الحريري إلى التغيير الحكومي.. بغطاء دولي

لم تحدث الكلمة التي وجهها الرئيس اللبناني ميشال عون، اليوم الخميس، إلى المتظاهرين في ساحات لبنان، الصدمة السياسية المطلوبة. لماذا؟

لم يهدأ هدير الساحات ولا حناجر المتظاهرين مع إنتهاء كلمة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون. أولاً، لأنها جاءت متأخرة أسبوعاً من الزمن، وثانياً، لأنها جاءت أقل بكثير من تقديرات المحتشدين في الساحات منذ سبعة أيام، وثالثاً، لأنها لم تخرج عن منطق أهل السلطة مجتمعين برمي كرة المسؤولية على “راجح”(الشخصية الرحبانية)، أي على الآخرين، وتحديدا على مجلس النواب، ورابعاً، لأنه يطلب المستحيل عندما يطالب المتظاهرين بتشكيل وفود تنوب عنهم في نقل مطالبهم إلى القصر الجمهوري، خصوصا وأننا أمام حراك يفتقر إلى قيادة موحدة، وخامساً، لأنه يتعهد للمتظاهرين بأن يكون ضمانتهم بينما هو نفسه ألمح في خطابه إلى ما كان يشكو منه دائما بأنه بعد إتفاق الطائف أصبح رئيس الجمهورية بلا معظم صلاحياته.

لعل النقطة الإيجابية الأبرز في خطاب رئيس الجمهورية، أنه فتح الباب أمام إعادة النظر بالوضع الحكومي، من نافذة التغيير الحكومي الشامل، أو التعديل الحكومي سواء عبر الطلب من بعض الوزراء تقديم إستقالاتهم أو إقالة بعضهم، فضلا عن تعيين بدلاء لوزراء القوات اللبنانية الأربعة المستقيلين.

ماذا جرى في الساعات الأخيرة، حتى قرر رئيس الجمهورية فتح الباب أمام إعادة نظر بالوضع الحكومي؟

ليس خافيا على الوسطاء والعارفين أن رئيس الجمهورية، ومنذ إنطلاق الحراك قبل أسبوع وحتى عصر يوم الأربعاء الماضي، لم يفتح حتى كوة صغيرة في موضوع التعديل أو التغيير الحكومي.

الأصح أن رئيس الجمهورية كان يتمنى تغييرا وزاريا يطيح بكل من علي حسن خليل ويوسف فنيانوس ووائل أبو فاعور ومحمد شقير، وأن يتولى رئيس الحكومة سعد الحريري بالتعاون مع جبران باسيل تعيين أربعة وزراء محل وزراء القوات اللبنانية، بما يضمن أكثرية الأصوات في مجلس الوزراء لتكتل لبنان القوي وحده. وعندما همس البعض في أذنه أن مفتاح التعديل الحكومي يبدأ من عند إسم جبران باسيل، كان جواب القصر الجمهوري أن التضحية بجبران باسيل ستفتح شهية البعض لأن الخطوة التالية ستكون هي المطالبة بإسقاط العهد.

أعطى الحريري لنفسه مهلة حتى يوم الأحد المقبل، فإما أن يكون هناك تغيير حكومي وإما يقدم على خطوة لم يحدد طبيعتها

دخل أكثر من عنصر ضاغط على موقف رئاسة الجمهورية. من البعد العائلي الضيق جدا إلى البعد الدولي، مرورا ببعض أصدقاء رئيس الجمهورية الذين يثق بهم وقد صارحوه القول بأن المخرج من الأزمة يكون بتغيير حكومي شامل، وأن حزب الله الذي أراد حماية العهد والحكومة منذ الساعات الأولى للحراك لا يمانع التغيير الحكومي، طالما أن الخط الأحمر هو العهد نفسه.

وكان اللافت للإنتباه في الموقف الدولي رسالتان تكملان بعضهما البعض. الأولى، نقلها السفير الفرنسي برونو فوشيه من الرئيس إيمانويل ماكرون إلى عون، اليوم الخميس، وتتضمن دعوة صريحة إلى تقديم تنازلات من أجل الحفاظ على الإستقرار والمضي في الإصلاحات. علما أن فوشيه نفسه كان يقارب ملف الحراك في الشارع اللبناني بلغة أكثر تساهلا، غير أن خلية الأزمة في قصر الأليزيه قررت إرسال رسائل أكثر دلالة في التعبير عن خطورة الموقف الداخلي في لبنان.

الرسالة الثانية حملها، اليوم الخميس، المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيش إلى القصر الجمهوري بإسم مجموعة العمل الدولية الخاصة بلبنان (ضمنا أقرب ما تكون إلى الموقف الأميركي)، وتتضمن تأكيدا على ما نقلته المجموعة سابقا إلى المسؤولين اللبنانيين حول وجوب حماية التظاهر السلمي ومنع أية محاولات للتصدي بالسلاح أو العنف للمتظاهرين، وإدانة أية ممارسات تؤدي إلى أعمال عنف تهدد الإستقرار (بما فيها قطع الطرق على المواطنين)، غير أن النقطة الأهم هي تأييد المجتمع الدولي لأية إعادة نظر بالوضع الحكومي شرط أن تتم بسلاسة ومن دون أية إنقلابات ودعم الجهود التي بدأتها الحكومة اللبنانية للمضي في الإصلاحات.

وصلت الرسائل الدولية وأعطت مفاعيلها، وبالتزامن، كان سعد الحريري يتعرض لضغط من رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط من أجل المبادرة إلى تقديم إستقالته، على قاعدة أن يتضامن معه وزراء “الإشتراكي” بالإستقالة فورا، وأن هذا هو المخرج الوحيد الذي يحدث صدمة إيجابية للشارع، فضلا عن رسائل تلقاها الحريري من الداخل والخارج تؤكد له أنه في حال إستقالته لن يكون هناك من مرشح لرئاسة الحكومة غيره، بصفته يشكل عنوانا لإستمرارية الدولة والإصلاحات والإستقرار.

ووفق المعلومات المتداولة، أعطى الحريري لنفسه مهلة حتى يوم الأحد المقبل، فإما أن يكون هناك تغيير حكومي وإما يقدم على خطوة لم يحدد طبيعتها.

عمليا، مع مبادرة رئيس الجمهورية إلى فتح الباب أمام تغيير الحكومة، وهذا مطلب الحريري، ذلك أن الأخير كان يردد أن أي تعديل يبقي جبران باسيل في الحكومة لن يحدث الصدمة المطلوبة، فإذا وافق رئيس الجمهورية على إستبعاد باسيل، عندها نذهب مباشرة إلى التغيير الحكومي.

الأكيد حتى الآن، أن لا رغبة دولية بتغطية أي تحرك يهدف إلى المس بموقع رئاسة الجمهورية، أو بالمجلس النيابي (إجراء إنتخابات نيابية مبكرة)، إلا أن ذلك لن يمنع من تركيز المجتمع الدولي على إطلاق ورشة القانون الإنتخابي سريعا، حتى يلامس نبض الشارع اللبناني الغاضب، حسب المناخات التي عكستها عواصم غربية، وأعادت خلالها التأكيد على عنصرين ضامنين للإستقرار اللبناني، أولهما، الجيش اللبناني، وثانيهما، مصرف لبنان المركزي.

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free online course