اتفاقيات التطبيع التي تصدّرها الإدارة الأميركية على أنها من مثلث المنجزات الكبرى للسياسة الخارجية في عهد ترامب.

bob-1280x719.jpg

من المصادفة أن يكون اليوم الذي يستضيف فيه البيت الأبيض توقيع اتفاقية تطبيع العلاقات بين الإمارات والبحرين من جهة وبين إسرائيل من جهة أخرى كأهم إنجاز خارجي للإدارة الحالية، صدور الكتاب الثاني للصحافي المخضرم بوب وودورد عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي عنون بـ"الغضب"، والذي يقوم -كعادة أسلوب وودورد- على مقابلات حصرية مع ترامب حول مختلف الأمور والقرارات التي اتخذها في فترة رئاسته الأولى، وإن كان يركز بخلاف سابقه "الخوف" الذي صدر منذ عامين على السياسات الخارجية للإدارة الأميركية الحالية، وخاصة في ظل أزمات داخلية وخارجية متلاحقة وطريقة ترامب في التعاطي معها على أنها استثمار دعائي وانتخابي حتى وإن وصل الاستقطاب الناتج عن ذلك لحدود الاقتتال الأهلي.

Screenshot_2020-09-13-1599856014181-jpg-WEBP-Image-1920-×-1080-pixels-Scaled-89-1280x709.jpg

لا تكمن أهمية تطبيع العلاقات بين إسرائيل والبحرين في تأثير الأخيرة في خريطة السياسات الإقليمية، حيث تتبع وتتذيل المنامة التوجه السعودي/الإماراتي سواء في ما يخص إسرائيل أو غيرها، ولكن في أهمية علانية ورسمية العلاقات ضمن سياق خليجي-أميركي مرتبط بتوقيتات متعددة أهمها الانتخابات الأميركية، وكذلك تطور الدور الوظيفي للمنامة من مجرد بالون اختبار في سياق التقارب والتحالف الخليجي-الإسرائيلي، إلى التمهيد لاعتبارها جبهة متقدمة لهذا التحالف.

Libya.jpg

تشي تطورات الأحداث في ليبيا بعد أسبوع على بدء مبادرة وقف إطلاق النار، بغياب الانعكاسات الجدية، حيث تحوّر الصراع من ثنائية حفتر-السراج إلى صراعات دقيقة داخلية في كل من طرابلس وبنغازي عنوانها الإحلال والتبديل العنيف، في ظل مناخ من الارتياب بين المكونات السياسة والعسكرية في الشرق والغرب، مصدره الخشية من الإطاحة بعدد من متصدري المشهد في على الجبهتين لتفعيل التهدئة وترقيتها إلى مسار حل سياسي ينتظر التصديق عليه من ساكن البيت الأبيض الجديد.

GettyImages-1228029190-e1597352868339-1280x853.jpg

لا يوجد ما يستدعي الدهشة في إعلان الإمارات وإسرائيل تطبيع العلاقات بينهما رسمياً سوى في طريقة إخراج هذه الخطوة وتوقيتها. ما جرى كان تحصيلاً حاصلاً لسنوات التحالف بين أبوظبي وتل أبيب على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية والأمنية، وهو التحالف الذي فاق حتى من حيث المرونة والفاعلية والاتساع ما قدمته كل من مصر والأردن لإسرائيل طيلة عقود من العلاقات الرسمية، وذلك على مدى سنوات قليلة احتلت فيه أبوظبي موقع الريادة في بعض من مفاعيل هذا التحالف، وكذلك المبادرة سواء على مستوى دول الخليج بشكل خاص أو الدول العربية بشكل عام.

Libya-Sisi-to-the-Libyan-tribes-Our-goal-is-to-enable-the-free-will-of-the-people-1280x720.jpg

تشي تطورات المشهد الليبي خلال الأسبوعين الماضيين بتدحرج كرة النار إلى حدود اختبار ثبات وجدية الخطوط الحمراء لمعظم الأطراف المشتبكة، حتى وإن أوحى الإعلام الرسمي والشعبوي لأي من هذه الأطراف الإقليمية والدولية بأن هناك صداماً مباشراً على وشك الحدوث على الأراضي الليبية، وبخاصة بين القاهرة وأنقرة، اللتين تلتزمان حتى كتابة هذه السطور بالتحرك ضمن مدى لا يستبعد الخيارات العسكرية ولكن من دون الانجرار إلى صدام مباشر قد تنتج عنه حرب مفتوحة في توقيت ينشغل فيه ساكن البيت الأبيض الحالي بالانتخابات الوشيكة، في مقابل تضارب المواقف الأوروبية وعدم قدرة موسكو على إدارة مسار سياسي طويل المدى يضمن تحقيق مصالحها المتداخلة مع كل من البلدين.

Wo22-JUN-EGYPT-LIBYA-1280x746.jpg

ليس من قبيل المبالغة القول أن الأوقات التي تمر بها مصر حالياً هي الأصعب منذ أربعة عقود، ليس بسبب الوتيرة المتسارعة للمتغيرات التي تمر بها المنطقة والعالم وتفاقم أثارها بتداعيات وباء كورونا فحسب، ولا بسبب تعقد الأزمات التي تهدد الأمن القومي المصري جنوباً في أثيوبيا وشرقاً في ليبيا، علاوة على نزاع الحدود البحرية والاقتصادية المتعلق بغاز المتوسط، وإنما بسبب غياب البوصلة الأميركية لتحركات القاهرة الخارجية، وانتفاء دورها الوظيفي في خريطة السياسة الأميركية، وهو الدور الذي كان يمكن من خلاله إيجاد أرضية مشتركة للحيلولة دون الإضرار بالمصالح المصرية، التي دوماً ما كانت تُحدد منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي ضمن فلك سياسات الولايات المتحدة ومصالحها.

Screenshot_2020-06-04-47bac2ed-f9f9-4a59-a446-fcce01e1d4b3-VPC_TRUMP_WALKS_TO_CHURCH_AFTER_PROTEST_DESK_THUMB-jpg-WEBP-Ima...-1280x700.jpg

  مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية  الأميركية، تزداد تصريحات وقرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الصدامية، التي لا تهدف إلا تعميق الاستقطاب الداخلي في البلاد إلى درجة غير مسبوقة منذ الحرب الأهلية الأميركية، والتي وصلت حدتها إلى التهديد باستخدام الجيش الأميركي في قمع المتظاهرين داخل الولايات التي تشهد احتجاجات واحداث عنف على خلفية مقتل جورج فلويد على يد قوات الشرطة، التي يزداد دعم ترامب لعنفها المنهجي ضد الأقليات ضمن حزمة قرارات وتصريحات الهدف منها تجييش مؤيديه لتحقيق فوز صعب يقوم بالأساس على تعميق مناخ الاستقطاب وتحويل أوهام التيارات اليمينية المتطرفة والعنصرية إلى واقع مقنن ويستند إلى تفسير ساكن البيت الأبيض للدستور والقوانين الأميركية.