هذه رسائل نصرالله من حامات وحماس إلى العراق وأفغانستان

قدّم الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله عرضاً سردياً تعبوياً على مدى تسعين دقيقة، لمناسبة تشييع كل من قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبي في العراق أبو مهدي المهندس ورفاقهما، لم يهمل خلاله تفصيلاً دقيقاً، وإمتزج فيه العاطفي بالسياسي، حتى أن الكاميرا إختفت لثوان، عندما لم يكن قادراً على إخفاء دموعه، لا سيما أن صداقة شخصية تاريخية تجمعه بكل من سليماني والمهندس منذ ثلاثة عقود من الزمن، على الأقل.

في الجزء السياسي، ركّز نصرالله على الأسباب التي جعلت الأميركيين يختارون الجنرال قاسم سليماني هدفاً. فشلهم في ساحات المنطقة كلها من فلسطين إلى أفغانستان مرورا بلبنان وسوريا واليمن والعراق وإيران، جعلهم يذهبون “إلى النقطة المركزية”، أي “واسطة العقد”، فأقدموا على إختيار هدف علني إسمه قاسم سليماني، مستشهدا بقول خبراء ومحللين إستراتيجيين أميركيين إننا خسرنا العراق في اليوم الذي نفذت فيه الغارة التي إستهدفت سليماني والمهندس قرب مطار بغداد.

بطبيعة الحال، ركز نصرالله على العراق، لأن الأميركيين إختاروا العراق مسرحا للعملية، بينما كان بمقدورهم تنفيذها في أماكن أخرى، مثل لبنان وسوريا، ذلك أن سليماني لم يكن يتنقل في الخفاء، غير أن قواعد الإشتباك كانت تمنعهم من هكذا إستهداف، تماما كما كانت تمنع الإسرائيلي الذي حاذر سابقاً الوصول إلى سليماني، برغم أنه كان قادرا ميدانيا على ذلك (كما في دمشق، لحظة تنفيذ عملية إغتيال القيادي في حزب الله عماد مغنية في شباط/فبراير 2008)، لكن تل أبيب لم تكن قادرة على تحمل الكلفة العسكرية لهكذا إستهداف نوعي كبير.

لذلك، جزم نصرالله أن إيران سيكون لها ردها، وهذا أمر يعنيها، خصوصا وأن سليماني يمثل درة التاج العسكري والأمني والسياسي الإيراني، كما أن ثمة رمزية لهذا الرجل الميداني ـ السياسي تجعله في مصاف القادة الكبار و”العظام”، على حد تعبير نصرالله، الذي نعاه أيضا بصفته “الأممية”.

ماذا في الرسائل والدلالات؟

أولا، كان لافتاً للإنتباه أن نصرالله هو أول من يتحدث بين كل حلفاء إيران في المنطقة. وبذلك، يمكن القول إنه حدد موقفاً يتجاوز حزب الله، إلى النطق بإسم محور ممتد من فلسطين إلى أفغانستان.

ثانيا، حدد نصرالله تاريخ 2 كانون الثاني/يناير 2020، بوصفه تاريخاً فاصلاً ومفصليا بين مرحلتين، أولى إنتهت ليل الخميس ـ الجمعة الماضي، وثانية، هي التي تلي هذا التاريخ. وهذه المرحلة الجديدة لا تخص إيران والعراق بل المنطقة كلها.

أولا، هي دعوة إلى حركة حماس من أجل وقف المفاوضات التي تجريها مع الإسرائيليين بعنوان “التهدئة” بإشراف المصريين والأميركيين. ثانياً، دعوة إلى حلفاء طهران في أفغانستان بأن لا يمضوا في أي خيار يمكن أن يشكل مادة إنتخابية لمصلحة ترامب قبيل الإنتخابات الرئاسية الأميركية

ثالثا، المح نصرالله إلى نقطة بالغة الأهمية في خطابه عنوانها “لا مركزية القرار”، وبالتالي، ترك المسرح مفتوحاً أمام “المبادرات”. جاء ذلك معطوفا على جملة رددها أربع مرات في أقل من دقيقة قبل نهاية خطابه: “إيران لن تطلب شيئاً من حلفائها”. بمعنى آخر لإيران ردها حتماً، لكن نظرا لرمزية سليماني، سيكون لكل فصيل من حلفاء إيران نصيبه في الرد، و”على طريقته”. هذه النقطة ـ الدعوة إلى الرد، تصيب مجموعة عصافير بحجر واحد. أولا، هي دعوة إلى حركة حماس من أجل وقف المفاوضات التي تجريها مع الإسرائيليين بعنوان “التهدئة” بإشراف المصريين والأميركيين. ثانياً، هي دعوة إلى حلفاء طهران في أفغانستان بأن لا يمضوا في أي خيار يمكن أن يشكل مادة إنتخابية لمصلحة ترامب قبيل الإنتخابات الرئاسية الأميركية، بل عليهم أن يفعلوا العكس.

هل أصبحنا على عتبة مرحلة سياسية شبيهة بتلك التي سبقت تموز/يوليو 2006، عندما أصبحت الحرب ضد لبنان، قراراً أميركياً لا إسرائيلياً، كما نهاية تلك الحرب بقرار من واشنطن وليس من تل أبيب؟

رابعا، كان لافتاً للإنتباه قول نصرالله إننا عندما نخرج الأميركي من المنطقة لا نحتاج إلى معركة مع إسرائيل. قد يفسر البعض هذا الموقف بأنه نوع من التحييد لإسرائيل في هذه المعركة، لكن الخطاب يطرح أسئلة مختلفة، أقلها هل أصبحنا على عتبة مرحلة سياسية شبيهة بتلك التي سبقت تموز/يوليو 2006، عندما أصبحت الحرب ضد لبنان، قراراً أميركياً وليس إسرائيلياً، كما نهاية تلك الحرب بقرار من واشنطن وليس من تل أبيب؟

خامسا، يشي خطاب نصرالله بأن نتائج الإنتخابات التشريعية الإيرانية في شهر شباط/ فبراير المقبل قد حسمت منذ الآن، بدليل الإلتفاف القومي الإيراني حول قاسم سليماني، بطل الأسطورة الشعبية الإيرانية الجديدة، بدليل التشييع الذي لم تشهد إيران مثيلاً له منذ العام 1979 حتى الآن (ما عدا تشييع الخميني). وهذه الإنتخابات إذا أوصلت المحافظين بنسبة عالية غير مسبوقة منذ أربعين سنة، حسب معظم الخبراء الإيرانيين، فإنها تؤشر، في الوقت نفسه، إلى أن هوية الرئيس الإيراني المقبل، ستكون محسومة، بمجرد أن يعلن المحافظون إسم مرشحهم الرئاسي في مطلع العام 2021.

سادسا، يشي كلام نصرالله أن الإيرانيين وحلفاءهم في المنطقة، قرروا أن يكونوا هذه المرة ناخبين فعليين في الإنتخابات الرئاسية الأميركية، وصولا إلى محاولة إسقاط دونالد ترامب في الإنتخابات المقررة في الخريف المقب، من خلال وعد الجمهور الأميركي برؤية مشاهد الضباط والجنود الأميركيين الذي قدموا إلى المنطقة “عاموديا” (وقوفا)، يعودون إلى بلادهم بالطائرات “أفقيا” (في النعوش)، حسب تعبير نصرالله. وإذا نجحت هذه المحاولة، فإن ترمب سيكون أول رئيس منذ جورج بوش الأب لا يجدد لولايتين رئاسيتين.

سابعا، لقد حدد نصرالله مسرحاً جغرافياً للمواجهة مع الولايات المتحدة، يشمل كل أهدافها العسكرية فقط على إمتداد خريطة المنطقة، براً وبحراً وجواً. كما أنه حدّد هدفاً إستراتيجياً كبيراً يحتاج إلى تراكم نوعي وزمني عمره سنوات، وربما عقود من الزمن، ألا وهو إنهاء الوجود العسكري الأميركي في المنطقة. كما أن نصرالله حيّد، في الوقت نفسه، من بنك الأهداف الجديد، كل هدف مدني أميركي في المنطقة بما في ذلك السفارات والقنصليات الأميركية، معتبرا أن المعركة هي مع إدارة ترامب وليس مع الشعب الأميركي.

من الواضح أن الأميركيين يملكون عمليا قاعدة عسكرية واحدة هي قاعدة حامات الجوية التي تنزل على أرضها يوميا طائرات عسكرية أميركية محملة بالجنود والأسلحة والمؤن والعتاد، ولا تخضع، على الإطلاق، لأية رقابة رسمية لبنانية

ثامنا، حدّد نصرالله هدفاً مرحلياً هو إخراج القوات الأميركية من العراق خلال العام 2020، وأن تكون البداية من تصويت البرلمان العراقي على إنهاء الإتفاقية التي تجيز تواجد القوات الأميركية في العراق. وبالفعل، ما أن إنتهى نصرالله من خطابه حتى كان البرلمان العراقي يأمر الحكومة بإنهاء كل تواجد أجنبي على أرض العراق، فيما إنتقلت فصائل عراقية إلى ملاقاة نصرالله، وأول هؤلاء زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الموجود حاليا في مدينة قم الإيرانية، بدعوته ليس إلى مقاومة الأميركيين، بل إلى إجتماع عاجل ربما يكون الأول من نوعه لجميع قادة فصائل المقاومة في كل المنطقة، من أجل الإعلان عن تشكيل ما أسماها “أفواج المقاومة الدولية”. يعني ذلك، إعادة الإعتبار إلى المقاومة العراقية ليس ضد “داعش” بل ضد كل ضابط وجندي أميركي على أرض العراق.

تاسعا، كيف سيترجم نصرالله قرار ضرب الأهداف العسكرية الأميركية على أرض لبنان؟

من الواضح أن الأميركيين يملكون عمليا قاعدة عسكرية واحدة في لبنان هي قاعدة حامات الجوية التي تنزل على أرضها يوميا طائرات عسكرية أميركية محملة بالجنود والأسلحة والمؤن والعتاد، ولا تخضع، على الإطلاق، لأية رقابة رسمية لبنانية. زدْ على ذلك، كيفية التعامل مع قرار واشنطن المؤجل بحماية السفارة الأميركية من خلال قوة عسكرية من “المارينز” المتواجدة حالياً في إيطاليا، والتي قيل مؤخراً أنها جاهزة للإنتقال إلى بيروت لحماية السفارة الأميركية في عوكر. وهل أن برامج التعاون العسكرية الموقعة بين الجيشين اللبناني والأميركي تجيز هكذا حضور عسكري أميركي على أرض لبنان، وكيف ستتصرف قيادة الجيش في ضوء مواقف نصرالله؟

عاشرا، ما هي إنعكاسات خطاب نصرالله على الواقع الحكومي في لبنان، تأليفا وثقة وبيانا وزاريا وتعاملا مع المرحلة الجديدة التي قال نصرالله إنها تضع المحور الذي ينتمي إليه على “عتبة إنتصار إستراتيجي”؟. هذه النقطة تحتاج إلى مقاربة مستقلة. للبحث صلة.

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free