علاوي يتنحى.. إما إنتخابات عراقية مبكرة أو المجهول

دخل العراق في خضم أزمة سياسية عميقة ومفتوحة بعد فشل محمد توفيق علاوي في تقديم كابينته الوزارية إلى مجلس النواب وبالتالي عجزه عن نيل ثقة غالبية الكتل السياسية، الأمر الذي دفعه إلى الإعتذار عن الاستمرار في منصبه. أزمةٌ قد تفتح الأبواب على المزيد من الإحتقان السياسي والفوضى الأمنية، في ظل احتدام الاشتباك الإيراني ـ الأميركي، من جهة وطغيان هاجس فيروس كورونا على ما عداه في معظم عواصم المنطقة والعالم، من جهة ثانية.

أسبوعٌ حافل بالأحداث السياسية شهده العراق، وتُوجَ باعتذار الرئيس المكلف محمد علاوي عن التكليف، بعد أربع محاولات لعقد جلسة للثقة، لم يكتب لها النجاح، بسبب عدم حماسة المكونات الشيعية المؤيدة أو المعارضة لتكليف علاوي ـ بإستثناء السيد مقتدى الصدر ـ من جهة وعجزه عن إرضاء مطالب المكونين الكردي والسني، من جهة ثانية، الأمر الذي أدى إلى حرق المهل ومن ثم التكليف وبالتالي العودة إلى نقطة الصفر.

وعندما إستشعر علاوي أن كميناً قد نصب له، بدليل عدم تبني خيار الدعوة إلى جلسة مضمونة النتائج امس (الإثنين)، بادر ليل الأحد ـ الإثنين الماضي، (أي عشية إنتهاء المهلة الدستورية)، إلى إعطاء الأمر ببث كلمة كان قد سجلها مسبقاً، أعلن فيها أن اعتذاره عن التكليف “نتيجة ضغوط سياسية مورست عليه لغرض تمرير أجندة معينة”، قائلاّ “يشهد الله أني لم أتنازل ولم أقدم المصالح الخاصة على مصلحة البلد، ولكن للأسف الشديد كانت بعض الجهات تتفاوض فقط من أجل الحصول على مصالح ضيقة دون إحساسٍ بالقضيّة الوطنيّة…. فكان الخيار بسيطا وواضحا وهو أن أقف مع شعبي الصابر”. وعليه، وبحسب ما جاء في رسالة رئيس الجمهورية برهم صالح التي قبل فيها اعتذار علاوي، فإنه “استناداً إلى أحكام المادة 76 من الدستور، يبدأ رئيس الجمهورية مشاورات لاختيار مرشّح بديل خلال مدة 15 يوماً في نطاق مسؤولياته الدستورية والوطنية”.

هذه التطورات المتسارعة في المشهد العراقي، بلغت ذروتها مع إعلان رئيس الوزراء العراقي المستقيل عادل عبد المهدي، لجوئه الى خيار “الغياب الطوعي” عن جلسات مجلس الوزراء، داعياً البرلمان العراقي الى عقد جلسة استثنائية. كما دعا مجلس النواب لعقد جلسة استثنائية لحسم قانون الانتخابات والدوائرالانتخابية ومفوضية الانتخابات بشكل نهائي، مقترحاً الرابع من كانون الاول/ديسمبر 2020 موعداً للانتخابات التشريعية المبكرة، على أن توفر لها المفوضية “كل المستلزمات التي تمكنها من اجراء انتخابات حرة ونزيهة في الموعد المقترح، وان يحل مجلس النواب الموقر نفسه قبل 60 يوماً من التاريخ المذكور، وان ينظم صندوق اخر بجانب صناديق الانتخابات او على ظهر قسيمة الانتخابات لاجراء استفتاء حول تعديلات دستورية، يمكن ان يقرها مجلس النواب الموقر وفق آلياته قبل حل نفسه”.

في ظلّ الفراغ الذي تركه غياب الجنرال قاسم سليماني، صاحب الخبرة السياسية الطويلة (17سنة) في الشأن العراقي، لن يكون من السهل توفير ضابط لإيقاع المشهد السياسي العراقي، خصوصاً في ظل حالة التشظي الحالية

ماذا بعد؟

فور إعلان إستقالة علاوي، بدأت عملية طرح الأسماء المرشحة لمنصب رئاسة الكابينة الوزارية، وحتماً بعضها يصعب تسويقه وبعضها الآخر لا تنطبق عليه مواصفات “الشخصية غير الجدلية”، وهي الصفة التي جعلتها المرجعية الدينية (الشيعية) سقفا لأي مرشح لهذا المنصب، الأمر الذي إستفاد منه أيضاً رئيس الجمهورية برهم صالح، عندما رفض تبني أكثر من إسم قُدم إليه قبيل تكليف علاوي، وهو سيناريو قابل للتكرار مع بدء مشاوراته لإختيار البديل، خلال الأسبوع الحالي.

ومن بين الأسماء التي طرحت وزير التعليم العالي قصي السهيل الذي نفى اليوم رسميا أن يكون مرشحاً للمنصب؛ عدنان الزرفي أو رئيس جهاز الاستخبارات مصطفى الكاظمي (الإثنان يحظيان بدعم من رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي وزعيم تيار الحكمة عمار الحكيم)؛ محافظ البصرة أسعد العيداني الذي يحظى بدعم مربع الأضلاع من زعيم “منظمة بدر” هادي العامري وزعيم “ائتلاف دولة القانون” نوري المالكي وزعيم “حركة عصائب أهل الحق” قيس الخزعلي ورئيس “هيئة الحشد الشعبي” فالح الفياض، أي الرباعي المحسوب على إيران، ولو بدرجات متفاوتة، علماً أن برهم صالح كان قد رفض تبني ترشيح العيداني سياسياً، لكنه تذرع برفض الشارع العراقي له.

ويدرس “الرباعي” بدائل أخرى أبرزها إمكانية ترشيح الوزير السابق والقيادي في “ائتلاف دولة القانون” محمد السوداني، الذي كان صالح قد رفض أيضا تكليفه قبيل تكليف علاوي.

ويفترض أن يتسلم رئيس الجمهورية خلال مشاوراته مع الكتل اسم مرشح الكتلة الأكبر في البرلمان، ثم يعلن تكليفه، غير أن الخلافات في البيت الشيعي قد تحول دون تحديد هوية الكتلة الأكبر، علما أن محمد توفيق علاوي قد حظي ترشيحه بتزكية من السيد مقتدى الصدر بالدرجة الأولى، وهو الذي سارع إلى التعليق فوراً على خطوة إنسحاب علاوي بقوله: “حبّ العراق أوحى لك بالانسحاب، فجُزيت عن العراق خيراً. فإلى متى يبقى الغافلون، ممن يحبون المحاصصة، ولا يراعون مصالح الوطن يتلاعبون بمصائر الشّعب”؟

عملياً، وفي ظلّ الفراغ الذي تركه غياب الجنرال قاسم سليماني، صاحب الخبرة السياسية الطويلة (17سنة) في الشأن العراقي، لن يكون من السهل توفير ضابط لإيقاع المشهد السياسي العراقي، خصوصاً في ظل حالة التشظي التي لا مخرج منها إلا بالسير على السكة التي حددها عادل عبد المهدي في خطابه اليوم (الإثنين)، أي تشكيل حكومة إنتخابات تنجز مهمتها قبل نهاية هذه السنة، وبذلك، يمكن تلبية مطالب الشارع العراقي ووضع حد للأزمة السياسية المفتوحة والمرشحة أن تدوم هذه المرة فترة طويلة.

يذكر أن  المكونين السني والكردي تمكنا من ابتزاز محمد علاوي وتمرير أجنداتهما، لا سيما في ظل غياب منظومة حماية للمكلف من داخل البيت الشيعي المتصدع أصلاً. وقد ظهر ذلك واضحاً في بيان الزعيم الكردي مسعود بارازاني الذي شكر جميع القوى السياسية الكردستانية التي وحدت صفوفها ومواقفها بمواجهة علاوي “برغم اختلاف وجهات نظرها”، وإعتبر أن ذلك بلور “مكسباً تاريخياً لشعب كردستان”.

ما بعد تنحي علاوي، عاد العراق إلى نقطة الصّفر. تخبط في مركز القرار السياسيّ، وفي المقابل، تجدد مشهد التظاهرات، وما يشوبها من تجاوزات أمنية خطيرة، علماً أن الساعات الأخيرة شهدت إحتجاجات شعبية في مناطق عراقية مختلفة، رافقها سقوط عدد من الضحايا (قتيل وعشرات الجرحى)، وإستعاد معها الجمهور المحتج شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، كما شهدت المنطقة الخضراء في بغداد سقوط صاروخي “كاتيوشا”، الأحد الماضي، ما يعتبر مؤشرا خطيراً ينذر بالمزيد من التوترات الأمنية.

ملاك عبدالله

صحافية لبنانية

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
online free course