الحراك الآتي.. لا مفر منه

لم تنس كل مكونات السلطة بعد مشهد الحراك التشريني. لم تنسه. ولن تنساه. ثمة ما ومن يبشر أصحاب السلطة ويذكرها باستمرار بأن "الكابوس" الذي يفرون منه، سيردّهم إلى ما هو اصعب من عالم 17 تشرين/اكتوبر.

لقد عرف البعض كيف يستغل المشهد بامتياز. اجبر الفريق الآخر على أن يشكل حكومته، وصولا إلى الغرق في وحل الإفلاس، وهو المدرك، أكثر من غيره، مآلات الأمور، فكان أن حاول إلباس خصمه السياسي كل أعباء الواقع المرّ الذي شارك هو في صنعه بشراكة كاملة مع معظم أطياف السلطة بكل تلاوينها الاذارية.

اما في حكومة مواجهة التحديات، فحدث ولا حرج. الكل فيها يتقاذف كرة في ملعب لا مرمى فيه! وإذا أرادوا تسديد ركلات جزاء، اتخذوا من أحدهم هدفا وسددوا عليه.. المهم أنهم في الظاهر يلعبون! ثم إذا ملوا التسديد، حملوا وردة ونتفوا أوراقها: “مندفع… ما مندفع” حتى يأتي الخيار بعدم الدفع، لكن بناء على أي خطة أو معطيات؟ ربكم أعلم بما في صدورهم. هل أقاموا جردةً بالموجودات؟ ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل. هذا لا يحصل في دولة. إنه لا يحصل إلا في “دكّان”، بكل ما تعنيها كلمة الدكان من معنى. أيعقل أن موظفا في دولة يمتنع عن التصريح عن الموجودات في المصرف المركزي، ولا تستطيع الدولة أن تجبره على ذلك أو تتخذ إجراء بحقه؟ ما الذي يعنيه هذا.. إنه لا يعني إلا مسألةً واحدة: لا وجود للدولة أصلاً. هم بضعة زعماءٰ لديهم علاقات مع أصحاب رؤوس الأموال أو المصارف.. اذا اتفق الطرفان (الزعيم وصاحب رأس المال) على أمر ما قالوا له كن فيكون، واذا اختلفوا فسد الأمر. سواء أكانوا في الحكومة أم في المعارضة..وما صدر بالأمس عن النائب العام المالي علي ابراهيم ثم التراجع بامر قضائي ثان ليس سوى بمثابة توكيد لهذه القاعدة. لقد أُفسد أمر قراره. وتنطح بعض الزعماء المتضررين من القرار للاجهاز عليه.

نعم، هذا هو شكل السلطة في لبنان. إقطاعات. لا دولة. وعليه، فإن الأزمة ليست مجرد أزمة حكم المصرف وحسب. واذا ما سقط حكم المصرف وحده لن تُحل المشكلة. حكومة اللون الواحد حتى ولو اجتهدت، ولو لم تقصّر في الاجتهاد، فإنها ستبقى قاصرة ولن تستطيع أن تحل معضلة الأزمة التي يمر بها لبنان اليوم – وقد نطق بذلك الرئيس حسان دياب مؤخراً بأن الأزمة بنيوية وغير “عابرة”! .. أيُعقل أن يمرّ لبنان في أزمة لم يشهد لها في تاريخه مثيل، ثم يخرج نائبٌ ليقول إنها أزمة عابرة؟! إنها ليست سقطة من نائب مُتفرّدٍ في تفكيره هذا، إنها انعكاسٌ لرأي بعض النواب والكتل، الذين عن جهل لم يدركوا واقع الأزمة، ولم يعوا تلك العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، فتخبّطت مواقفهم مع بداية الحراك، فسعوا بكل السبل إلى محاصرته، ثم حصروا بيدهم الخيارات باعتماد صندوق النقد أو ما شابه من دون أن يدروا.. حتى إذا تأخر الوقت، ووقعت الواقعة، قاموا ورفضوا صندوق النقد! هل أنهم الآن أدركوا المشكلة أم ماذا؟ .. إذا كانوا قد أدركوا عمق المشكلة الآن فلات حين مناص.. وما أدرانا، قد نراهم أول الداعمين للحراك المقبل.. حراكٌ لا على شكل احتجاجات فقط وحسب، بل على شكل عنف عفوي متنقّل، وصرخات وويلات أمام أزمة الودائع التي تبخّرت. هي بالمناسبة حرفيّاً تبخرت. ثم أمام أزمة أكبر وهي أزمة المداخيل. ثم أزمة أكبر وأكبر، وهي موجات هائلة من الهجرة، أي انتفاء الموارد البشرية من هذا البلد، ما يعني أننا حتى بعد سنين لن نستطيع أن نخرج من أزمتنا وإن توفرت الموارد المالية.. إذ لا موارد بشرية أصلاً!

لقد أتت حكومة حسان دياب بتوافق سياسي.. وهي ليست حكومة “المرة الأولى في تاريخ لبنان” كما حاول فخامته تصوير المشهد، في أوّل بيانٍ له بعد منحه الثقة. يكفي أن يصوت عدد من الوزراء في مجلس الوزراء عندما تم اختيار إحدى الشركات المالية التي ستفاوض الدائنين في الخارج، على قاعدة مخالفة لكل قناعاتهم وما قالوه في كل ايام واسابيع المفاوضات “فنحن نلتزم بموقف فريقنا السياسي” ولو انهم غير مقتنعين بذلك.. إنها حكومة قاصرة، ولذلك فهي حتماً حكومة الانهيار،مهما كثرت الظواهر الصوتية، وبعض الحيل التي توحي للناس بانجازاتٍ وهمية لحل الأزمة.

لا بد أن يقتنع الزعماء بأجمعهم في لبنان أنهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الخراب(وهو أسوأ من كل الحروب التي مرت على لبنان)، أي أنهم يرتضون ببقائهم في السلطة الفعلية حتى ولو على حساب الناس، ثم بعد فترة سيضطرهم الوضع إلى خسارة سلطتهم..(بالمناسبة، حتى صندوق النقد لا يستطيع أن يوفر سوى 4.5 مليار دولار، في حين أن تقدير الخسائر يترواح بين 80 و 100مليار دولار.. أي أن صندوق النقد يؤمن 4٪ فقط من الاحتياجات)، وإما أن يرتاحوا ل 18 شهراً، المدة التي تعمل فيها حكومة انتقالية من الاختصاصيين ذات صلاحيات تشريعية، على مواجهة نتائج الأزمة، ثم على بناء قواعد وأسس الدولة(وقد عرضت حركة مواطنون ومواطنات في دولة تحمل المسؤولية في ذلك).. وبعد هذه المهلة، يعود هؤلاء الزعماء إلى السلطة، لكن هذه المرة كمنقذين.. وفي حال فشلت هذه الحكومة الانتقالية، فإنهم يكونون قد حصّنوا زعاماتهم لا العكس.. علماً أن هؤلاء شئنا أم أبينا يقود كل واحد منهم جزءا كبيرا من الشعب..وبالتالي لا يمكن إلغاؤهم في ليلة وضحاها. بل يمكن استيعاب وجودهم في اطار دولة مدنية، ولهذا فإن هذا الطرح يصب في مصلحتهم تماماً.

هذا هو الخيار العقلاني الوحيد الذي لم يطرحه سوى شربل نحاس وحركة مواطنون ومواطنات في دولة.. شربل نحاس الذي حاول البعض إسقاطه، لكنهم يفاجؤون يوما بعد يوم أنهم يحتاجون إليه.. أو أقله يرجعون اليه ليفهموا عمق المشكلة. هذا بالنسبة لمن عنده حسن النية في الحل ممن هم في السلطة.. أما سيئو النوايا، فأولئك يجيدون الحنكة التي تصب في غاية واحدة: اللهم نفسي وزعامتي ومالي أولا.

ولكن لا مفر من الآتي. ما تفرون منه ينتظركم غدا.. لا محالة.

ملاك عبدالله

صحافية لبنانية

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy course download free