لبنان يواجه أكبر كرة نار.. والناس إلى الشارع مجدداً

مهما كان قرار الحكومة اللبنانية بشأن سندات "اليوروبوند"، ومهما كانت نوايا رئيس الوزراء اللبناني حسّان دياب سليمة بقوله إنه والوزراء يحملون "كرة النار"، يبدو أن هذه الكرة ستكبر في الأيام والأسابيع المقبلة، وسيزداد تدهور الأوضاع الاقتصادية، ويعود الناس الى الشوارع، ولا يُستبعد النزوع نحو العنف الاجتماعي، ما يعني الفشل الحتمي و"المُنتظر" لهذه الحكومة التي حملت أسباب عجزها منذ تشكيلها. وما عاد السؤال اليوم، هل ستدب الفوضى الاجتماعية أم لا، وانما ماذا بعد موجاتها الخطيرة الآتية حتماً؟

ما هي الأسباب أولا؟

  • إن القيّمين الفعليين على تشكيل حكومة دياب (أي الطبقة السياسية السابقة) كانوا يُدركون أنها جاءت فقط لتتحمل اللكمات، ولتحويل الأنظار عن المُسبّبين الحقيقيين للانهيار، وكان يُراد لها المساهمة في تهدئة الشارع، في انتظار أيام أفضل لعودة الطبقة نفسها الى التحكّم بمصائر الناس والوطن.
  • بعد انسحاب الرئيس سعد الحريري من الحكم في أعقاب “انتفاضة الكرامة” وليقينه بأن البلد ذاهب الى الانهيار، كان لا بُدّ من المسارعة الى لملمة الشارع خصوصا بعد أن راح الشارع يطرق على أبواب الجميع، وبعد أن جنحت الأمور الى المواجهة. لكن هذه الحكومة لم تلقَ أي أمل بمساعدات حقيقية دولية أو عربية لوقف الانهيار، وها هي أعجز من وقف تدهور الليرة، ومن إعطاء الناس أي أمل حقيقي. فالعرب والمجتمع الدولي ما يزالون يعاملونها على أنها حكومة حزب الله مهما سعت لإقناع الجميع بأنها ليست كذلك. ولولا القدرة الهائلة بالمناورات السياسية لرئيس المجلس النيابي نبيه برّي، ما كانت حكومة دياب حصلت أصلا على ثقة مجلس النواب.
  • النهب وسوء الادارة والفساد وغيرها من الممارسات السابقة المستمرة منذ نهاية الحرب الأهلية، لم تترك أمام حكومة دياب سوى التوجه الى صندوق النقد الدولي، لكن هذا يعني إجراءات قاسية جدا على المواطن لن يتقبّلها، ويُشكّل كذلك قلقا لدى أطراف لبنانية تعتقد ان أميركا تقف خلف المؤسسات الدولية، لذلك يتوجّب الحذر منها.
  • مع تدهور سعر الليرة اللبنانية التي ستفقد في مطلع الأسبوع على الأرجح نصف قيمتها، يفقد الموظفون اللبنانيون في القطاع العام نصف قيمة رواتبهم، ويزداد تردي وضع العائلات الفقيرة لتصير أكثر فقرا ويتدهور وضع متوسطي الحال، بينما لا رقابة فعلية على الارتفاع الفاحش وغير المبرر للبضائع والسلع، ولا رقابة كذلك على الفوضى المالية التي يعززها الصيارفة (وبينهم أكثر من 200 صيرفي غير شرعيين)، ناهيك عن وجود أكثر من مليون لبناني حاليا بموازاة أو تحت خط الفقر، وقد خصص لهم البنك الدولي أول مشروع قرض بقيمة 450 مليون دولار!

ما هو المتوقّع ثانيا؟

  • ستصل الحكومة الى الطريق المسدود قريبا. من يعرف رئيسها حسّان دياب، يقول إنه “صلبٌ وعنيد” ومن غير المتوقع أن يستقيل. وتعبير “كرة النار” كان بالأصل قد قاله للرئيس ميشال عون حين زاره. لكن أسباب دفع دياب الى الاستقالة ستكون حاضرة، من تطورات الشارع، ومن التفاف قسم لا بأس به من النواب والأحزاب الى حركة الناس (قناعة أو وصولية)، وكذلك من خلال الفريق الذي ينتظر فشله لينهش لحم الحكومة ويقدّم نفسه كمنقذ. فإن “صمد” دياب، هل يصمد وزراؤه؟
  • سيترتب على عدم ايفاء لبنان ديونه في سندات اليوروبوند بطريقة أحادية وغير منظمة، وضع البلد في مهبّ الرياح والأحقاد الدولية، وتقهقر تصنيف لبنان في المؤسسات الدولية ليصل الى مرحلة الدولة العاجزة عن سداد الديون، ناهيك عن إجراءات حصار وعقوبات على مؤسسات تابعة للدولة.
  • ما لم تحصل معجزة في نهاية الأسبوع الحالي (في زمن صارت المعجزات نادرة)، فان كل الظروف ستكون مؤهلة لعودة الناس الى الشوارع. لكن هذه المرة سيزداد الغضب، ويصل الى مرحلة أعلى من النقمة والعنف، الأمر الذي سيفرض على الجيش والمؤسسات الأمنية الأخرى ظروفا صعبة جدا قد لا يكون من السهل ضبطها. وأمام انعدام الأفق وضياع طبقة سياسية عاجزة ومتآمرة، لا أحد غير الله يعلم الى أين يُمكن ان يصل التدهور الاقتصادي والأمني.
  • لا أمل في حلول قريبة لأن ذلك يفترضُ قبولا دوليا وعربيا بإنقاذ لبنان، وهذا غير مُمكن طالما أن واشنطن وحلفاءها يعتقدون أن أي انتعاش للبنان يعني انتعاشا لحزب الله والمحور الذي ينتمي اليه.

ثمة من يقول ان الأمور ستبقى على تدهورها حتى انتخاب رئيس أميركي جديد في الخريف المقبل (خصوصا بعدما صار التنافس كبيرا وفعليا بين دونالد ترامب والديموقراطي جو بايدن)، فحينها يُمكن توقع عودة التفاوض الايراني الاميركي، ما سينسحب أيضا تفاوضا إيرانيا سعوديا، لكن ثمة من يذهب ابعد من التفاصيل للقول انه بعد الفوضى اللبنانية العارمة والمنتظرة، سيُطرح مصير النظام اللبناني برمّته على بساط البحث، ذلك إن لبنان وصل الى مرحلة العقم السياسي التام. هؤلاء يتوقعون فشل حكومة دياب وعدم تشكيل حكومة أخرى حتى نهاية العهد الحالي. بينما يقول آخرون أن “المجتمع الدولي لن يترك لبنان ينهار وانما يريد ابقاءه عند حافة الهاوية”.

في كل الأحوال، وللأسف، لا شيء يُبشّر بالخير، في المستقبل اللبناني القريب، وكل ما يقال غير ذلك، هو مجرد مداواة للسرطان بحبوب الأسبيرين.

سامي كليب

صحافي وكاتب لبناني

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
udemy paid course free download