عندما يصطدم أهل النظام بأنفسهم.. دياب نموذجاً!

مكافحٌ رئيس الوزراء اللبناني حسان دياب... وعنيد. في البداية، قال للجميع "لن أسمح بأن يقال أن لبنان تخلف عن دفع متوجباته المالية في عهدي". بعد أيام قليلة، إقتنع بعكس الفكرة. قرر أيضاً ألا يتراجع عنها: لا للدفع. لو كان هناك متسع من الوقت، لربما عدّل الرجل موقفه، لكن الوقت داهمه وصار القرار حتمياً.

ثمة فريق سياسي مربك ومتخبط منذ أحداث 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019. فُرضَ عليه أن يختار حسان دياب بعدما تعذر التفاهم مع سعد الحريري حتى آخر لحظة. قدّم دياب نفسه وتشكيلته الحكومية إلى الشعب اللبنانيّ كمنقذين للبلد مما بلغه من مصائب وآفات. الرجل يُظهر منذ لحظة تكليفه عناداً قلّ نظيره. يبحث عن إنجاز حقيقيّ يخلّد اسمه. قرر الأصعب. مواجهة النظام (السياسي ـ الإقتصادي) القائم وهو الذي أتى به إلى موقعه هذا. نحن أمام مصارعٍ ومجتهدٍ. صفتان يلمسهما عارفوه. ولكن، هل تخوّله هذه وتلك إنجاز وعوده؟

أولاً: أتى حسان دياب إلى رئاسة الوزراء بموجب تفاهم سياسي مع “المكلف السياسي”، وشكّل حكومته بعد تنازع بين مكونات الفريق الواحد حول الحصص لا حول أدوات ووسائل الإنقاذ. هي إذاً ليست حكومة مستقلين بل قوى اللون الواحد التي وزّرت وأقصت من تشاء.

ثانياً: هذا يعني أن هذه الحكومة نشأت في كنف النموذج السياسي القائم، والذي هو عبارة عن تزاوج ما بين جزء من السلطة السياسية والقطاع المصرفي، الأمر الذي يجعل دياب، في حال كانت لديه النية الحقيقية والجدية للتغيير، محكوما بالإصطدام الحتمي بكلا السلطتين السياسية والمصرفية (أهل النموذج) إذا قرر المضي بخطواته “الانقاذية”، علماً أنه ثمة مصالح  حقيقية تربط معظم فريق اللون السياسي الواحد الذي أوصله إلى رئاسة الحكومة بقطاع المصارف العابر للطوائف والمناطق ولكنه متمركز ضمن حيز إجتماعي محدد، وهذا الواقع يجعل حسان دياب ينازع وحيداً بين أهل المعسكر الواحد (السياسي ـ المصرفي) لو قرر أن يكون جديا لعبة مصارعة حيتان المال والفساد.

ثالثاً: أتى حسان دياب ومعه رزمة من الشعارات، ولعل أبرزها شعار استعادة الأموال المنهوبة، علماً أن الترجمة العملية لهذا العنوان هي دعوة ضمنية إلى تغيير النظام السياسي ـ الإقتصادي (النموذج)، وهذا ما لن ترضى به المكونات التي أوصلته إلى السلطة “الممسوكة” لكن غير المتماسكة حالياً، والتي تحاول كسب الوقت لإبقاء النظام السياسي على ما هو عليه.

رابعاً: لقد أشهر حسان دياب بقرار التعثر عن سداد الديون، إفلاس النظام السياسي والإقتصادي (النموذج) بكل ما للكلمة من معنى. ولم يعد بمقدور هذه الطبقة السياسية أن تأتي بأي خيار أو طرح سياسي إقتصادي جديد. عليه، أي محاولة يقوم بها حسان دياب ستبقى قاصرة على التنفيذ ما بقي النظام المفلس على حاله.

يفتخر بعض أهل السلطة السياسية الحالية اليوم بهذا الإنجاز التاريخي بالتخلف عن السداد، وينسبون “الإنجاز” لأنفسهم، علماً أن هؤلاء أنفسهم ساهموا في جريمة دفع إستحقاقات يوروبوند بعد 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، وتعهدوا بعدم تخلف لبنان عن الدفع في العام 2020

خامساً: ما حصل بين القاضيين اللبنانيين علي ابراهيم وغسان عويدات هو نموذج للانجازات ــ الأوهام، كما أنه نموذج لقوة المنظومة السياسية المصرفية على منع أي انجاز، علما أن قرار القاضي ابراهيم حوى الكثير من الثغرات التي تسمح بسهولة للقاضي عويدات أن يستثمرها لتجميده.. ما يجعل المسألة بأكملها مجرد فقاعة إعلامية ليس أكثر.. وخصوصا أن القاضي ابراهيم تسلم عشرات الملفات في قضايا الفساد سابقاً ولم يتحرك لاتخاذ اجراءات عملية لمكافحة الفساد، كما أن طريقة إستجواب بعض القيمين على المصارف بشأن الأموال التي تم تحويلها خارج لبنان بعد 17 ت1/أكتوبر الماضي، هي دليل مناقض لقراره الأخير.

سادساً: كل حديث عن خطة اصلاحية بات من الماضي. الخطة الإنقاذية هي التي تقود إلى تغيير بنيوي في النظام السياسي ـ الإقتصادي، وهذه حتماً ليست وظيفة ولا قدرة حسان دياب مهما اجتهد.

سابعاً: الخطاب العاطفي الذي جاء به رئيس الوزراء في نهاية كلمته حول أهمية الوحدة بين اللبنانيين، وحول أن العدو الأول هو الانقسام، في حين أننا من خلال الوحدة سنتتصر… يبقى مجرد كلام عاطفي لا قيمة مادية له، في ظل الانقسام العامودي الذي خلفه تشكيل حكومة اللون الواحد، وفي ظل مناخ اللاثقة بها عند عدد لا يستهان به من اللبنانيين، فضلا عن موقف معظم الخارج السلبي منها.

ثامناً: كل كلام عن ربط قرار عدم دفع سندات اليوروبوند بحماية أموال الناس وودائعهم، وهذا جوهر كلمة رئيس الحكومة نفسه هو كلام نظري، طالما أن قرار التخلف عن السداد هو نتيجة تلقائية لنضوب الأموال من جهة وعجز النظام عن مد الطبقة السياسية بأوكسيجين جديد يطيل حياتها من جهة ثانية، وليس قراراً ناتجاً عن خطةٍ بعينها (كيف نفسر أن تخلف الحكومة عن الدفع يأتي لصالح الناس وحماية ما تبقى من أموال، وفي الوقت نفسه تبادر الحكومة إلى سداد دين بقيمة 71 مليون دولار، قبل أقل من شهر مضى؟)

تاسعاً: يفتخر بعض أهل السلطة السياسية الحالية اليوم بهذا الإنجاز التاريخي بالتخلف عن السداد، وينسبون “الإنجاز” لأنفسهم، علماً أن هؤلاء أنفسهم ساهموا في جريمة دفع إستحقاقات يوروبوند بعد 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، وتعهدوا بعدم تخلف لبنان عن الدفع في العام 2020، أي أنهم أجازوا لأنفسهم تسديد الدين في الاستحقاق الماضي وأقدموا على عكسه اليوم؟

عاشراً: إن المعيار الأول لجدية هذه الحكومة كان بإلزامها حاكم مصرف لبنان المركزي بإصدار تعميم منذ لحظة ولادتها يمنع المصارف اللبنانية من بيع سنداتها المستحقة لهذا الشهر باليوروبوند لأي مصرف أجنبي، أما وأن هذا القرار لم يتخذ، لا بل تم تشريع الأبواب أمام قلب قاعدة الدائنين لليوروبوند (أقلية محلية وأغلبية أجنبية بدل العكس). هل من يبادر إلى المساءلة عن هذه أو عن تهريب الأموال ليس في الفترة التي أعقبت 17 تشرين/أكتوبر، بل في كل العام 2019؟

حان الوقت ليدرك اللبنانيون أن كل حروف السين التي تسبق أفعال العمل (سنعمل، سنطبق، سننفذ).. لا تؤدي إلى أية نتيجة. لنستعد لما هو آت.. ولما سيكون صعباً جداً جداً. المحزن المبكي، كما قال رواد مواقع التواصل، أن لبنان دشن خلال أقل من أسبوع حقبة بدأت بإعلان لبنان بلدا نفطياً وسرعان ما إنتهت في الأسبوع نفسه بإعلان لبنان بلدا مفلساً؟

ملاك عبدالله

صحافية لبنانية

Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free